هذا الاقتصاد الأسود… حرب إنتاج وتجارة المخدرات في السودان

دفعت حال الفوضى والسيولة الأمنية في ولاية غرب كردفان التي تسيطر عليها قوات “الدعم السريع” إلى تفش واسع لظاهرة ترويج الكحول والمخدرات وبيعها علناً في الطرقات والأماكن العامة وأسواق مدن ومناطق الإقليم، بصورة تشكل تهديداً اجتماعياً كبيراً ينذر بتوسيع ظاهرة التعاطي والإدمان وسط الشباب مستقبلاً.

في الآونة الأخيرة أصبح الترويج واسع النطاق، بمشاركة أشخاص يرتدون زياً عسكرياً ويمثلون جزءاً من شبكة تنشط في هذه التجارة عبر منافذ التهريب من المثلث الحدودي بين ليبيا ومصر وغرب السودان ودول الجوار.

في هذا الوقت، اتهمت غرفة طوارئ دار حمر قوات “الدعم السريع” بترويج الكحول والمخدرات وبيعها علناً في أسواق ومناطق عدة بالإقليم، محذرة من تداعيات ظاهرة التعاطي والإدمان على الشباب والمجتمع المحلي.

وقالت الغرفة في بيان إن الكحول المستورد يجلب من سوق منطقة النعام الحدودية ومدينة المجلد بولاية غرب كردفان المتاخمة لجنوب السودان، في وقت يتم فيه جلب القنب الهندي، المعروف محلياً بـ”البنقو”، من ولاية شرق دارفور، بما في ذلك مدينة الضعين ومحلية بحر العرب.

وأضافت الغرفة أن “أصنافاً عدة تباع علناً في قلب الأسواق، معتبرة أن “انتشار هذه المواد يهدد الشباب في الإقليم”، ودعت قيادة الدولة والأجهزة الأمنية إلى تحمل مسؤولياتها في حماية المجتمع، والتحرك لاستعادة السيطرة على مناطق دار حمر.

استغلال وتفكك
في السياق يقول الناشط الحقوقي مجدي بشري إن “قوات “الدعم السريع” استغلت نفوذها في إقليم غرب كردفان، ونشطت في ترويج وتجارة المخدرات، مستفيدة من بيئة الحرب وضعف قدرات الدولة، إذ تنفق أموال المخدرات في تمويل العمليات العسكرية وشراء الأسلحة، إلى جانب تجنيد عناصر جديدة بخاصة وسط الشباب، وأضاف أن “تفكك منظومات الضبط الرسمية في الإقليم أسهم في توسع ترويج وتجارة المخدرات والكحول على أنواعها، وهناك بؤر تنشط في تجارة أصناف عدة، ويمارس تجار المخدرات أعمالهم غير المشروعة بسهولة، ولديهم شبكات توزيع تستهدف تجمعات الشباب”.

وتابع بشري “من المؤسف أن المخدرات تسللت إلى البيوت في مدن ومناطق عدة بالإقليم، وأصبحت قاتلاً يفكك الأسر بسبب الترويج المتعاظم في الأسواق والمحال التجارية، وقادت بدورها إلى تفشي الجريمة”.

على نحو متصل، أوضح قيادي أهلي من ولاية غرب كردفان، فضل عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، أن انضمام بعض تجار المخدرات بعد اندلاع الحرب إلى “الدعم السريع”، وانتظامهم في الترويج والتجارة وفرا لنشاطهم حماية كاملة، إلى أن باتت المنطقة مكاناً للإنتاج والترويج والاتجار العلني بالمخدرات حتى وسط الجنود أنفسهم.

وأشار إلى أن “عائدات المخدرات أصبحت توجه إلى دعم العمليات العسكرية، وشراء الأسلحة أو تحويلها إلى عملات أجنبية أو شراء الذهب، مما يؤدى إلى زيادة في تدمير الاقتصاد الوطني وتنامي فوضى اقتصاد الحرب”.

وحذر القيادي الأهلي من تحول بعض مناطق الإقليم إلى نقطة عبور لشحنات المخدرات بعدما باتت مدن تمثل مركزاً تجارياً مهماً للمخدرات، إلى جانب انتشارها الواسع في بعض الأسواق.

