أزمة الوقود في السودان.. أربعة مستوردين والدولار يتجاوز 9 آلاف جنيه، أين يكمن الحل؟

أزمة الوقود في السودان ليست مجرد نقص في البنزين والجازولين أو ازدحام أمام محطات الخدمة. إنها قضية اقتصادية تؤثر في حياة المواطنين وتكلفة الإنتاج والنقل والزراعة والصناعة والتعدين، وتنعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات.
وعندما يتجاوز سعر الدولار 9,000 جنيه سوداني، وفق السعر الذي تؤكده بيانات السوق، يصبح من الضروري مراجعة الطريقة التي تُدار بها واردات الوقود، خاصة أن الدولة تخصص نقداً أجنبياً لاستيراد هذه السلعة الاستراتيجية، بينما يستمر الجنيه في التراجع.
أربع شركات والدولار التفضيلي
تشير المعلومات المتداولة عن ضوابط استيراد الوقود إلى أن 28 شركة تقدمت للاستيراد، لكن أربع شركات فقط تمكنت من استيفاء الشروط، التي شملت ضماناً عينياً يبلغ 200 كيلوغرام من الذهب.

اجتماع بين وزير الطاقة و المالية و محافظ بنك السودان المركزي لبحث أزمة الوقود

طارق كجاب : أزمة الوقود مفتعلة و سوء الإدارة وراء تكرار المشكلة
وقد يكون الهدف من الضمانات حماية أموال الاستيراد والحد من المخاطر، لكن اقتصار النشاط على عدد محدود من الشركات يطرح مسألة مهمة تتعلق بالمنافسة وتكلفة الاستيراد.
فكلما اتسعت المنافسة بين الموردين والمستوردين، زادت فرص مقارنة الأسعار والشروط واختيار العروض المناسبة. أما عندما يتركز الاستيراد في عدد قليل من الشركات، فمن الضروري التأكد من أن هذا التركّز لا يؤدي إلى ارتفاع التكلفة أو إضعاف المنافسة.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تحصل الشركات على الدولار بسعر تفضيلي من بنك السودان المركزي. فالمواطن يحتاج إلى معرفة العائد الذي يحققه الاقتصاد مقابل هذا الدعم، ومدى انعكاسه على توفر الوقود وأسعاره.
إن تخصيص الدولار لاستيراد الوقود لم يمنع تدهور الجنيه السوداني. ولا يعني ذلك أن سياسة استيراد الوقود وحدها مسؤولة عن تراجع العملة، لأن سعر الصرف يتأثر بعوامل كثيرة، منها الصادرات وإيرادات النقد الأجنبي والطلب على الواردات. لكنه يعني أن تخصيص الدولار ينبغي أن يخضع لتقييم واضح يبين ما تحقق مقابل الموارد التي استُخدمت.
من يستورد الوقود وبأي تكلفة؟
المشكلة ليست في أن يكون المستورد شركة خاصة أو جهة حكومية، وإنما في الطريقة التي يتم بها الشراء، ومدى الشفافية في تحديد الأسعار والكميات وتخصيص الدولار.
فاستيراد الوقود يحتاج إلى معرفة احتياجات البلاد الفعلية، وتحديد الكميات المطلوبة، ومقارنة عروض الموردين، وحساب تكلفة الشراء والشحن والتأمين والتخزين والتمويل. وقد يكون العرض الأقل سعراً عند الشراء ليس هو الأقل تكلفة عند وصول الوقود إلى السودان، ولذلك يجب النظر إلى التكلفة الكلية وليس إلى سعر الشراء وحده.
ومن هنا يمكن الاستفادة من فكرة تتبعها دول في شراء السلع الاستراتيجية، مثل القمح: أن تجمع الدولة احتياجاتها، وتطرح الكميات المطلوبة أمام الموردين، وتقارن العروض وفق معايير واضحة، ثم تختار العرض الذي يحقق أفضل تكلفة وشروط توريد مناسبة.
ويمكن تطبيق هذه الفكرة على الوقود بما يتناسب مع ظروف السودان واحتياجاته. فبدلاً من أن تتعامل الجهات المختلفة مع الاستيراد بصورة متفرقة، يمكن وضع خطة وطنية تحدد احتياجات البلاد، ومواعيد الاستيراد، والكميات المطلوبة، والمخزون الاستراتيجي، والتكلفة المتوقعة.
المؤسسة السودانية للنفط ودورها المطلوب
في هذا السياق، تبرز أهمية المؤسسة السودانية للنفط، خاصة مع تداول معلومات صحفية عن إجازة قانون تكوينها. ويظل من المهم الرجوع إلى النص الرسمي للتحقق من الوضع القانوني النهائي وصلاحيات المؤسسة.
