لا يمكن تبرير أخذ الثأر بإطلاق رصاصة تجاه مواطن مصري بريء دخل بلادنا تحت سمع و بصر السلطات المختصة.
الرصاصات التي تم تصويبها على أجساد السائقين المصريين لم تقتل اثنين منهم و تجرح الآخر، بل أصابت سماحة ووداعة وطيبة أهل السودان في تعاملهم مع ضيوف بلادنا عامة و مع المواطنين المصريين خاصة.
و لهذا لا يجد المتابع مبرراً لحالة الهيجان و الشيطنة التي يبثها الإعلام المصري بطريقة شعبوية تصور الأمر و كأنه استهداف مباشر لأي مصري في السودان.
السلطات السودانية ألقت القبض على القاتل و أودعته الحراسة و ستتم محاكمته على جريمته المنكرة.
المفارقة المحزنة تكمن في فارق التوقيت و التفاعل مع الحدثين؛ الجانب السوداني أمسك عن الحديث حول فاجعة منطقة التعدين شمال الوادي، ونطق مجلس السيادة ببيان بارد محصلته تشكيل لجنة تحقيق لكشف ملابسات ما حدث، بينما أجساد السودانيين و الأجانب الذين قضوا هناك ملأت شاشات الهواتف وتايم لاين الأحداث.
الحكومة المصرية سارعت بإصدار بيان للرأي العام الداخلي و الخارجي.
عبد الماجد عبد الحميد : مقتلة منطقة التعدين أطرافها الفاعلة حاضرة
و حاولت رفع ضغط الرأي العام السوداني تجاه مأساة قصف الطيران المصري للمعدنيين السودانيين، و توجيه بوصلة الحديث إلى التلميح باستهداف السائقين المصريين، و هو الحدث المؤسف الذي نتج عن قصف مواطنين أبرياء تم دفن بعضهم تحت أكوام الكرتة و صخور التنقيب العشوائي عن الذهب في منطقة تماس الحدود السودانية المصرية.
الدرس المستفاد من هذه الوقائع المحزنة أن الحكومة المصرية لا تتساهل مطلقاً في أي قضية ترى فيها مساساً بأمنها القومي، و إن أدى ذلك إلى حبس مواطنين سودانيين حتى الموت داخل المعتقلات و السجون المصرية، وتقييد دخول السودانيين إلى الأراضي المصرية، و إن أدى ذلك إلى قصفهم بالطائرات المقاتلة.
بينما نجد أن الجانب السوداني يتساهل في التعامل مع دخول المصريين إلى السودان، و يؤكد هذا دخول الشاحنات المصرية تحت قيادة سائقين مصريين حتى قلب العاصمة الخرطوم، و في زمان مضى كانت هنالك مجموعة من بائعي الأواني المنزلية من أبناء مصر يجوبون أحياء عواصم المدن و القرى السودانية دون أن يعترضهم أحد أو يسأل عن الأسباب التي تدفع مواطناً مصرياً لبيع الصحون و مصافي الشاي و الملاعق في مناطق وقرى نائية لم يصل إليها حتى أشطر بائعي العدة من أهل السودان !!
مأساة و مقتلة المعدنين السودانيين تتطلب تفاهماً بين الجانبين السوداني و المصري يتجاوز لغة الدبلوماسية المعلبة، و ينفذ مباشرة إلى تحديد نقاط الخلاف العالقة خاصة على الحدود.
الشعب السوداني و لأجيال لن يترك حلايب تحت الاحتلال المصري و لن يتنازل عن أي شبر في حدوده مع مصر و في ذات الوقت ستبقى أرض السودان مفتوحة و آمنة لكل أبناء الشعب المصري الذين تحمل الكثرة الغالبة منهم حباً عميقاً للشعب السوداني الذي لا يحتاج هو الآخر إلى تأكيد على صلات تاريخية ليست محل مجاملة و لا استدعاء في لحظات الشدة والتوتر.
عبد الماجد عبد الحميد
