السودان يستعيد ذاكرته الزراعية لسد فجوة الغذاء

خصصت الحكومة السودانية 3 ملايين فدان لزراعة المحاصيل بينها مليون للقمح، في خطوة تستهدف منع الانهيار الكامل للقطاع، وبخاصة بعد تأخر هطول الأمطار في إقليمي دارفور وكردفان اللذين تعتمد عليهما البلاد في تأمين الأمن الغذائي، إذ تشهد مدن ومناطق عدة أكثر مواسم الأمطار جفافاً.

على رغم العقبات والمصاعب الجمة التي تواجه الموسم الزراعي الشتوي، تبذل الحكومة المركزية جهوداً لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة والبنية التحتية المتضررة لاستعادة النشاط الزراعي بالكامل وتعزيز الأمن الغذائي، وكذلك تهيئة البيئة الملائمة لعودة المزارعين لأراضيهم واستئناف الإنتاج.

مبيدات فاسدة تهدد المحاصيل وتكبد مزارعي السودان خسائر فادحة

لعنة ذهب النيل.. هكذا يفقد السودان حقوله الخصبة وقدرته على إنتاج الغذاء

تذليل العقبات
في السياق أعلن وزير الزراعة والري السوداني عصمت محمد قرشي عن خطة اللجنة العليا للموسم الشتوي لزراعة مساحة تأشيرية تبلغ نحو 3 ملايين فدان، منها مليون فدان لمحصول القمح، فضلاً عن تهيئة الظروف الملائمة لإنجاح الموسم من خلال توفير التقاوي ومدخلات الإنتاج والتمويل، بما يسهم في زيادة الإنتاج وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الغذائي”.

وأضاف أن “السودان يمتلك إمكانات زراعية تؤهله لأن يكون مركزاً إقليمياً للإنتاج والتصنيع الزراعي”، داعياً المستثمرين إلى الاستفادة من الموارد المتاحة في البلاد.

وأوضح قرشي أن “الاستثمار في القطاع الزراعي لا يقتصر على الإنتاج، بل يشمل التصنيع الزراعي وسلاسل القيمة والتخزين والنقل، بما يحقق قيمة مضافة للمنتجات الزراعية ويدعم الاقتصاد الوطني”.

وتابع “الزراعة تمثل محوراً أساسياً في تعافي السودان، والوزارة ماضية في تنفيذ خططها لزيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، مع فتح المجال أمام الاستثمار المحلي والأجنبي وتطوير قطاع التصنيع الزراعي”.

وشدد وزير الزراعة والري على أن معالجة آثار الحرب على القطاع الزراعي تتطلب زيادة الإنتاج وتوسيع المساحات المزروعة ودعم صغار المنتجين، إلى جانب استعادة البنية التحتية الزراعية وتعزيز البحث العلمي وإنتاج التقاوي محلياً.

وأكد “عدم وجود شح في الغذاء بالمناطق الآمنة، واصفاً مؤشرات الأمن الغذائي في السودان بالجيدة، مع وجود تحديات ونقص في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع المسلح”. وأعلن استعادة نحو 70 في المئة من الأصول الوراثية التي فقدت خلال الحرب.

ونوه قرشي بأن “الموسم الزراعي الصيفي حقق نتائج جيدة على رغم شح الأمطار في مناطق عدة، مبيناً أن إنتاج المحاصيل خلال الموسم الماضي بلغ نحو 5.8 مليون طن، مما أسهم في توفير مخزون استراتيجي من الغذاء.

وأعاد التأكيد على أن “المرحلة المقبلة تتطلب زيادة الإنتاج ودعم صغار المزارعين بالتقاوي والأسمدة ومدخلات الإنتاج، إلى جانب رفع الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الواردات”.

تحديات وأزمات
يقول المزارع بمشروع الجزيرة والمناقل عبدالرحمن الريح إن “التحديات الحالية التي تواجه القطاع الزراعي أكبر من إمكانات الحكومة، إذ يعاني المشروع خسائر كبيرة في البنية التحتية من قنوات ري ومعدات، إلى جانب الارتفاع الحاد في كلف الإنتاج، ولا تزال تلك الآثار تعوق دخول المزارعين إلى أراضيهم”.

وأضاف “تعمقت الأزمة مع الارتفاع الحاد في أسعار مدخلات الإنتاج، من أسمدة ووقود وتقاوٍ، في ظل تدهور العملة الوطنية واشتداد التضخم، مما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة وتراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة المطرية والمروية على حد سواء”.

IMG-20261016-WA0022.jpg
الاستثمار في القطاع الزراعي لا يقتصر على الإنتاج بل يشمل التصنيع الزراعي وسلاسل القيمة والتخزين والنقل (حسن حامد)

وأوضح الريح أن “إغلاق مضيق هرمز تسبب في صعوبة وصول مدخلات الزراعة، مما يهدد بفشل الموسم الزراعي وزيادة أسعار مدخلات الإنتاج”.

واعتبر المزارع بمشروع الجزيرة والمناقل أن “غياب الاستعدادات والتجهيزات للموسم الشتوي هذا العام، وحال الإحباط بين المزارعين نتيجة الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود، والزيادة الكبيرة في تكاليف الإنتاج مع غياب التمويل البنكي مؤشرات خطرة تنذر بفشل مبكر محتمل للموسم الزراعي”.

