عثمان ميرغني يكتب: (الرغيفة بقت بكم)..

زمان في التسعينات.. كنت مغترباً في المملكة العربية السعودية.. عدت في عطلة إلى السودان.. تصادف أن كانت هناك مظاهرات عارمة في الخرطوم.. شباب غاضب يجوب الشوارع ويهتف ضد الحكومة.. اقتربت منهم وسألت أحدهم: (لماذا تتظاهرون؟) رد علي بحماس مشوب بالغضب: (تصور.. تصور.. الرغيفة بقت بجنيه..)!

عثمان ميرغني يكتب: عمر البرلمان..

عثمان ميرغني يكتب: شرعية الشمولية.. وشمولية الشرعية..

عثمان ميرغني يكتب: خبر واقعي.. لكن خيالي..

ولأني مغترب وتغيب عني المعلومات، سألتُه وبراءة الأطفال في عيني: (و.. هي الرغيفة كانت بكم؟).. فوجئت بالشاب ينتفض غضباً ومهدداً يقول لي: (والله أحرش عليك المتظاهرين ديل هسه.. إنت ما عارف سعر الرغيفة كم؟).

حينها أدركت فعلاً أني مجرد “سائح” في بلدي طالما لا أعرف (الرغيفة بكم).. والحقيقة كنت مندهشاً من أن للرغيفة سعراً.. فقد كنت أقود سيارتي في طريقي للبيت، وأجد باعة الخبز على طرف الشارع وأشتري “كيس الرغيف” وأدفع قيمة “الكيس”، ولم يخطر في بالي أن أحسب عدد الأرغفة التي فيه لأعرف (الرغيفة بكم).

من لحظتها أدركت – في تلك الأيام – أني مجرد سائح في بلدي.. أزورها في العام مرة ولا يحق لي أن أتدخل في شؤون شعبها الغاضب من (الرغيفة بقت بكم).
قبل الاغتراب.. عندما كنت كامل المواطنة، شاركت في أكثر من تظاهرة تحت شعار: (الرغيفة بقت بكم) مرّة.. و(رطل السكر بكم).. و(جالون البنزين بكم).. بل كنا نهتف في وجه الشرطة: (يا بوليس ماهيتك كم.. رطل السكر بقى بكم).. وكنا نرى نظرات التعاطف في أعين الشرطة، وهم يرون في أعيننا دموع “البنبان”.

بدأنا هذه التظاهرات منذ أن كنا في مدرسة بحري الحكومية الثانوية العليا، وواصلنا ونحن في المرحلة الجامعية – أقصد زملائي الذين درسوا المرحلة الجامعية بالسودان – ثم بعد التخرج شاركنا في مظاهرات تهتف (الرغيفة بقت بكم).. وأصبحنا آباء ونحن نتظاهر.. وأصبحنا جدوداً ولا زال القطار في محطة “الرغيفة بكم؟”.

أجيال ولدت وشبّت وشابت.. وتغيرت الدنيا كلها من حولنا.. سقط الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو.. وسقط جدار برلين وتوحدت ألمانيا.. ووقعت حرب الخليج الأولى والثانية.. والثالثة والرابعة.. ومشكلة شعب السودان لا تزال صامدة ثابتة لا تتغير (الرغيفة بقت بكم)؟

ولم يكن أحد يعرف الكمبيوتر.. ولا يهتم سوداني – ولو في العاصمة الخرطوم – أن يكون في منزله هاتف (الهاتف القديم الذي يطلب الأرقام بالقرص الدوار).. وتغير الحال.. ودخلت الهواتف الثابتة كل بيت.. ثم نُزعت أسلاكها واستُبدلت بالموبايل.. ثم الإنترنت.. ثم أصبح في جيب كل مواطن ثلاثة موبايلات ولا يستغني أحد عن النت ولو ليوم.. وجاء عصر الذكاء الاصطناعي ولا تزال مشكلة السودان (الرغيفة بقت بكم؟).
ألم يحن الأوان.. أن نحتفل بتحرير السودان من (الرغيفة بكم؟)..

Exit mobile version