كان بإمكان الجيش المصري اعتقال المعدنين أو طردهم من أراضيه بأي وسيلة أخرى، دون اللجوء إلى القصف الجوي الذي أفضى إلى هذه المجزرة. فمهما كانت المبررات الأمنية، لا يمكن تبرير استخدام القوة المميتة في مواجهة أشخاص كان بالإمكان التعامل معهم بوسائل أقل فتكاً. إنها مأساة لا يمكن تجاوز بعدها الإنساني والأخلاقي.
وفي المقابل، لا توجد أي مبررات لانتهاك سيادة الدول، أو عبور حدودها دون إذن، أو استباحة ثرواتها الوطنية. فكما أن حماية الأرواح واجب، فإن احترام سيادة الدول وقوانينها وحدودها واجب لا يقل أهمية.
الحقيقة أن مصر تعاملت مع ما اعتبرته تهديداً لأمنها وسلامة أراضيها بقدر بالغ من القسوة، لكن الحقيقة أيضاً أن التعدين داخل أراضي الآخرين دون إذن يمثل انتهاكاً واضحاً لسيادتهم وقوانينهم، ومساساً بأمنهم الداخلي. ولا ينبغي أن يدفعنا استنكار المجزرة إلى تبرير انتهاك الحدود، كما لا يجوز اتخاذ حماية السيادة ذريعة لتبرير القتل.
أما أنصار الجنجويد الذين يتصدرون المشهد اليوم للمزايدة الأخلاقية، فالأجدر بهم أن يراجعوا مواقفهم قبل توزيع صكوك الإنسانية على الآخرين. أين كانت أصواتهم حين قصفت المليشيا المدن والقرى والمساجد، وقتلت المدنيين العزل؟ وأين كانت ضمائرهم حين برروا مجزرة ود النورة بحجة أن الضحايا كانوا مستنفرين؟ وأين اختفت إداناتهم حين قتل المدنيون في الفاشر ومثل بجثثهم؟
يومها، ابتلعوا ألسنتهم، وصمتوا صمتاً مريباً، بل إن بعضهم انشغل باختلاق المبررات للقتلة.
لا قداسة للقوة حين تفتك بالأبرياء، ولا حصانة لمنتهكي السيادة، ولا مصداقية لمن ينتقي ضحاياه ويكيل بمكيالين. فالدم السوداني ليس أقل قيمة حين يسفكه الجنجويد. المعيار الأخلاقي الحقيقي لا يتغير بتغير هوية القاتل، ولا تسقط حقوق الضحايا لأن الجريمة ارتكبها حليف أو ارتضاها صاحب موقف سياسي.
