إبراهيم شقلاوي يكتب: الخرطوم.. مدينة تم التآمر عليها

  بالأمس أرسل لي أحد الأصدقاء حلقة  من برنامج” للقصة بقية” الذي تقدمه بقناة الجزيرة الإعلامية المميزة فيروز زياني، بعنوان “الخرطوم.. ترييف المدن”. ورغم قِدمها، بدت الحلقة راهنة، فالخرطوم تضخمت لأنها حملت ثقل الدولة وتحدياتها . ولهذا لم يكن ثقلها مصدر قوة دائمًا، فقد جعلها أيضًا هدفًا للتآمر والاطماع ، فيما أسهمت العقوبات الأمريكية في إضعاف اقتصادها وإعاقة دورها. ومن هنا تبدو قصة الخرطوم جزءًا من قصة الدولة نفسها، وصراعها على وجودها ودورها ومستقبلها.
كانت الحلقة تناقش انتقال الخرطوم من نصف مليون نسمة إلى عشرة ملايين، في ظاهرة ،تعبر عن اختلال التنمية بين المركز والأطراف. وقدم البرفسور العربي بوعياد قراءة أكاديمية للظاهرة، بينما بدأ حديث مجدي عبد العزيز، معتمد أم درمان آنذاك، أقرب إلى التبرير السياسي منه إلى مواجهة  الأزمة. بما عكس جانباً من أزمة السلطة في تلك المرحلة، الميل إلى التعامل مع الحقائق باعتبارها مشكلة في الخطاب، لا مشكلة في الواقع.
إبراهيم شقلاوي يكتب: سد فولا.. وحسابات أمن السودان المائي
إبراهيم شقلاوي يكتب: رئيس الوزراء.. صناعة الإحراج
إبراهيم شقلاوي يكتب: علاج الرئيس
فالخرطوم لم تكن تستقبل الريف لأنها مدينة ساحرة، وإنما لأن الدولة جعلت منها مركزاً شبه وحيد للفرص والخدمات والتعليم والعلاج والعمل. كل جامعة أفضل في العاصمة كانت تسحب أبناء الولايات، وكل مستشفى أكثر قدرة كان يستقبل مرضى من الأطراف، وكل وظيفة او استثمار كان ينتج مهاجراً جديداً. وهكذا أصبح ترييف الخرطوم، نتيجة حتمية للسياسات الفاشلة  والتخطيط الكسول، وأصبح تضخم العاصمة مرآة لاختلال الدولة.
لكن ثمة سؤالاً مهم يجب أن لا يفوت علي القاريء المنتبه، لماذا ظلت الخرطوم تدفع، جيلاً بعد جيل، أثماناً تتجاوز وظيفتها كعاصمة للدولة؟
لأن الخرطوم لم تكن مجرد مدينة إدارية، كانت في أوقات كثيرة عاصمة للموقف السوداني والعربي. ففي عام 1967 احتضنت القمة العربية الشهيرة التي ارتبطت باللاءات الثلاثة، وتحولت المدينة في لحظة تاريخية إلى مساحة لصناعة القرار العربي في أعقاب النكسة. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط اسم الخرطوم بقدرة السودان على إنتاج موقف يتجاوز  جغرافيته.
لكن المواقف لا تمر بلا كلفة، خصوصاً حين تصدر عن دولة ذات موقع استراتيجي مؤثر. فالسودان، بموقعه بين العالم العربي وإفريقيا، وإطلالته على البحر الأحمر، وموارده الزراعية والمائية وثرواته الطبيعية، ومجاورته لبؤر التوتر في القرن الإفريقي وحوض النيل، ليس هامشاً في الحسابات الإقليمية، بل نقطة تقاطع فيها المصالح والصراعات لتتجاوز الحدود، ولذلك أصبحت الخرطوم ، في قلب هذه الحسابات.
ومن هنا يمكن فهم عنوان المقال، “مدينة تم التآمر عليها” ، باعتباره توصيفاً سياسياً لمسار طويل من القرارات والمواقف التي أحاطت بالخرطوم، وجعلت إضعافها وإبقاءها خارج مسار النهوض أقرب إلى مخطط تتقاطع فيه حسابات إقليمية ودولية، لا حصيلة عشوائية للأحداث.
 فقد تداخلت في تلك الفترة الضغوط الخارجية مع العقوبات الأمريكية، ومع أطماع سياسية إقليمية، ومع أخطاء داخلية، حتى أصبح السودان أكثر هشاشة أمام التحديات. فالعقوبات في مراحلها المختلفة، أثرت بصورة مباشرة علي حياة الناس والبنية التحتية، كما أثرت في البيئة الاقتصادية والمالية والاستثمارية، وجعلت مسار التعافي والتنمية أكثر صعوبة.
لكن تحميل الخارج كل المسؤولية سيكون قراءة ناقصة. فقد ساهمت أخطاء الداخل في فتح الأبواب التي دخلت منها الضغوط الخارجية، بجانب ضعف المؤسسات، مركزية القرار، اضطراب الاقتصاد، سوء إدارة الموارد، والانقسامات السياسية التي جعلت الدولة أقل قدرة على حماية نفسها.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023  وما سبقها من تخضير لتجمع كثيراً من هذه التناقضات. فما جرى للخرطوم، كان صراعاً على مركز الدولة ومؤسساتها وذاكرتها. ولذلك فإن حجم الخراب الذي أصاب العاصمة لا يمكن فصله عن الصراع على هندسة البلاد. المدينة التي كانت تعاني قبل الحرب من فائض السكان أصبحت تعاني من نزوح السكان، والمدينة التي كانت تستقبل الباحثين عن الأمان أصبحت  نفسها تبحث عن الأمان.
هنا تبدو المفارقة التاريخية قاسية، الخرطوم التي احتضنت العرب في لحظة انكسار، وجمعت الخصوم حول موقف سياسي واحد، تجد نفسها، أمام مأساة كبرى، بينما يشعر كثير من السودانيين بأن التضامن العربي لم يكن بحجم العلاقة التاريخية ولا بحجم الكارثة. وفي المقابل، دخلت الحرب في شبكة من التفاعلات الإقليمية والدولية، وأصبح السودان ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة، فيما يدفع المواطن وحده كلفة الخراب.
لذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة، دفعت الخرطوم ثمن مركزية الدولة قبل الحرب، ثم ثمن ضعفها خلالها، وستدفع كلفة استعادة عافيتها بعدها. لكن القضية أكبر من إعادة إعمار مدينة، إنها إعادة بناء دولة، وتصحيح توزيع التنمية والفرص، وتحويل الخرطوم من مركز يستنزف البلاد إلى عاصمة تخدمها. وقد كشفت الحرب حجم التآمر والأطماع المحيطة بالسودان، بما يجعل الوعي بها جزءاً من أمننا القومي، ومسؤوليةٌ تتكامل فيها القيادة بحماية الاستقرار، والمواطن بإدراك المخاطر، و الإعلام بكشف ما وراء الأحداث ، حتى لا نعيد بناء المدينة ونُبقي أسباب أزمتها قائمة.
دمتم بخير وعافية.
Exit mobile version