إعادة فتح المجال الجوي العلوي فوق السودان .. من إدارة الطوارئ إلى استعادة السيادة الجوية (1)

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دخل المجال الجوي السوداني في ترتيبات استثنائية فرضتها ظروف الحرب و تعطل أجزاء مهمة من منظومة خدمات الحركة الجوية، وعلى رأسها خدمات مركز الخرطوم للمراقبة الجوية.

و.قد أدت هذه الظروف إلى تفعيل ترتيبات الطوارئ الخاصة بـ Khartoum FIR، بالتنسيق مع منظمة الطيران المدني الدولي ICAO و الدول و مراكز المراقبة الجوية المجاورة.
و كان اللجوء إلى هذه الترتيبات مفهوماً في بداية الأزمة، باعتبار أن الأولوية الأولى كانت ولا تزال سلامة الطيران.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو :
هل ينبغي أن تظل ترتيبات الطوارئ هي الإطار الحاكم للمجال الجوي السوداني إلى أجل غير مسمى؟
يرى المركز السوداني لأبحاث ودراسات الطيران المدني أن الإجابة يجب أن تكون : لا.

العودة إلى الأجواء لا تكفي .. من يحجز للطيران السوداني مكاناً في المطارات العالمية؟
إن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة أن جميع طبقات المجال الجوي السوداني تحمل الدرجة نفسها من المخاطر، كما أن المخاطر المرتبطة بالطائرات المسيّرة والعمليات العسكرية على الارتفاعات المنخفضة لا ينبغي أن تؤدي تلقائياً إلى تجميد المجال الجوي العلوي بالكامل، إذا أثبت التقييم الفني والأمني إمكانية تشغيله بأمان.

أولاً : خطة الطوارئ ليست بديلاً دائماً عن الدولة

يجب التأكيد على أن ترتيبات الـ Contingency Planning وضعت أصلاً للتعامل مع فقدان أو تعطل خدمات الملاحة الجوية.

و توضح وثائق ICAO وخطط الطوارئ الخاصة بـ Khartoum FIR أن الغرض من هذه الترتيبات هو ضمان استمرار الحركة الجوية الآمنة و تقليل أثر تعطل خدمات الملاحة الجوية.
كما أن خطط الطوارئ بطبيعتها ترتيبات مؤقتة، يفترض أن تتطور مع تغير الظروف وعودة الخدمات والتجهيزات.
و من هنا فإن استمرار ترتيبات الطوارئ لا ينبغي أن يتحول إلى واقع دائم دون وجود خارطة طريق واضحة للعودة التدريجية إلى التشغيل الطبيعي.

ثانياً : CCT آلية تنسيق وليس بديلاً عن السيادة السودانية

لقد أصبح اسم CCT متداولاً بصورة واسعة في النقاش حول المجال الجوي السوداني.
لكن من الضروري توضيح أن وجود Khartoum FIR Contingency Coordination Team لا يعني انتقال السيادة السودانية على المجال الجوي إلى جهة أخرى.
السيادة على المجال الجوي للدولة تبقى للدولة نفسها وفق المبادئ الأساسية لاتفاقية شيكاغو.
أما دور ICAO وآليات التنسيق مثل CCT فيتمثل في ضمان سلامة الحركة الجوية الدولية وتنسيق ترتيبات الطوارئ عندما تتعطل خدمات الدولة أو تصبح غير قادرة على تقديم بعض الخدمات بصورة طبيعية.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

“هل يملك CCT المجال الجوي السوداني؟”

و إنما :

“إلى متى ينبغي أن تستمر آلية الطوارئ، وما هي الشروط الفنية و الأمنية المطلوبة للعودة إلى إدارة سودانية طبيعية و متدرجة للمجال الجوي؟”

ثالثاً : المجال الجوي ليس كتلة واحدة

من الأخطاء التي يجب تجنبها التعامل مع المجال الجوي السوداني باعتباره منطقة واحدة تحمل مستوى واحداً من المخاطر.

