أعادت التقارير المتعلقة بمقتل وإصابة عشرات المنقبين السودانيين عن الذهب في ضربات جوية قرب الحدود المصرية السودانية تسليط الضوء على تعقيدات العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، التي تجمعها مصالح استراتيجية وروابط تاريخية، لكنها تتأثر أيضاً بخلافات السيادة والحدود وتباين الأولويات الأمنية والسياسية.
وبحسب تقرير نشرته BBC News عربي في 14 أكتوبر 2026، اتهم ناجون وجهات سودانية الجيش المصري بتنفيذ الضربات في منطقة «شمال الوادي» بولاية البحر الأحمر السودانية، بينما لا تزال تفاصيل الموقع الدقيق والحصيلة النهائية للضحايا بحاجة إلى تحقق مستقل. ولم يتناول الجيش المصري الاتهامات بصورة مباشرة، لكنه أعلن استمرار حملته لمكافحة التنقيب غير المرخص عن الذهب داخل الأراضي المصرية.
كامل ادريس : تنسيق بين السودان و مصر لكشف ملابسات حادثة المعدنين السودانيين
درة قمبو : من كواشف حادثة المعدنين السودانيين
وفي السودان، أعلن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادث، في وقت أشارت فيه تقارير إلى وجود اتصالات بين البلدين. ويأتي ذلك وسط استمرار الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، وما ترتب عليها من تداعيات إنسانية وأمنية، من بينها لجوء أعداد كبيرة من السودانيين إلى مصر.
علاقة تاريخية تجمع التقارب والخلاف
منذ استقلال السودان عام 1956، مرت العلاقات بين البلدين بمراحل متباينة، تداخلت فيها الروابط الاجتماعية والتجارية والثقافية مع الخلافات السياسية والحدودية. وقد سبقت الاستقلالَ فترةُ الحكم الثنائي المصري البريطاني، فيما ظل مستقبل العلاقة بين الوحدة والاستقلال موضع نقاش حتى إعلان استقلال السودان في الأول من يناير 1956.
وتصاعدت الخلافات الحدودية في عام 1958 بشأن مثلث حلايب وشلاتين، الذي تديره مصر فعلياً بينما يطالب السودان بالسيادة عليه. واستمرت القضية رغم فترات التقارب، ومنها توقيع ميثاق للتكامل السياسي والاقتصادي عام 1982 في عهد الرئيس السوداني جعفر نميري والرئيس المصري أنور السادات.
كما شهدت العلاقات توتراً حاداً عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، حين اتهمت القاهرة متشددين إسلاميين ونظام الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير بالتورط أو تسهيل المحاولة، وهي اتهامات نفاها السودان. وتحسنت العلاقات لاحقاً، واتفق البلدان عام 2004 على تفعيل الحريات الأربع المتعلقة بالتنقل والإقامة والعمل والتملك، لكن التطبيق واجه قيوداً عملية.
حلايب والموارد الطبيعية في قلب الخلاف
لا يقتصر النزاع بين البلدين على ترسيم الحدود، بل يمتد إلى إدارة المناطق المتنازع عليها وما تحتويه من موارد طبيعية، فضلاً عن أهميتها الاستراتيجية على ساحل البحر الأحمر. وتستند مصر إلى خط الحدود الوارد في اتفاقية عام 1899، بينما يستند السودان إلى ترتيبات إدارية أُدخلت عام 1902 وشملت منطقة حلايب.
ويطرح مراقبون سودانيون مخاوف من تغليب المصالح الأمنية والاقتصادية المصرية على الاعتبارات السودانية، في حين يشدد خبراء مصريون على حق الدولة في حماية حدودها ومكافحة التعدين غير المرخص، مع الدعوة إلى تنظيم أنشطة التعدين وتنسيقها بين البلدين.
الحرب السودانية تزيد أهمية العلاقة مع القاهرة
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ازدادت أهمية مصر بالنسبة إلى السودان على المستويات السياسية والإنسانية والأمنية. وتؤكد القاهرة دعمها لوحدة السودان ومؤسساته، فيما يرى منتقدون سودانيون أن التقارب السياسي مع الجيش قد يزيد اعتماد السلطة القائمة على الدعم الخارجي.
وتكشف قضية المنقبين عن الذهب عن صعوبة التوفيق بين حماية الحدود واحترام السيادة وحقوق المدنيين. ووفق التقرير، تحدث شهود ومصادر محلية عن مقتل أكثر من 60 منقباً وإصابة نحو 150 آخرين، بينما وردت تقديرات أخرى لم يُتحقق منها بصورة مستقلة.
ودعا متحدثون تناولهم التقرير إلى التحقيق في ملابسات الضربات ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت الاتهامات، إلى جانب تجنب التصعيد الإعلامي والعمل على تنظيم التعدين في المناطق الحدودية بتراخيص واضحة وآليات تنسيق مشتركة.
وتظل معالجة الخلافات الحدودية واحترام سيادة البلدين، إلى جانب التعاون في مياه النيل والتجارة وأمن البحر الأحمر، من الملفات الأساسية التي ستؤثر في مسار العلاقات السودانية المصرية خلال المرحلة المقبلة.
