قانون الناقل الوطني .. بوابة إصلاح سودانير و استعادة استقلاليتها المؤسسية

التشريع المؤسسي ضرورة للإصلاح والاستدامة

لا يمكن الحديث عن إعادة بناء قطاع الطيران في السودان واستعادة الدور التاريخي للخطوط الجوية السودانية دون التوقف عند قضية جوهرية ظلت حاضرة في نقاشات الإصلاح، وهي إجازة قانون خاص بالناقل الوطني يحدد هويته القانونية، و ينظم علاقته بالدولة، و يؤسس لحوكمة رشيدة توازن بين الملكية العامة و الاستقلالية الإدارية و المالية والتشغيلية.

فسودانير ليست مجرد شركة تجارية تعمل في سوق النقل الجوي؛ بل هي مؤسسة وطنية ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية، ترتبط بحركة التجارة والصادرات، وخدمة المواطنين، وتعزيز التواصل مع العالم، ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار. ومن ثم، فإن إصلاحها لا ينبغي أن يقتصر على إعادة تشغيل الطائرات وتأهيل المنشآت، بل يجب أن يمتد إلى إصلاح الإطار التشريعي والمؤسسي الذي يحكم عملها.

ماذا نتعلم من التجارب الإقليمية؟

تقدم تجارب شركات الطيران الوطنية في مصر والسعودية وإثيوبيا نماذج مهمة يمكن للسودان الاستفادة منها، مع مراعاة اختلاف الأطر القانونية والاقتصادية لكل دولة.

أولاً: مصر للطيران.. الملكية العامة في إطار مؤسسي منظم

تعمل ضمن هيكل مؤسسي قائم على الشركة القابضة والشركات التابعة، وتخضع لأطر تشريعية وتنظيمية تحكم شركات قطاع الأعمال العام والشركات المساهمة.

و توضح القرارات المصرية المنظمة للنظام الأساسي للشركة القابضة أن ملكية الدولة لا تتعارض مع وجود كيان مؤسسي له رأس مال محدد، و هيكل إداري، ومجلس إدارة، واختصاصات ومسؤوليات واضحة.

و الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه سودانير هو أن حماية الملكية الوطنية لا تتحقق بمجرد تبعية الشركة للدولة، وإنما ببناء نظام مؤسسي يحدد المسؤوليات، وينظم اتخاذ القرار، ويخضع الأداء للمساءلة، و يمنح الإدارة القدرة على تنفيذ الخطط التجارية و التشغيلية وفق قواعد واضحة.

ثانياً: الخطوط السعودية.. الاستقلالية المؤسسية وتحديد الصلاحيات

تقدم مثالاً تاريخياً مهماً في مجال التنظيم القانوني للناقل الوطني؛ إذ نص نظام المؤسسة العامة للخطوط الجوية العربية السعودية، الصادر عام 1965، على تمتع المؤسسة بالشخصية الاعتبارية والاستقلال، و حدد أغراضها وصلاحياتها، كما منح مجلس إدارتها سلطات تتعلق بوضع السياسات العامة وإصدار اللوائح المالية والإدارية والفنية.

و تكمن أهمية هذه التجربة في إقرار مبدأ مؤسسي أساسي: أن نجاح الناقل الوطني يحتاج إلى إطار قانوني يحدد بوضوح سلطة مجلس الإدارة، واختصاصات الإدارة التنفيذية، وآليات اتخاذ القرارات المالية و الإدارية والتجارية.

وبالنسبة إلى سودانير، فإن القانون المنشود ينبغي أن يعالج بوضوح العلاقة بين أجهزة الدولة المالكة، ومجلس الإدارة، والمدير العام، بحيث لا تتداخل الاختصاصات، ولا تتعدد مراكز إصدار القرار، ولا تتحول الإجراءات الإدارية إلى عائق أمام الاستجابة لمتطلبات سوق الطيران سريع التغير.

ثالثاً: الخطوط الإثيوبية.. ملكية الدولة والإدارة التجارية طويلة المدى

أما ، فتقدم تجربة أفريقية جديرة بالدراسة؛ فقد تأسست عام 1965، وتعمل بوصفها الناقل الوطني المملوك بالكامل للحكومة الإثيوبية، ضمن إطار قانوني ينظم المؤسسة ويحدد أغراضها ومسؤولياتها.

وقد تطورت المجموعة إلى منظومة متكاملة تضم أنشطة نقل الركاب والشحن والخدمات الفنية والتدريب وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالطيران.