المجال الجوي يمكن تقسيمه أفقياً ورأسياً وفق طبيعة المخاطر و متطلبات التشغيل.

و هنا تأتي أهمية التمييز بين مخاطر المسيرات و الطائرات غير المأهولة والعمليات العسكرية في المستويات الدنيا، وبين حركة الطائرات التجارية العابرة في المستويات العليا.
و عندما نتحدث في هذه الدراسة عن FL290، فإن المقصود هو مراعاة النطاق المرتبط بالمخاطر التشغيلية والأمنية للمسيرات و الطائرات غير المأهولة، و ليس اعتبار FL290 حداً قانونياً عاماً للمجال الجوي السوداني.
أما المجال العلوي الذي تستخدمه الطائرات التجارية الدولية، فينبغي أن يخضع لتقييم منفصل للمخاطر.

رابعاً : لماذا لا يبدأ السودان بفتح المجال العلوي؟
إذا كان من الممكن إثبات أن بعض المستويات العليا أكثر أمناً من المستويات الدنيا، فلماذا لا يتم اعتماد سياسة “الفتح المرحلي”؟
المطلوب ليس فتح المجال بالكامل.

المطلوب هو تحديد:

المستويات القابلة للفتح.

القطاعات القابلة للفتح.

المسارات القابلة للفتح.

الأوقات التي يمكن فيها التشغيل.

والشروط التي يجب أن تلتزم بها الطائرات وشركات الطيران.

وبذلك يمكن الانتقال تدريجياً من:

Contingency Operations

إلى:

Limited Upper Airspace Operations

ثم:

Expanded Upper Airspace Operations

ثم في النهاية:

Normal FIR Operations.

خامساً: خطة Khartoum FIR نفسها تؤكد إمكانية التطور التدريجي

التعديلات التي طرأت على خطة الطوارئ خلال السنوات الماضية تثبت أن التعامل مع المجال الجوي السوداني لم يكن ثابتاً.

فقد أضيفت عمليات في أجزاء من المجال الجوي السوداني، وأضيفت خدمات معلومات الطيران، كما أضيفت مسارات جديدة في شرق السودان، ثم جرى تعديل بعض ترتيبات الطوارئ المتعلقة بالرحلات من وإلى بورتسودان.

و هذا يعني أن مبدأ التعامل مع المجال وفق قطاعات و مسارات و مستويات مختلفة موجود بالفعل.
و من ثم فإن الانتقال إلى فتح المجال العلوي ليس فكرة غير مسبوقة، و إنما يمثل امتداداً منطقياً لمبدأ التشغيل المرحلي الذي استخدم بالفعل.

سادساً : من المستفيد من استمرار تحويل الحركة بعيداً عن السودان؟
يجب أن نتعامل مع هذا السؤال بحذر.
لا توجد لدينا، في حدود الوثائق المنشورة التي اطلعنا عليها، أدلة كافية تسمح باتهام دولة أو شركة بعينها بأنها تعمل على تجفيف حركة المجال الجوي السوداني.

لكن هناك حقيقة اقتصادية لا يمكن تجاهلها :
عندما تتحول الرحلات بعيداً عن السودان، فإن الحركة الجوية التي كانت تمر عبر Khartoum FIR تنتقل إلى مجالات جوية أخرى.

و هذا يعني بصورة طبيعية :

زيادة الحركة في المجالات البديلة.

زيادة استخدام المسارات البديلة.

زيادة عوائد خدمات الملاحة الجوية في بعض الدول الأخرى.

و في المقابل يخسر السودان جزءاً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي، و فرص رسوم العبور، وفرص استعادة دوره كممر جوي إقليمي.

و لهذا فإن استمرار تحويل المسارات لفترة طويلة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الحركة الجوية الإقليمية بصورة يصعب عكسها لاحقاً.

