عام على سقوط الفاشر .. مجزرة لا تسقط بالتقادم

في مثل هذا اليوم، وقبل عام، رنّ هاتفي عند الثالثة صباحًا، بينما كنت غارقًا في نوم عميق بمدينة الأبيض.
لم أُجب على الاتصال، لكن المتصل ترك رسالة مقتضبة، حملت كلمات قليلة ومعنى ثقيلًا (الفاشر سقطت)!!!
في الخامسة صباحًا، وكعادتي، استيقظت وتفقدت هاتفي، فوقعت عيناي على الرسالة. سارعت بالاتصال بالمرسل لكنني لم أتمكن من الوصول إليه بسبب انقطاع خدمة ستارلينك.

حاولت بعدها الاتصال بصديقي المقدم محمد حسن المحبوب، مدير السلاح الطبي بالفاشر أجابني برسالة أكد فيها أنه بخير، و أن الفرقة قد انسحبت و لم أتمكن من التواصل معه مجددًا إلا بعد خروجه من الأسر، الذي دام شهرًا.
و بقدر الله، تمكن المحبوب من الوصول إلى السودان بعد رحلة طويلة و شاقة
و بعد أقل من ساعتين، بدأت الصور والمقاطع المصورة القادمة من الفاشر تتوالى، حاملةً مشاهد مفجعة يصعب على الذاكرة أن تنساها!!!

بولس : الرباعية تتفق على حشد نفوذها لإنهاء حرب السودان عبر تسوية تفاوضية
قتلى على الطرقات، وتصفيات على أساس قبلي، ومشاهد مروعة لمدنيين يُسحقون تحت عجلات المركبات العسكرية!!!!
و تداولت مشاهد لموكب عبد الرحيم دقلو، وسط هو يقوم بعمليات دهس جماعي لمدنيين أثناء دخول المدينة!

و مع انتصاف النهار، كانت الفاشر تتحول إلى مسرح للموت والدمار؛ مرضى يُقتلون داخل المشافي، وكبار في السن يلقون حتفهم تحت عجلات المركبات، وضباط وجنود من القوات المسلحة وعناصر من القوات المشتركة يتعرضون للتصفية في الطرقات العامة، من بينهم صديقي أدروب المتحدث باسم المشتركة
و مع حلول المساء، وصلني الخبر الذي خشيت سماعه أُسر صديقي معمر إبراهيم!

و كما جرت عادتهم، جرى تصويره في محاولة لابتزازه على خلفية موقفه الداعم للجيش.
لكن معمر، الذي عرفته شجاعًا و ثابتًا، لم يتراجع عن مواقفه و لم ينكسر أمام محاولات الضغط عليه.
و لا يزال، بحسب آخر ما أعلم، في الأسر، و ثقتي أنه سيظل أكثر ثباتًا من مضطهديه، مهما طال أمد المحنة!

مرّ عام كامل على سقوط الفاشر، وعلى مقتل آلاف المدنيين في الأحداث التي شهدتها المدينة على يد مليشيا الدعم السريع، بقيادة حميدتي وشقيقه.
عامٌ مرّ، لكن الوجع لم يمر، والذاكرة لم تنسَ، وحقوق الضحايا لا تسقط بمرور الزمن!

إنها مجزرة لا تسقط بالتقادم، ولا ينبغي أن يفلت مرتكبوها من المساءلة، سواء أكانوا ممن لا يزالون في صفوف الدعم السريع أم ممن انسلخوا عنه لاحقًا!

و هي جريمة لا تمحوها التصريحات، ولا تبرئ أصحابها عبارات من قبيل : (لم أشارك في مجزرة الفاشر)او من شاكلة (كنت مزورع وسط الجنجويد )فالمسؤولية عن الجرائم تُحدَّد بالأدلة والتحقيقات، ولا تُحسم بمجرد النفي أو التنصل والكذب!

إن دماء الضحايا أمانة في أعناق الأحياء، وحقوق ذويهم لا ينبغي أن تُنسى أو تُساوَم عليها!

لن تنتهي مأساة الفاشر بالنسيان، ولن يتحقق الإنصاف محاسبة المسؤولين، والاقتصاص للضحايا عبر العدالة والقانون.
رحم الله شهداء الفاشر، وفكّ أسر كل أسير و ردّ المفقودين إلى ذويهم و فك أسر صديقي معمر إبراهيم

عبد الرؤوف طه علي

Exit mobile version