تعيين غير خريجي الطيران .. معضلة تهدد مستقبل المطارات السودانية

لعل من المفارقات التي تستحق الوقوف عندها أن تكون الغالبية العظمى من العاملين في المطارات السودانية، وفقاً لما تشير إليه إفادات متداولة في القطاع، من غير خريجي كليات علوم الطيران. و هي قضية تثير تساؤلات جوهرية حول أسس التوظيف، و مدى الاستفادة من الكفاءات المؤهلة، ومستقبل صناعة الطيران في السودان.
إنها معضلة ينبغي أن تجد اهتماماً جاداً من سلطة الطيران المدني، و شركة مطارات السودان، و شركات الطيران الوطنية، لا سيما أن المطارات ليست مجرد منشآت لاستقبال المسافرين و مغادرتهم، بل مؤسسات حيوية تتطلب تأهيلاً متخصصاً، ومعرفة فنية، والتزاماً بمعايير السلامة والجودة وكفاءة التشغيل.

العودة إلى الأجواء لا تكفي .. من يحجز للطيران السوداني مكاناً في المطارات العالمية؟
و لعل الانتقادات المتكررة التي يوجهها المسافرون إلى أداء بعض المطارات و شركات الطيران السودانية تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لأسباب القصور، ومن بينها كفاءة العاملين ومدى توافق مؤهلاتهم مع طبيعة الوظائف التي يشغلونها. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل مسألة المؤهلات وحدها مسؤولية كل أوجه القصور، فالأداء المؤسسي يتأثر أيضاً بالتدريب والإمكانات واللوائح والإدارة.
لقد وضع معهد الطيران المدني لبنة مهمة في إعداد الكوادر العاملة في هذا المجال، لكن تظل هناك إشكالية تتعلق باستيعاب العاملين من غير خريجي التخصصات ذات الصلة، ثم إخضاعهم لاحقاً لبرامج تدريبية و تأهيلية قد تستغرق سنوات قبل استكمال متطلباتها.
و تشير إفادات في هذا الشأن إلى أن آخر دفعة من ضباط المطارات جرى تعيينها من غير خريجي كليات الطيران قبل نحو ثماني سنوات، لا يزال بعض أفرادها، بحسب تلك الإفادات، لم يستكملوا الكورسات المقررة للحصول على دبلوم إدارة المطارات. وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا تُمنح الأولوية لخريجي كليات علوم الطيران الذين تلقوا بالفعل مقررات دراسية في هذا المجال؟
إن تعيين خريجي التخصصات ذات الصلة لا يعني إغلاق أبواب المطارات أمام بقية المؤهلات، وإنما يعني وضع معايير واضحة تضمن أن يشغل كل شخص الوظيفة التي تتناسب مع دراسته وخبرته وكفاءته، مع توفير التدريب اللازم والتطوير المستمر لجميع العاملين.
فصناعة الطيران من المجالات الحساسة التي لا تحتمل الارتجال في اختيار الكوادر، ولا ينبغي أن تكون الوظائف فيها خاضعة للمجاملات أو صلات القرابة أو أي اعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة. والأصل أن تكون المؤهلات والخبرات والقدرات المهنية هي الفيصل في التعيين و الترقي، وفق منافسة عادلة وشفافة تتيح الفرصة للمستحقين.
و من المؤسف أن يجد بعض خريجي علوم الطيران أنفسهم بعيدين عن المجال الذي درسوه، بينما تتجه مساراتهم إلى وظائف أخرى لا تستفيد بالضرورة من تخصصاتهم، في وقت تحتاج فيه المطارات السودانية إلى كوادر مؤهلة قادرة على الإسهام في تطوير الأداء، ومواكبة التحولات المتسارعة في صناعة النقل الجوي.
و هنا تبرز مسؤولية الدولة ومؤسسات الطيران في مراجعة سياسات التوظيف، وتحديد الاحتياجات الفعلية لكل وظيفة، ووضع مسارات مهنية واضحة لاستيعاب الخريجين وتأهيل العاملين، بدلاً من ترك الكفاءات المتخصصة خارج المجال الذي أُعدّت من أجله.
ونحن إذ نطرح هذه القضية، فإننا لا نستهدف أشخاصاً بعينهم، ولا نقلل من جهود العاملين الذين اكتسبوا خبراتهم بالممارسة والتدريب، وإنما ندعو إلى إصلاح مؤسسي يستفيد من الجميع، ويضع الكفاءة المهنية في مقدمة الأولويات.
ومن هذا المنطلق، نوجه نداءً إلى مجلس السيادة الانتقالي ورئيس مجلس الوزراء، وسلطة الطيران المدني، وشركة مطارات السودان، بضرورة النظر العاجل في هذه القضية، وتشكيل مراجعة مهنية لأسس التعيين في المطارات وشركات الطيران، بمشاركة المختصين وممثلي خريجي علوم الطيران، وصولاً إلى سياسات واضحة وعادلة تستجيب لحاجة القطاع.
كما نأمل أن تكون الاستعانة بخريجي الطيران جزءاً من خطة وطنية متكاملة للنهوض بهذا القطاع، تشمل التدريب والتأهيل، وتحديث اللوائح، وتحسين بيئة العمل، وتعزيز معايير السلامة والجودة، والاستفادة من الخبرات الوطنية التي ظلت تنتظر فرصتها للمساهمة في بناء مستقبل الطيران السوداني.
إن نهضة الطيران في السودان لا تبدأ بالطائرات والمباني وحدها، بل تبدأ أيضاً بالإنسان المؤهل الذي يديرها ويشغّلها ويضمن سلامتها. ومن هنا، فإن مراجعة شروط التوظيف ليست مطلباً لفئة بعينها، وإنما ضرورة لتأسيس صناعة طيران قوية، قادرة على استعادة مكانتها وخدمة المسافرين بكفاءة واقتدار.
لقد آن الأوان لإنصاف خريجي علوم الطيران، وفتح أبواب المؤسسات أمام الكفاءات المؤهلة، ووضع حد لأي ممارسات تتقدم فيها المجاملة على الاستحقاق. فبناء أساس مهني متين هو الطريق إلى تطوير المطارات السودانية، وتعزيز الثقة في خدماتها، والإسهام في رفعة السودان.

طيران بلدنا

Exit mobile version