سابعاً : لماذا يجب أن يتحرك السودان الآن؟

لأن الطيران الدولي لا يعود بمجرد انتهاء الحرب.

هناك منظومة كاملة يجب أن تستعيد ثقة شركات الطيران وشركات التأمين والجهات الدولية.

و تشمل هذه المنظومة:

سلامة المجال الجوي.

خدمات ATS.

الاتصالات.

الملاحة.

المراقبة.

المنشورات الجوية.

الـ NOTAMs.

التنسيق العسكري والمدني.

التنسيق مع FIRs المجاورة.

التأمين.

و القدرة على التعامل مع الحالات الطارئة.

كلما بدأ السودان مبكراً في معالجة هذه الملفات، كان استرداد موقعه على خريطة الطيران الإقليمية أسرع.

ثامناً : المطلوب من CCT وICAO ليس فتح المجال نيابة عن السودان

المطلوب هو تحديد المعايير.

ينبغي أن يعرف السودان بصورة مكتوبة:

ما هي المتطلبات التي يرى CCT وICAO أنها ما زالت غير مستوفاة؟

ما هي المخاطر التي تمنع فتح المستويات العليا؟

ما هي إجراءات تخفيف المخاطر المطلوبة؟

ما هي الخدمات التي يجب استعادتها؟

و ما هو مستوى الجاهزية المطلوب؟

و الأهم :

ما هو الطريق والجدول الزمني للانتقال من Contingency إلى Normal Operations؟

إن بقاء الإجابات في إطار عام لا يخدم السودان ولا المجتمع الدولي.

تاسعاً : دعوة إلى برنامج وطني لإعادة فتح المجال العلوي

يقترح المركز السوداني لأبحاث و دراسات الطيران المدني إنشاء برنامج وطني تحت اسم:

Sudan Upper Airspace Reopening Programme

و يضم سلطة الطيران المدني، و سلطة خدمات الملاحة الجوية، و الجهات العسكرية والأمنية، وشركات الطيران السودانية، وممثلي المطارات، بالتنسيق مع ICAO وFIRs المجاورة.

و يكون هدف البرنامج :

تقييم المجال الجوي قطاعاً قطاعاً.

تقييم المستويات الجوية مستوى مستوى.

تحديد المخاطر.

وضع إجراءات تخفيف المخاطر.

تحديد المتطلبات الفنية.

ثم إعادة فتح المجال تدريجياً.

الخلاصة
إن السودان لا يطلب معروفاً عندما يطالب بإعادة فتح مجاله الجوي.
إنه يسعى إلى استعادة وظيفة سيادية واقتصادية واستراتيجية أساسية.
و في الوقت نفسه، فإن سلامة الطيران يجب أن تظل فوق كل اعتبار.
لذلك فإن موقف المركز السوداني لأبحاث ودراسات الطيران المدني واضح :

نعم لسلامة الطيران.

نعم للتنسيق مع ICAO.

نعم للتنسيق العسكري والمدني.

نعم للتقييم الموضوعي للمخاطر.

لكن أيضاً :

نعم لإعادة فتح المجال الجوي العلوي عندما تسمح المعايير الفنية و الأمنية بذلك.

و لا ينبغي أن تتحول ترتيبات الطوارئ إلى نظام دائم بلا نهاية زمنية.

إن السودان بحاجة إلى الانتقال من سؤال :

“هل المجال الجوي مغلق أم مفتوح؟”

إلى سؤال أكثر مهنية:

“أي جزء من المجال يمكن تشغيله بأمان اليوم، وما المطلوب لفتح الجزء التالي غداً؟”
هذه هي الطريقة التي تستعيد بها الدول مجالاتها الجوية، خطوة بعد خطوة، دون التضحية بسلامة الطيران أو الأمن القومي.

المركز السوداني لأبحاث و دراسات الطيران المدني

Exit mobile version