وصلتُ إلى أرض الوطن قبل 48 ساعة، لا لشيء سوى المثول أمام أولى جلسات محكمة بلاغ خالد الأعيسر ضدي، على خلفية اتهامه لي بأنني (اتهمته بتلقي أموال من الدعم السريع). لكنني فوجئت ببلاغ جديد حرّكه مكتب كامل إدريس ضدي، ليصبح البلاغ السادس الذي يخرج من مكتب رئيس الوزراء! الذي لم تعد لديه ملفات يعمل عليها سوى بلاغات الصحفيين و هكذا قضيت الساعات الأولى من عودتي بين التحقيقات و الضمانات و الإجراءات القانونية، بدلاً من أن أكتب عن حدث جلل لا يجوز الصمت عليه، هو حادثة المعدّنين السودانيين في شمال الوادي.
لكن ما فاتني من وقت لن يفوتني من موقف، و ما شغلتني به البلاغات لن يشغلني عن دماء أبناء وطني.
فالدم السوداني أغلى من أن نصمت على إهداره، وأكرم من أن نساوم عليه ولا نحتاج إلى إذن من أحد حتى ندين سفكه ونطالب بمحاسبة المسؤولين عنه.
رشان اوشي : من يشعل الحريق و يتظاهر بالبكاء؟
غير أن الغضب، مهما كان مشروعاً، لا ينبغي أن يعمينا عن حقائق الأمور، و لا أن يدفعنا إلى قرارات انفعالية قد ندفع جميعاً ثمنها.
فحين تقع أحداث جسيمة كهذه، قد تترتب عليها عواقب خطيرة، تصبح الحكمة ضرورة وطنية، وتصبح إدارة الأزمة بمسؤولية واجباً لا يحتمل المزايدة.
و هنا تحديداً، ينبغي أن ننتبه إلى( أصوات القحاته اللئام) الذين لا يعيشون إلا على الأزمات، و لا يتغذون إلا على الفتن، و لا يجدون فرصة لتصفية حساباتهم مع الوطن أفضل من لحظات الألم و الغضب. إنها ذات الأصوات التي تتربص بكل علاقة، و تبحث عن كل شرخ لتوسّعه، حتى تحوّل الحادثة إلى أزمة، و الأزمة إلى قطيعة، و القطيعة إلى عداوة لا تخدم إلا أعداء السودان.
أولئك هم الذين يريدون أن تتحول دماء أبنائنا إلى وقود لمعركة سياسية، وأن يصبح الحزن الشعبي جسراً لضرب علاقات السودان الاستراتيجية مع الشقيقة مصر
لا تفريط في الدم السوداني، ولا ينبغي أن تُطوى القضية أو تُختزل في بيانات مجاملة ، في المقابل، ليس من الحكمة أن نعلن الحرب على مصر، ولا من الوطنية أن نندفع إلى خصومة معها قبل أن تكتمل الحقائق.فمصر ليست إثيوبيا العدو و ليست الإمارات التي مولت المليشيا و دعمتها ولازالت ، وليست تشاد وجنوب السودان التي فتحت طرق الإمداد أمامها، بينما فتحت مصر أبوابها أمام ملايين السودانيين الذين فرّوا من جحيم الحرب و الموت الذي أشعلته مليشيا الدعم السريع.
و هنا تكمن المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها : أن تتحدث المليشيا و من معها اليوم عن حرمة الدم السوداني، و كأنها لم تترك دماء أبناء هذا الشعب تسيل في شوارع الخرطوم و الجزيرة و الجنينة و الفاشر! و كأن ذاكرة السودانيين يمكن أن تُمحى، أو أن سجل الجرائم يمكن أن يُغسل ببيان تضامن أو دموع سياسية مستجدة!
نعم ، من حق مصر أن تحمي أرضها وثرواتها، ومن حق السودان أن يحمي أبناءه، وأن يحتج على مقتلهم، وأن يطالب بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. لكن هذه الحقوق لا تتناقض مع الحفاظ على علاقة تاريخية واستراتيجية تربط الشعبين منذ آلاف السنين، ولا تعني أن نتعامل مع الحادثة بمنطق القطيعة قبل استكمال التحقيق.
نحن لا نساوم على دمائنا، ولا نفرّط في كرامة أبنائنا، لكننا أيضاً لا نسمح لأحد بأن يستثمر في دمائنا لتخريب علاقاتنا ، إن العلاقة بين السودان ومصر أكبر من أن تُترك رهينة للإنفعالات، وأعمق من أن تهدمها حملات التحريض، وأهم من أن نمنح المتربصين فرصة العبث بها. والمطلوب اليوم ليس الصمت، بل الموقف المسؤول؛ ليس التنازل عن حقوق الضحايا، بل انتزاعها بالحقيقة والقانون، لا بالشعارات المندفعه التي تشعل النار ثم تترك الوطن يحترق.أما الذين وجدوا في مأساة المعدّنين فرصة جديدة للنيل من القوات المسلحة، فهؤلاء لا يوجعهم الدم السوداني بقدر ما توجعهم فرصتهم الضائعة في استثماره سياسياً ومضحك أن ترى (مدعيةتسخر من الجيش وتبكي على المعدنين وهي التي لم تبكي أباها ). ياتو جيش (يا سخلة الغناء) اليس هو الجيش العظيم الذي أفشل مشروع الاستعمار وحرر المدن وأعاد اليها أهلها ومن السخرية أن نرى القحاته الذين لم نسمع لهم صوتاً يوازي حجم مآسي السودانيين السابقة،وهم يستنفرون اليوم كل أدواتهم في قضية لا تزال حقائقها بحاجة إلى تحقيق، وكأن الوجع عندهم يُقاس بمدى خدمته للخصومة السياسية، لا بحجم الفاجعة نفسها. لذلك اقول لتلك الأصوات التي انتقت هذه المأساة لتوزع بها الاتهامات وتصفّي بها الحسابات،: إن دماء السودانيين لا تتجزأ، و كرامتهم لا تخضع للانتقاء، و العدالة التي نطالب بها اليوم هي ذاتها التي نطالب بها بالأمس، في كل مدينة وقرية سالت فيها دماؤهم بمسيرات أثيوبيا ورصاص دويلة الشر
خلاصة القول: نريد الحقيقة كاملة، والعدالة كاملة، وحقوق الضحايا كاملة؛ لكننا لن نسمح لأحد بأن يجعل من دماء أبنائنا سلّماً للفتنة، أو من حزننا الوطني سلاحاً لضرب السودان ومصالحه وعلاقاته الاستراتيجية.
فالكتابة عن الوطن ليست أن نصرخ كلما اشتعلت النار، بل أن نعرف كيف نطفئها من دون أن نفرّط في الحق، وكيف ننتزع العدالة من دون أن نهدم ما ينبغي أن نحافظ عليه.
دماؤنا خط أحمر.. والفتنة خط أحمر.. والوطن أكبر من ألاعيب المتاجرين بوجعه..
ام وضاح