ويمكن أن تكون المؤسسة جهة محورية في تنظيم احتياجات السودان من الوقود وإدارة عملية الشراء على أساس اقتصادي واضح. فتحدد الكميات المطلوبة، وتجمع الاحتياجات، وتقارن عروض الموردين، وتتابع العقود والتكاليف ومواعيد وصول الشحنات، وتراقب المخزون لضمان استمرار الإمداد.
وإذا أظهرت المقارنة أن الشراء المباشر بواسطة المؤسسة من الموردين الدوليين الكبار يحقق تكلفة أقل وشروطاً أفضل، فيمكنها القيام بهذا الدور. أما إذا كان القطاع الخاص قادراً على الاستيراد بتكلفة أقل وكفاءة أعلى، فيمكن الاستفادة منه وفق قواعد معلنة وعادلة.
المهم أن تكون هناك جهة تخطط للاحتياجات وتراقب التكلفة والنتائج، بدلاً من الاكتفاء بتحديد الشركات المؤهلة وتخصيص الدولار لها دون تقييم واضح للعائد الاقتصادي.
ويمكن للمؤسسة أن تستفيد من المنافسة بين الموردين الدوليين للحصول على أسعار وشروط مناسبة، مع نشر المعلومات الأساسية عن الكميات المتعاقد عليها وتكلفة الاستيراد ومواعيد التسليم، وإخضاع العمليات للمراجعة المالية المستقلة.
لكن نجاح المؤسسة لن يتحقق بمجرد إنشائها أو إجازة قانونها. بل يتطلب إدارة مهنية، ووضوحاً في الصلاحيات، وفصلاً بين تنفيذ عمليات الشراء والرقابة عليها، ومحاسبة المسؤولين عن أي تأخير أو تجاوز.
الدولار التفضيلي مقابل نتائج واضحة
إذا كانت الدولة تخصص الدولار بسعر تفضيلي لاستيراد الوقود، فمن الطبيعي أن تطلب مقابلاً اقتصادياً واضحاً لهذه الميزة.
ويجب أن تتضمن الشروط معرفة الكميات التي استوردتها كل شركة، وتكلفة وصولها، ومواعيد التسليم، والأسعار التي تباع بها، ومدى التزامها بتوفير الإمدادات. كما ينبغي أن تكون الضمانات متناسبة مع المخاطر، وألا تؤدي إلى استبعاد الشركات القادرة على المنافسة لمجرد ارتفاع قيمة الضمان المطلوب.
والهدف ليس زيادة عدد المستوردين لمجرد الزيادة، بل إيجاد منافسة حقيقية تساعد على خفض التكلفة وتحسين الإمداد، مع حماية موارد النقد الأجنبي من سوء الاستخدام.
كما أن أي سياسة جديدة ينبغي أن تقاس بنتائجها: هل وصل الوقود في الوقت المناسب؟ هل انخفضت تكلفة الاستيراد؟ هل تحسنت إدارة المخزون؟ وهل انعكس تخصيص الدولار على انتظام الإمدادات والأسعار؟
المطلوب تغيير طريقة الإدارة
إن أزمة الوقود تحتاج إلى معالجة تتجاوز توزيع حصص الاستيراد بين الشركات. فالسودان يحتاج إلى نظام واضح يبدأ بتقدير احتياجاته، ثم التخطيط للشراء، ومقارنة العروض، وإدارة النقد الأجنبي، ومتابعة الشحنات والمخزون، ومراجعة النتائج.
ويمكن للمؤسسة السودانية للنفط أن تقود هذا التنظيم، مع الاستفادة من القطاع الخاص حيث يحقق كفاءة أفضل، وضمان الشفافية والرقابة على الأموال والعقود.
فالوقود ليس سلعة عادية؛ إنه مدخل أساسي في معظم الأنشطة الاقتصادية. وكل تحسن في طريقة استيراده وإدارته يمكن أن يساعد في تقليل تكاليف النقل والإنتاج والحد من الضغوط على أسعار السلع، وإن كان استقرار الجنيه والتضخم يحتاج أيضاً إلى سياسات اقتصادية أوسع.
المطلوب في النهاية ليس استبدال أربعة مستوردين بجهة واحدة فحسب، وإنما بناء نظام يضمن الشراء بتكلفة مناسبة، والمنافسة العادلة، والاستخدام المسؤول للدولار، والمحاسبة على النتائج. عندها تصبح المؤسسة السودانية للنفط وسيلة لتحسين إدارة موارد البلاد، ويصبح المواطن قادراً على رؤية أثر السياسات في توفر الوقود وتكلفته، لا مجرد سماع الوعود بشأنها.

أزمة الوقود في السودان.. أربعة مستوردين والدولار يتجاوز 9 آلاف جنيه، أين يكمن الحل؟
بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد

Exit mobile version