معركة ضبط الأسعار في السودان… هل تنجح التدابير الجديدة؟

حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن الحرب في السودان قد تعيد اقتصاد البلاد إلى مستويات ستينيات القرن الماضي. وفي حال استمر النزاع حتى عام 2030 فقد تتجاوز معدلات الفقر المدقع الـ60 في المئة، مما سيؤدي إلى وقوع 34 مليون شخص إضافي في براثن الحرمان، وقدم التقرير تقديرات للكلف التي تكبدتها البلاد خلال الحرب حتى الآن، فضلاً عن الخسائر المتوقعة في حال استمرار النزاع.

رئيس الوزراء يصدر قراراً بإعفاء السلع الغذائية من الرسوم الجمركية و الضرائب

جبريل ابراهيم و يعلق على قرار إلغاء حظر استيراد السلع الغذائية

ومع أنه لا يمكن إنكار أن الحرب قد ألحقت أضراراً جسيمة بالإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد، وأدت إلى إضعاف العملة وزيادة الاعتماد على الواردات، إلا أن هذه الآثار لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها تجاه المعاناة التي يواجهها الشعب السوداني، فالحرب، وإن كانت جزءاً من الأزمة، لا تبرر غياب استجابة فاعلة، أو الفشل في ترتيب الأولويات بصورة سليمة، أو غياب الرقابة على التجار والأسواق، أو العجز عن إدارة الموارد المتاحة لتخفيف أعباء الأزمة، سواء تعلق الأمر بالخبز أو الوقود أو غيرهما من السلع الأساسية.

يعيش السودانيون أزمة تتسم بارتفاع مستمر ومتقلب في أسعار السلع، وتآكل في الدخل، وتراجع في القوة الشرائية، ومع تزايد الأعباء، في ظل ارتفاع كلف التعليم والرعاية الصحية، لا يبحث المواطنون عن تفسيرات حكومية لأسباب الأزمة، بل يتطلعون إلى حلول للضغوط المتزايدة على الاقتصاد السوداني، لا سيما شح العملة الصعبة، وفي هذا السياق اتخذت الحكومة تدابير لتقييد استيراد السلع غير الأساسية بهدف تقليص العجز التجاري، غير أن هذه القيود ألحقت الضرر بالمواطنين، وفي الوقت ذاته، عجزت الصناعات المحلية عن تلبية طلب المستهلكين، وذلك بسبب الأعباء الضريبية الثقيلة والدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية الإنتاجية، وأخيراً، وخلال اجتماع مع وزير المالية ووزير التجارة والصناعة، أصدر رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، توجيهاً بإلغاء قرار مجلس الوزراء القاضي بحظر استيراد 46 صنفاً من السلع.

ركود عميق

تشير التقارير الرسمية إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي في السودان ليصل إلى نحو 28 في المئة في سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنة بـ26 في المئة في أغسطس (آب) الماضي، وذكر الجهاز المركزي للإحصاء أن معدل التضخم بلغ 40 في المئة في المناطق الحضرية و21 في المئة في المناطق الريفية، حيث سجلت فئة الأغذية والمشروبات زيادة سنوية قدرها 36 في المئة، وأرجع الجهاز هذا الارتفاع في المستوى العام للأسعار إلى زيادات شملت معظم فئات السلع والخدمات، بما في ذلك الأغذية والمشروبات، والتبغ، والملابس والأحذية، والسكن، والأثاث المنزلي، والرعاية الصحية، والنقل، والاتصالات، وقطاع الضيافة (المطاعم والفنادق).

وتشهد الأسواق حالاً من الركود العميق، تفاقمت بسبب الرسوم التي تفرضها المحليات على التجار، في ظل ظروف صعبة فقد فيها كثير منهم مصادر دخلهم على مدى الأعوام الماضية منذ بداية الحرب، مما شكل عبئاً متزايداً على كل من التجار والمستهلكين، ويشير المواطنون إلى تقلبات حادة في الأسعار، إذ تواصل كلف السكر والخبز وزيت الطهي الارتفاع يومياً من دون أي ضوابط.

وقد زاد هذا من معاناة الأسر السودانية التي تواجه أصلاً نقصاً في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، ويرى كثر أن الأسعار باتت تفوق القدرة الشرائية للأسر، وتزامن هذا الاتجاه مع ارتفاع مستمر في كلف الغذاء، واستمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار الأميركي، وقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية إلى موجة تضخمية حادة، تسببت في تراجع اقتصادي تطور لاحقاً إلى حال من “الركود التضخمي”، وفي هذا السياق رفعت السلطات سعر الصرف الجمركي للدولار بنسبة تجاوزت 29 في المئة، وهو التعديل الخامس من نوعه منذ مطلع العام، تزامناً مع صعود سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى مستويات قياسية. ونتيجة ذلك، ارتفعت كلفة الواردات، وانعكس أثر ذلك على أسعار السلع، مما يلفت إلى تداعيات ذلك الاجتماعية والإنتاجية المترتبة على هذا الوضع.

كلف متفاقمة

مع تفاقم كلف المعيشة، أعرب السودانيون عن استيائهم من الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الضرورية، في ظل غياب تام لأي لوائح أو معايير أو رقابة أو أطر قانونية تتناسب مع هذه الظروف الاقتصادية القاسية.

