أطلقت المعارضة حملة “اختانا”، مستهدفة النظام الانتقالي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، متخذة من الضائقة الاقتصادية التي تطحن السودانيين مدخل مناسب لمهاجمة السلطة و التحريض عليها. و هي، في تقديري، كلمة حق أريد بها باطل؛ فالمعارضة السياسية التي ساندت العدوان على الشعب السوداني، و بررت جرائم تهجيره ونهبه و قتله بالرصاص أو تجويعه، لا تملك الأهلية الأخلاقية للحديث عن معاناة هذا الشعب، و لا يحق لها أن تتخذ من جراحه منصة لتصفية حساباتها السياسية.
لكن الأخلاق الوطنية تقتضي ألا نقابل تسييس الأزمة بإنكارها.
كما تقتضي ايضاً وضع أسبابها في سياقها الصحيح.
فلا الحرب تعفي المسؤولين من المحاسبة، و لا إخفاق الحكومة يلغي أثر الحرب في تعميق الانهيار.
رشان اوشي : حكومة كامل ادريس فشلت في حل أزمات البلاد و اتجهت في فتح جبهات صدام مع الصحفيين
هناك أزمة اقتصادية و معيشية خانقة عجزت الحكومة عن إنهائها، و هذا واقع لا يمكن القفز فوقه.
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق إصدار الأحكام هو : هل تتحمل الحكومة الانتقالية وحدها مسؤولية ما وصل إليه الاقتصاد السوداني، أم أن الحرب التي دمرت البنية الإنتاجية، و استنزفت الموارد، وعطلت حركة التجارة، و ضربت مؤسسات الدولة، تمثل العامل الأكبر في هذه الأزمة، إلى جانب الفساد المتجذر و سوء استغلال السلطة و التخبط الإداري؟
العلاقة بين الشعب و الحاكم لا تقوم على الخطب السياسية وحدها، و لا تحسمها الحملات الإعلامية.
إنها، في جوهرها، علاقة ترتبط بمعاش الناس و أمنهم و استقرارهم، و بقدرة السلطة على توفير الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة.
و إذا عجزت السلطة عن تقديم حلول، و لو جزئية و متدرجة، لأزمة الخبز و الوقود و الدواء و ارتفاع الأسعار، فإن هذه العلاقة ستتآكل من داخلها، بصرف النظر عن حجم التأييد السياسي الذي تتمتع به.
و الشعب السوداني يدرك أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان هو صاحب الكلمة العليا في إدارة الدولة، وأن المسؤولية السياسية النهائية عن أداء السلطة تقع على عاتقه، بما في ذلك مسؤولية مؤسسات الحكم و الأجهزة التنفيذية التي تعمل تحت سلطته.
و حتى القوات المسلحة، التي تخوض معركة الدفاع عن الأرض و الدولة، لا يمكن فصل دورها العسكري عن ضرورة وجود سلطة قادرة على إدارة شؤون البلاد و حماية مصالح المواطنين.
لذلك، فإن الرئيس البرهان لا يحتاج إلى حملات المعارضة حتى يدرك حجم الأزمة، ولا إلى من يذكره بأن ملايين السودانيين يواجهون أوضاعاً معيشية بالغة القسوة.
أزمة الوقود وحدها، تقدم مثالاً واضحا على طبيعة الخلل الذي تعانيه الدولة.
و قد تدخل الرئيس البرهان بنفسه لحسم الملف و مراجعة السياسات التي أثارت الرأي العام ، في خطوة تعكس إدراكه أن استمرار الأزمة يهدد حياة المواطنين ويقوض الثقة في أداء الدولة.
رشان أوشي تكتب: السودانيون يبحثون عن الخبز.. والحكومة تبحث عن أفواههم
و الأمر ذاته ينطبق على القرارات المتعلقة باستيراد السلع الغذائية و تخفيف القيود التي تحد من تدفقها إلى الأسواق.
فإلغاء الحظر على استيراد بعض السلع، و فتح المجال أمام المنافسة، يمكن أن يساهما في زيادة العرض وتخفيف ضغوط الأسعار ، شريطة أن تصاحبهما رقابة،كما يجب مراجعة الامتيازات الممنوحة لبعض التجار، و محاسبة كل من ثبت تورطه في تجاوزات أضرت بالاقتصاد و المواطنين.
هذه هي القضايا التي ستحدد مستقبل العلاقة بين الشعب والسلطة، و ليست حملات المعارضة التي تطلقها من الخارج، التي تحاول استثمار الجوع و الضيق المعيشي لتحقيق مكاسب سياسية.
إن السودانيين ليسوا غافلين عن جذور الأزمة، ولا يجهلون أثر الحرب في تدمير الاقتصاد وتعطيل الحياة العامة. كما أنهم يدركون أن الفساد و سوء الإدارة و الاحتكار عوامل ضاعفت معاناتهم، و أن المسؤولية عن ذلك لا تسقط بالتذرع بالحرب.
لكن إدراكهم لتعقيدات المشهد يجعلهم أكثر حذراً تجاه الدعوات إلى تغيير السلطة في لحظة لا تزال فيها البلاد تواجه حرباً تهدد وحدتها و مؤسساتها، وتحيط بها مخاطر التفكك والانهيار.
و من هنا، فإن مساندة قطاعات من السودانيين للبرهان لا تعني بالضرورة حباً في شخصه، ولا ارتباطاً عقائدياً به، و لا تفويضاً مفتوحاً لسياساته. إنها، في جانب مهم منها، موقف تحكمه حسابات الخوف على الدولة، وتقدير مخاطر البدائل المطروحة، و الاعتقاد بأن إسقاط السلطة في هذا التوقيت قد يفتح أبواب يصعب إغلاقها.
لكن هذه المساندة ليست شيك على بياض، و لا ينبغي للرئيس البرهان أن يتعامل معها باعتبارها تفويض غير مشروط.
فالصبر الشعبي ليس مورد بلا نهاية، و القدرة على تحمل الجوع و انعدام الاستقرار ليست دليل على الرضا، كما أن الخوف من البديل لا يعني القبول الدائم بالواقع القائم.
و كلما تأخرت المعالجات، اتسعت الفجوة بين السلطة والمواطنين، و أصبح استثمار الخصوم السياسيين في الأزمة أكثر سهولة.
لهذا، فإن الطريق الأكثر واقعية أمام الرئيس البرهان ،هو : الذهاب بعيداً في إصلاح مؤسسات الحكم و الاقتصاد، و مراجعة السياسات التي صنعت الأزمة ، و تفكيك شبكات الاحتكار، و إغلاق منافذ الفساد، و إخضاع المسؤولين للمساءلة من دون استثناء.
كما أن ملفات معاش المواطنين لا تحتمل أن تظل رهينة للجان و الاجتماعات و الوعود التي لا تجد طريقها إلى الأسواق.
فالمحاسبة الجادة شرط أساسي لاستعادة الثقة في الدولة و إثبات أن الإصلاح يتجاوز تغيير القرارات إلى تغيير طريقة إدارة الحكم نفسها.
لان السلطة التي لا تستطيع تحسين معاش شعبها ستفقد، عاجلاً أو آجلاً، أسباب بقائها. أما التي تدرك خطورة اللحظة، وتواجه الفساد بجدية، وتعيد للدولة قدرتها على إدارة الاقتصاد، فإنها تملك فرصة حقيقية لتجاوز الأزمة.
و في نهاية المطاف،سيؤيد السودانيين من استطاع أن يضع الطعام على موائدهم ، ويعيد إليهم الأمن والاستقرار والأمل.
محبتي و احترامي
رشان اوشي