خطوة مهمة
من جانبه أشار عضو اتحاد مزارعي “مشروع الرهد” مختار الهادي إلى أن “نجاح هيئة البحوث الزراعية في إنتاج 22 صنفاً جديداً لثمانية محاصيل أساسية يمثل خطوة مهمة نحو توطين إنتاج التقاوي محلياً وتقليل الحاجة إلى استيرادها”.

ولفت إلى أن “ربط الإنتاج الزراعي بالسياسات العامة للحكومة المركزية وتوفير التمويل يشكل قوة ربط بين الحكومة والمزارعين، ويسهم في إنتاج وفير يدعم الأمن الغذائي في البلاد”.

ونوه الهادي بأن “الزراعة السودانية أثبتت خلال سنوات الحرب الأخيرة، قدرة ملحوظة على الاستمرار في الحد الأدنى، غير أن تحويل هذا الاستمرار إلى نمو فعلي يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً، وإطاراً مؤسسياً قادراً على استيعاب الدعم الدولي وتوجيهه بفاعلية”.

تعقيدات وأخطار
على نحو متصل أوضح المتخصص الزراعي الزبير جعفر أن “محاولات تعافي القطاع الزراعي تتقاطع مع إرث ثقيل من الحرب التي أضعفت القاعدة الإنتاجية وبددت أصول آلاف المزارعين، لا سيما صغار المنتجين في القطاعين المطري والمروي”.

وذكر جعفر أن “محدودية قدرة الدولة على الاستجابة المنفردة في ظل ضيق الموارد وتآكل المؤسسات، أسباب تزيد الأمر تعقيداً وتهدد بفشل الموسم الزراعي الشتوي في وقت تتسع فجوة الجوع بمدن ومناطق عدة في السودان”.

وتابع “الأخطار الأخرى تتمثل في أزمة انحسار منسوب مياه النيل والجفاف، إذ هناك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بلا مياه خصوصاً بعد أن بلغت معدلات هطول الأمطار في حوض النيل الأزرق هذا الصيف نصف المعدل المعتاد بسبب ظاهرة إل نينيو المناخية التي تؤثر على حركة الرياح والأمطار”.

تهديدات ومتطلبات
في غضون ذلك، طالب وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم بتحرك دولي عاجل لتعزيز التمويل المناخي وإجراء تقييم شامل لتداعيات ظاهرة النينيو وشح الأمطار في البلاد، منوهاً إلى الأخطار التي تهدد الموسم الزراعي والإنتاج الغذائي والأمن الغذائي في مناطق عدة.

ودعا إبراهيم خلال مشاركته في اجتماعات الكتلة الأفريقية مع رئيس مجموعة البنك الدولي والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي إلى توفير موارد مالية كافية وميسرة، تتناسب مع حجم الأخطار والحاجات الفعلية للدول المتأثرة بالتغيرات المناخية.

وأكد ضرورة اتخاذ خطوات دولية عاجلة وملموسة لتعزيز التمويل المناخي وضمان وصول الموارد إلى الدول الأفريقية الأكثر تأثراً بالأخطار المناخية، مؤكداً أهمية الانتقال من التعهدات إلى التمويل الفعلي الذي يمكن هذه الدول من مواجهة الصدمات وحماية اقتصاداتها وقطاعاتها الإنتاجية.

دعم حكومي
في هذا الوقت، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان تقديم دعم لمشروع الجزيرة والمناقل، يشمل 42 سيارة زراعية، إلى جانب تخصيص 50 مليون جنيه سوداني (5500 دولار أميركي) للمساهمة في توفير الوقود وتشغيل طلمبات الري، دعماً للإنتاج الزراعي ومعالجة التحديات التي تواجه المزارعين والمنتجين.

جاء ذلك خلال لقائه بالقصر الجمهوري في الخرطوم وفداً من مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل، إذ بحث اللقاء العقبات التي تواجه العملية الإنتاجية وسبل تأهيل المشروع وتحسين أداء منظومة الري.

وقال عضو مجلس إدارة المشروع الصادق الأمين الفكي إن “اللقاء حمل بشريات للمزارعين والمنتجين، مشيراً إلى أن رئيس مجلس السيادة تعهد العمل على معالجة المشكلات التي طرحها الوفد وإيجاد الحلول اللازمة لدعم الموسم الزراعي”.

وأضاف أن “الدعم يشمل 22 سيارة زراعية لجمعيات المزارعين والمنتجين، للمساهمة في تطهير قنوات الري وتحسين انسياب المياه، إلى جانب تخصيص 20 سيارة لمجلس تنظيم مهن الإنتاج الزراعي، بما يعزز جهود تطوير العمل الزراعي”.

وأوضح الفكي أن “تخصيص 50 مليون جنيه سوداني يستهدف دعم توفير الوقود وتشغيل طلمبات الري، بما يسهم في تهيئة الظروف المناسبة لاستمرار العمليات الزراعية وتحسين كفاءة منظومة الري.

Exit mobile version