شركة مطارات السودان المحدودة بلا مجلس إدارة .. فراغ مؤسسي و أسئلة معلقة

لا يقتصر غياب مجلس الإدارة عن شركة مطارات السودان المحدودة على خلل في الهيكل التنظيمي، بل يثير تساؤلات جوهرية حول مرجعية القرار ومسؤولية اعتماد السياسات وحدود الرقابة على الإدارة التنفيذية في مؤسسة تمثل أحد المكونات المهمة لقطاع الطيران المدني السوداني.
فمجلس الإدارة ليس جهة شكلية لإجازة القرارات فقط ، وإنما يمثل ركيزة الحوكمة التي تتولى رسم التوجهات الاستراتيجية و مراقبة الأداء المالي والإداري ومساءلة الإدارة التنفيذية وحماية أصول الشركة.
و غيابه دون وجود ترتيبات قانونية بديلة و واضحة قد يترك فراغاً في اعتماد السياسات التي تتجاوز الإدارة اليومية، ويؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتأخر القرارات وتراجع فاعلية المساءلة.

سياسات معلقة وملفات تنتظر الحسم :
تتجلى آثار هذا الوضع في الملفات التي تتطلب اعتماداً مؤسسياً، و في مقدمتها شروط خدمة العاملين والهيكل الراتبي والبدلات والمزايا الوظيفية.
فاستمرار تعليق هذه الملفات، إن كان مرتبطاً فعلياً بغياب المجلس، يضع العاملين أمام حالة من عدم اليقين، ويطرح تساؤلات عن الجهة المخولة بمعالجة مطالبهم والجدول الزمني لحسمها.

قانون الناقل الوطني .. بوابة إصلاح سودانير و استعادة استقلاليتها المؤسسية
و لا تقل أهمية عن ذلك ملفات الاستثمار و إعادة الهيكلة و العقود و إدارة الأصول و الإيرادات.
فهذه القرارات تحتاج إلى مرجعية واضحة توازن بين متطلبات التشغيل والقدرة المالية والمصلحة طويلة الأجل للشركة، وتضمن خضوع القرارات الجوهرية للمراجعة والرقابة وفق القانون.

من يراقب القرار؟ :
تقوم الحوكمة على الفصل بين وضع السياسات وتنفيذها ومراقبة نتائجها. وعندما يغيب مجلس الإدارة دون تحديد واضح للجهة التي تتولى اختصاصاته، تبرز مخاطر تركز الصلاحيات وضعف الرقابة و غموض المسؤولية عن القرارات الاستراتيجية.

و لا يعني ذلك أن الإدارة التنفيذية تفقد صلاحياتها تلقائياً أو أن قراراتها تصبح غير قانونية، لكن استمرار هذا الوضع يستوجب إعلان الأساس القانوني الذي تُمارس بموجبه الصلاحيات، وتحديد ما يدخل ضمن اختصاص الإدارة التنفيذية وما يتطلب موافقة الجهة المالكة أو سلطة أخرى.

و في شركة تدير أصولاً ومرافق حيوية كالمطارات، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة؛ إذ تتطلب حماية الأصول و مراجعة العقود و مراقبة الإيرادات وتحديد أولويات التأهيل والتطوير رقابة مؤسسية فعالة، خصوصاً في ظل التحديات الاستثنائية التي فرضتها الحرب على قطاع الطيران المدني السوداني.

إعادة الهيكلة تحتاج إلى حوكمة :
لا يمكن فصل مستقبل الشركة عن ضرورة وجود قيادة مؤسسية واضحة تراجع قرارات إعادة الهيكلة وتقيّم أثرها على الكفاءة التشغيلية والاستدامة المالية وحقوق العاملين. فالتغيير الإداري لا يُقاس بدمج الإدارات أو تعديل المسميات، بل بقدرته على تحسين الأداء وضبط الإنفاق وحماية الموارد وتحديد المسؤوليات.

و من هنا تبرز ضرورة معالجة غياب المجلس بالتوازي مع مراجعة الملفات المعلقة، لا تركها رهينة لفراغ مؤسسي مفتوح المدى.

أسئلة تستوجب إجابات رسمية :
أمام الجهات المالكة والمشرفة مسؤولية توضيح أسباب عدم تشكيل مجلس الإدارة، والجهة التي تمارس حالياً اختصاصاته، والأساس القانوني لاعتماد السياسات والقرارات الجوهرية في غيابه. كما يتعين تحديد مصير ملفات العاملين والعقود والاستثمارات، والإعلان عن خطوات واضحة لتشكيل المجلس واستعادة انتظام منظومة الحوكمة.

إن المطالبة بهذه الإجابات ليست استهدافاً لأشخاص، بل دفاع عن مبدأ مؤسسي أساسي: أن تكون السلطة محددة، والقرارات قابلة للمراجعة، و المسؤولية واضحة.

الخلاصة :
شركة مطارات السودان المحدودة أكبر من أن تُدار في ظل غموض بشأن مرجعية سياساتها ومساءلة إدارتها. فاستمرار التشغيل وحده لا يكفي لقياس سلامة الأداء؛ إذ لا بد من رقابة مؤسسية تحمي الأصول و تصون حقوق العاملين وتضمن اتخاذ القرارات الاستراتيجية وفق القانون.

و إذا كان مجلس الإدارة غائباً بالفعل، فإن المطلوب ليس مجرد الإعلان عن ضرورة تشكيله، بل توضيح كيفية إدارة صلاحياته خلال فترة الغياب، ومعالجة الملفات المتوقفة، و وضع إطار زمني واضح لاستعادة الحوكمة.

و يبقى السؤال الجوهري:
من يضع سياسات شركة مطارات السودان المحدودة في غياب مجلس إدارتها، ومن يراقب تنفيذها، ومن يُسأل عن نتائجها؟ …

Exit mobile version