وتبرز في هذه التجربة أهمية الاستقرار المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، وتكامل الأنشطة، والاستثمار في القدرات الفنية والتجارية، مع توظيف ملكية الدولة لخدمة أهداف اقتصادية وتنموية واضحة.

والدرس الأهم للسودان هو أن الاحتفاظ بالملكية العامة يمكن أن يتعايش مع الإدارة التجارية المنضبطة، شريطة وضوح الصلاحيات، واستقرار السياسات، وربط القرارات بالأداء والنتائج، وعدم إخضاع النشاط التجاري لتغييرات إدارية متكررة تعطل تنفيذ الخطط.

و لا يعني ذلك أن القانون وحده يصنع النجاح، أو أن النماذج الثلاثة متطابقة؛ وإنما يؤكد أن وجود إطار مؤسسي واضح يمثل أحد العناصر الأساسية التي ينبغي أن يستند إليها إصلاح الناقل الوطني.

ماذا ينبغي أن يتضمن قانون الناقل الوطني السوداني؟

إن إجازة قانون الناقل الوطني لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء تشريعي شكلي، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة وسودانير على أسس واضحة وقابلة للتطبيق.

ومن أهم المحاور التي ينبغي أن يتناولها القانون:

  1. تثبيت الشخصية الاعتبارية والاستقلال المؤسسي

تحديد المركز القانوني لسودانير بوصفها الناقل الوطني، وصون أصولها وحقوقها ومصالحها التجارية، ووضع الضوابط اللازمة لحمايتها من التصرفات التي لا تخدم أغراضها الاستراتيجية والتجارية.

  1. إرساء حوكمة رشيدة ومساءلة فعالة

تحديد اختصاصات مجلس الإدارة ومسؤولياته، ومعايير اختيار أعضائه، وواجباتهم المهنية، وآليات الرقابة على أدائه، مع الفصل الواضح بين دور مجلس الإدارة في رسم السياسات والإشراف، ودور الإدارة التنفيذية في تنفيذها.

  1. تمكين المدير العام من ممارسة اختصاصاته

من الضروري أن يمنح القانون المدير العام، بصفته المسؤول التنفيذي الأول، الصلاحيات اللازمة لإدارة العمليات اليومية، وتنفيذ الخطط المعتمدة، واتخاذ القرارات التجارية والتشغيلية والمالية في حدود الموازنة واللوائح والتفويضات المقررة.

وفي المقابل، يجب أن تقترن هذه الصلاحيات بمؤشرات أداء واضحة، وتقارير دورية، ومراجعة مستقلة، ومساءلة عن النتائج، بما يحقق التوازن بين سرعة القرار والانضباط المؤسسي.

  1. تنظيم الاستقلال المالي والإداري

تحتاج سودانير إلى نظام مالي وإداري يتناسب مع طبيعة صناعة الطيران، ويتيح لها التخطيط للمشتريات، وصيانة الأسطول، وتطوير أنظمة الحجز والمبيعات، وإدارة الشحن الجوي، وتوظيف الموارد البشرية وفق احتياجات التشغيل.

ولا يعني الاستقلال المالي والإداري الإعفاء من القوانين العامة أو تجاوز الرقابة؛ بل يعني تنظيم الرقابة والمشتريات والتعاقدات بصورة تحقق الشفافية وتحمي المال العام، دون ازدواجية في الاختصاصات أو تعطيل غير مبرر للعمليات.

  1. حماية الأصول وتحديد العلاقة مع أجهزة الدولة

ينبغي أن يحدد القانون بصورة دقيقة كيفية إدارة الأصول المملوكة لسودانير، وآليات التصرف فيها، والجهات المخولة بالموافقة على القرارات الاستراتيجية، مع ضمان عدم التداخل بين دور المالك ودور المنظم ودور المشغل.

كما ينبغي التمييز بين الرقابة الحكومية على سلامة الأداء المالي والإداري، وبين التدخل المباشر في القرارات التشغيلية التي تقع ضمن اختصاص الإدارة التنفيذية.

  1. ضمان السلامة الجوية والامتثال التنظيمي

يجب أن يؤكد القانون التزام سودانير بالتشريعات المنظمة للطيران المدني، ومتطلبات السلامة والأمن، والمعايير الدولية المعمول بها، مع المحافظة على استقلالية الوظائف الرقابية والفنية المختصة.

فالاستقلال المؤسسي لا يعني التخفف من متطلبات السلامة، بل توفير البيئة الإدارية والمالية التي تمكن الشركة من الالتزام بها باستمرار.