اكتئاب وقلق
على نحو متصل أشار الباحث الاجتماعي حاتم خليفة إلى أن “الحرب مزقت النسيج الاجتماعي في السودان، وغيرت سلوكيات آلاف الأفراد في المجتمعات المختلفة، بخاصة شريحة الشباب، فالصحة النفسية لديهم باتت تعاني عوامل القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة وتفاقمت حتى وصلت إلى حالات مرضية، وقد استغلت المجموعات المسلحة خصوصاً قوات (الدعم السريع) ظروف الشباب من الجنسين، وظلت تروج وتتاجر في المخدرات بشكل علني”.

ولفت إلى أن “اتساع رقعة الصراع عمق فوضى تداعيات الحرب، إذ إن الترويج للمخدرات وجد البيئة الملائمة وتنامى بشكل مقلق، مما يضع جيلاً بأكمله على المحك”، موضحاً أنه لا بد من توفير مراكز الدعم الاجتماعي والنفسي حتى لا ينزلق الشباب في هاوية الإدمان باعتبارهم الشريحة الأكثر استهدافاً وتأثراً، في وقت لا تتوافر موازنة مخصصة لعلاج الإدمان، إذ إن الجهود المبذولة تعتمد على منح وإسهامات دولية.

على صعيد التعاطي، تشير تقديرات وزارة الصحة الاتحادية إلى ارتفاع عدد المسجلين بمراكز العلاج من 7400 حالة في 2021 إلى 29600 حالة حتى الربع الأول من 2026، بينما تتحدث التقديرات غير الرسمية عن 340 ألف متعاطٍ، تتراوح أعمار 78 في المئة منهم ما بين 15 و29 سنة، و61 في المئة منهم طلاب في الجامعات والمعاهد العليا.

هذا الاقتصاد الأسود
وفي ظل التكثيف الواسع للحملات الأمنية المشتركة التي تقوم بها الشرطة والجمارك والجيش وجهاز الاستخبارات خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت بصورة ملحوظة كميات المخدرات المضبوطة، وبخاصة في ولايات الخرطوم والبحر الأحمر والجزيرة وكسلا ونهر النيل.

في غضون ذلك، حذر تقرير حديث بعنوان “المخدرات في السودان… اقتصاد غير مشروع يغذي الحرب”، أعده مرصد الشفافية والسياسات في السودان، من أن هذا الاقتصاد الأسود أصبح أحد الروافد الأساسية لتغذية استمرار الحرب بالبلاد، مشدداً على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لتفكيك طرق التهريب، ودعم الأجهزة المختصة في السودان لمنع اندماج البلاد بصورة أعمق في أسواق المخدرات العالمية.

ولفت التقرير إلى أن انتشار إنتاج المخدرات يفاقم التحديات الأمنية ويزيد من معدلات الفساد، كاشفاً عن تحول خطر في خريطة الأنشطة غير المشروعة، إذ أصبح السودان مركزاً ناشئاً لإنتاج وتهريب المخدرات الاصطناعية، وعلى رأسها الكبتاغون والمواد الشبيهة بالميثامفيتامين، مما يعني أن البلاد تحولت منذ اندلاع الحرب الراهنة في 2023 من مجرد معبر للتهريب إلى منصة كبرى للتصنيع نتيجة ضعف قبضة الرقابة الحكومية وتشتت السلطة.

وشدد على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لتفكيك طرق التهريب، ودعم أجهزة الجمارك وإنفاذ القانون السوداني لمنع اندماج البلاد بصورة أعمق في أسواق المخدرات العالمية، لافتاً إلى ظهور مؤشرات مقلقة حول توسع هذه الصناعة داخل البلاد، بعد ضبط ثلاثة معامل لإنتاج الكبتاغون، وارتفاع القدرة الإنتاجية من 7200 حبة في 2023 إلى نحو 100 ألف حبة في الساعة ببعض المصانع في 2025، فضلاً عن ضخامة الوارد من الخارج عبر التهريب، إذ جرى ضبط نحو نصف طن من المخدرات المهربة خلال الفترة الماضية.

Exit mobile version