مصفاة الذهب.. توصية المحافظ والفاتورة المريبة

عقب تخريب مصفاة الذهب في الخرطوم بواسطة مليشيا الدعم السريع، قررت الدولة في عام 2025 إنشاء مصفاة جديدة بولاية نهر النيل، وفق أحدث المواصفات العالمية، لتعويض المنشأة التي دمرتها الحرب، والحفاظ على إحدى الحلقات المهمة في سلسلة إنتاج الذهب و تصديره.
رشان اوشي : حكاية مكالمة هاتفية و حوار مع سامورايأعلن عن عطاء إنشاء المصفاة عبر مختلف وسائل الإعلام، بما فيها التلفزيون القومي. وتقدمت تسع شركات للمنافسة، استبعدت منها ست شركات لعدم استيفائها شروط التأهيل، فيما انحصرت المنافسة بين ثلاث شركات، انتهت بفوز إحداها بعقد بلغت قيمته (4,062,859,837) جنيه.

بدأت أعمال التشييد، وتقدم المشروع حتى اكتمل نحو 58% من المباني، قبل أن يطلب بنك السودان المركزي من المقاول تنفيذ أعمال إضافية تشمل الكهرباء والسور الخارجي، قدرت تكلفتها بنحو (6.6)مليار جنيه. لكن، قبل الاتفاق النهائي على تكلفة هذه الأعمال الإضافية، أبلغ المقاول، بواسطة مستشار محافظ بنك السودان المركزي، بإنهاء العقد وإيقاف العمل.

هنا بدأت فصول أخرى من القصة، تثير أسئلة مهمة حول نزاهة إدارة التعاقدات في المشروع ، والتكلفة التي ستتحملها الخزينة العامة لاستكماله.

في 3 أغسطس 2026، خاطبت وزارة المالية بنك السودان المركزي، معلنة موافقتها على استكمال إنشاء المصفاة عبر تعاقد مباشر، دون طرح عطاء جديد، بحسب المستندات المتاحة لدينا، وهو إجراء يخالف أحكام قانون الشراء والتعاقد والضوابط المنظمة للتعاقدات الحكومية. وطالبت الوزارة البنك بتحديد اسم الشركة التي ستتولى استكمال الأعمال المتبقية.

وجاء رد محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، بالتوصية بإسناد المهمة إلى أعمال (م.ا.م)، ووصفتها بأنها متخصصة في إنشاء مصافي الذهب.

وهنا يقفز السؤال الأول: على أي أساس وقع الاختيار على هذه الشركة تحديداً، دون غيرها من الشركات العاملة في قطاع المقاولات والإنشاءات في السودان؟ وما المعايير الفنية التي استند إليها هذا الاختيار؟ وهل قدم المقاول الجديد خطابات ضمان بنكي وشيكات مصرفية معتمدة لحفظ المال العام؟وما الخبرات السابقة للشركة في إنشاء مصافي الذهب؟ وكم مصفاة أنشأت من قبل، وأين تقع هذه المصافي؟.
مع العلم أن السودان لا يملك سوى مصفاة واحدة للذهب، دمرتها مليشيا الدعم السريع، فيما يجري حاليا إنشاء مصفاة جديدة.

هذه ليست أسئلة تجريمية، بل معلومات أساسية ينبغي أن تكون متاحة لتبرير إسناد مشروع استراتيجي بهذا الحجم إلى شركة بعينها، خصوصاً عندما يتم ذلك دون منافسة معلنة بين الشركات المؤهلة.

والأهم أن الشركة لم تتقدم إلى عطاء للمنافسة على تنفيذ الأعمال المتبقية، وإنما جاء اختيارها بناء على توصية مباشرة من محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني ، مثبتة في مستند رسمي يحمل خط يدها وتوقيعها.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في طريقة اختيار الشركة، وإنما في التكلفة الجديدة لاستكمال المشروع.

ففي 8 أكتوبر 2026، حصل المقاول الجديد على تصديق شراء من وزارة المالية بقيمة (34,124,981,732) جنيها، مقابل استكمال نسبة الـ42% المتبقية من مباني المصفاة، إلى جانب الأعمال الإضافية المتعلقة بالكهرباء والسور الخارجي.

وهنا لا بد من التوقف أمام هذه الأرقام. بلغت قيمة العقد الأصلي لإنشاء المصفاة بأكملها نحو (4.06) مليار جنيه، وقد أنجز بموجبه قرابة 58% من المباني. أما الأعمال الإضافية، التي تشمل الكهرباء والسور الخارجي، فقد سبق أن قدرت تكلفتها بنحو (6.6)مليار جنيه.وبجمع قيمة العقد الأصلي والأعمال الإضافية، نصل إلى نحو (10.66 )مليار جنيه، مع خصم تكلفة 58 ٪؜ تم إنجازها مسبقاً.

لكن تكلفة استكمال (42%) من المشروع، وفق التصديق الجديد، قفزت إلى أكثر من (34.124 ) مليار جنيه.كيف ارتفعت تكلفة استكمال 42% من المباني، مضافا إليها الكهرباء والسور الخارجي، إلى أكثر من ثلاثة أضعاف القيمة الإجمالية المقدرة للعقد الأصلي والأعمال الإضافية معاً؟ وما التغييرات الفنية التي طرأت على المشروع لتبرير هذه القفزة الكبيرة في التكلفة؟

ثم لماذا لم تطرح الأعمال المتبقية في عطاء يتيح للشركات المؤهلة تقديم عروضها، بما يضمن الحصول على أفضل الأسعار وفق المواصفات المطلوبة، ويحمي المال العام من أي تكلفة غير مبررة؟. إن القضية لا تتعلق فقط بالفارق المالي الضخم الذي يستوجب التفسير، بل تمتد إلى طريقة اختيار المقاول الجديد، الذي أسندت إليه الأعمال المتبقية دون إتاحة الفرصة أمام الشركات المؤهلة للتنافس عبر عطاء معلن.

ولأن الأمر يتعلق بمشروع عام تموله الدولة، فإن حق الرأي العام في معرفة التفاصيل هو ضرورة تفرضها مبادئ الشفافية وحماية المال العام.

نحن لا نتهم أحداً بالفساد، ولا نصدر أحكام مسبقة على الشركة أو المسؤولين عن المشروع. لكننا نضع أمام الرأي العام وقائع وأرقام ومستندات تطرح أسئلة مشروعة، ونطالب الجهات المعنية بتقديم إجابات واضحة ومقنعة.

فإذا كانت هناك مبررات تفسر هذه الزيادة الكبيرة في التكلفة، فمن حق الرأي العام الاطلاع عليها. أما إذا كانت الإجراءات قد اتخذت على نحو يخالف القانون أو أفضت إلى تحميل الدولة أعباء مالية غير مبررة، فإن المسؤولية تقتضي مراجعتها ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وفقا للقانون.
محبتي و احترامي

رشان اوشي

Exit mobile version