  1. اعتماد استراتيجية وطنية مستدامة

ينبغي أن يرتبط القانون بخطة استراتيجية متوسطة وطويلة المدى، تشمل تطوير الأسطول، وتوسيع شبكة الخطوط، وتنمية الشحن الجوي، وتعظيم الإيرادات، وتأهيل الكوادر، والتحول الرقمي، وإقامة الشراكات التجارية التي تحقق قيمة مضافة للناقل الوطني.

لماذا تزداد أهمية القانون في مرحلة التعافي؟

تواجه سودانير تحديات تتجاوز آثار الحرب والأضرار التي لحقت بالمنشآت والبنية التشغيلية؛ فهناك أيضاً ضرورة لاستعادة الثقة، وإعادة تنظيم الموارد، وتأهيل بيئة العمل، وبناء نموذج تشغيلي قادر على المنافسة والاستمرار.

وفي هذه المرحلة، تصبح سرعة اتخاذ القرار، ووضوح المسؤولية، والقدرة على استقطاب التمويل والشراكات، واستعادة الأسواق، وتنشيط قطاع الشحن الجوي، عوامل حاسمة في إعادة بناء الشركة.

ومن هنا، فإن استمرار أي غموض تشريعي أو تداخل في الاختصاصات قد يضيف أعباء إدارية إلى التحديات التشغيلية القائمة، بينما يمكن لإطار قانوني واضح أن يوفر أساساً مؤسسياً أكثر استقراراً لتنفيذ خطط التعافي.

وقد برزت أهمية هذا الملف في التصريحات الرسمية السودانية؛ ففي يناير 2026، أُعلن عن توجه لتسريع متطلبات إجازة قانون الناقل الوطني ضمن جهود استعادة حقوق سودانير وإعادة تأهيل منشآتها وعملياتها. وهذا يمنح القضية أهمية عملية تتجاوز النقاش النظري حول التشريع إلى ضرورة استكمال متطلبات الإصلاح المؤسسي.

القانون ليس امتيازاً للإدارة.. بل ضمانة للمؤسسة

من المهم التأكيد أن الدعوة إلى إجازة قانون الناقل الوطني لا تستهدف منح امتيازات شخصية لأي مسؤول، ولا تحصين الشركة من المساءلة، ولا إبعادها عن أجهزة الدولة الرقابية.

إنما تستهدف بناء منظومة تحدد من يضع السياسات، ومن ينفذها، ومن يراقب الأداء، وكيف تُتخذ القرارات، وما المعايير التي يُقاس بها النجاح أو الإخفاق.

فالحوكمة الحقيقية لا تقوم على تعدد الجهات المتدخلة في القرار الواحد، بل على وضوح المسؤوليات، وتكامل الأدوار، واستقلالية التنفيذ في حدود القانون، وشفافية الرقابة والمساءلة.

كما أن حماية الناقل الوطني لا تعني عزله عن المنافسة، وإنما تمكينه من المنافسة على أسس تجارية عادلة، والاستفادة من إمكاناته البشرية و الفنية، واستثمار موقع السودان الجغرافي وإمكاناته في حركة الركاب والشحن الإقليمي والدولي.

خاتمة: من إعادة التشغيل إلى إعادة البناء المؤسسي

إن استعادة سودانير لدورها التاريخي تتطلب مسارين متكاملين: مساراً تشغيلياً يعيد الطائرات والمنشآت والخدمات إلى العمل، ومساراً تشريعياً ومؤسسياً يعالج جذور الخلل ويؤسس للاستدامة.

وفي هذا السياق، فإن إجازة قانون الناقل الوطني تمثل خطوة استراتيجية نحو تصحيح المسار، و تحديد العلاقة بين الدولة و الشركة، و تعزيز استقلالية القرار المؤسسي، و تمكين الإدارة التنفيذية من أداء مسؤولياتها، مع إخضاعها لرقابة فعالة ومساءلة واضحة.

لقد أثبتت تجارب مصر والسعودية وإثيوبيا أهمية التنظيم المؤسسي في إدارة النواقل الوطنية، مع اختلاف نماذجها القانونية والإدارية. والسودان ليس مطالباً بنسخ أي تجربة بحذافيرها، وإنما بصياغة قانون يستوعب خصوصيته الوطنية، ويستفيد من أفضل الممارسات، ويوازن بين حماية المال العام ومتطلبات المنافسة التجارية.

إن قانون الناقل الوطني ليس مطلباً إدارياً عابراً، بل استحقاق مؤسسي يرتبط بمستقبل سودانير وقدرتها على النهوض بدورها الاقتصادي و الوطني.
فإعادة بناء الناقل الوطني تبدأ بإصلاح مؤسساته بقدر ما تبدأ بإصلاح طائراته ومنشآته.

Exit mobile version