ويصف المواطن عمر سيد أحمد الأزمة بأنها معقدة، مشيراً إلى أنهم يتعاملون مع واقع السوق من دون رؤية واضحة أو قدرة على التنبؤ بما قد يحمله الغد، ويضيف أن العبء المالي الناجم عن هذه الأسعار المرتفعة يفوق قدراتهم بكثير، وكان سيد أحمد قد عاد إلى السودان لاستئناف عمله في إطار “لجنة الأمل للعودة الطوعية”، وهو برنامج يهدف إلى تسهيل عودة الموظفين العموميين والعاملين في مؤسسات الدولة وعائلاتهم من مصر إلى السودان.

وفي السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، صرح رئيس اللجنة، محمد وداعة، بأن اللجنة لا تزال ملتزمة توفير التمويل اللازم لرحلات العودة، بدعم من مساهمات القطاع الخاص، وأشار وداعة إلى إحراز تقدم ملموس في إعادة طلاب التعليم العام، وجرحى العمليات الذين حضروا إلى مصر للعلاج، لافتاً إلى استقرار الخدمات بنسبة كبيرة في عدد من ولايات السودان.

من جانبها، ذكرت منيرة بابكر أنها تقيم لدى أقاربها، إذ لم تجد منزلاً يأويها بعد عودتها من النزوح، ولا تملك القدرة على دفع كلف الإيجار، وأوضحت أن منزلها الخاص يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وهي احتياجات لا تملك حالياً أي وسيلة لتوفيرها، وتسعى بابكر أيضاً إلى كسب دخل من خلال بيع أطعمة منزلية الصنع، وذلك لتغطية احتياجاتها الأساسية والمساعدة في إعالة الأسرة التي تستضيفها.

أما عبد الرحيم متولي، فقد روى أنه فقد قطيعاً من الماشية كان يعتني به قبل الحرب، إذ كان يبيع حليبها لسكان قريته في منطقة الجزيرة، وقد تركه هذا الفقدان في مواجهة صعوبات بالغة لتوفير الغذاء لأطفاله، فضلاً عن تغطية النفقات الطبية والاحتياجات الضرورية الأخرى.

من جهتها، تكشف الطالبة الجامعية عزاز حمدتو أنها تواجه ضغوطاً مستمرة في حياتها اليومية، قبل الحرب كانت تعيش في كنف عائلتها، معتمدة على ما يكسبه شقيقها، قبل أن تضطر إلى الفرار معهم إلى بلد مجاور، عادت هي بمفردها لاستكمال دراستها الجامعية، لتجد نفسها في السودان أمام واقع أقسى بكثير من ذلك الذي تركته وراءها، وأوضحت حمدتو أنها بعد سداد حصتها من إيجار غرفة مشتركة في داخلية طالبات، لا يتبقى لديها ما يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية، كذلك أشارت إلى أن قيمة الأموال التي ترسل إليها تتضاءل يوماً بعد يوم بمجرد تحويلها إلى الجنيه السوداني.

عوامل مترابطة

لقي توجيه الفريق البرهان برفع الحظر عن استيراد 46 صنفاً من السلع ترحيباً من المواطنين والتجار على حد سواء، وسط توقعات بأن يؤدي ذلك إلى انخفاض الأسعار وتوفر أفضل للمنتجات في الأسواق، ويشمل القرار مواد غذائية وسلعاً أساسية، مثل الفول المصري، والأرز، والأسمنت، وأعلاف الحيوانات، ومنتجات الألبان، واللحوم المصنعة، في وقت يعاني فيه السودانيون ارتفاعاً حاداً في كلف المعيشة وتراجعاً في القدرة الشرائية، وعلى رغم أهمية هذه الخطوة، فإنها قد تغري بعض التجار باستغلال الموقف، مما يفاقم معاناة السودانيين، لا سيما في ظل هذه الظروف الحرجة، عبر تحويل الأزمة المعيشية الراهنة إلى فرصة لتحقيق أرباح على حساب حاجات السكان الملحة للغذاء والدواء.

ويرى الباحث الاقتصادي محمود دفع الله أن هذا الوضع يعود جزئياً إلى عوامل خارجية، مرتبطة باضطرابات الاقتصاد العالمي، كالحرب الروسية – الأوكرانية، والحرب في إيران واليمن، كذلك يشير دفع الله إلى عوامل داخلية، أبرزها ضعف أو غياب الرقابة من قبل السلطات المحلية والأجهزة التنفيذية، مما يترك المستهلكين تحت رحمة التجار، ويوضح أيضاً أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني يدفع بعض التجار إلى تبني إستراتيجيات تسعير احترازية أو مبالغ فيها، لضمان قدرتهم على استبدال مخزونهم بكلفة أعلى مستقبلاً، ويضيف أن صعوبة التنقل بين الولايات بسبب المخاوف الأمنية تمنح التجار في بعض المناطق المعزولة احتكاراً كاملاً.

ولفت الباحث الاقتصادي إلى أن هناك عوامل عدة مترابطة تسهم في هذه الظاهرة داخل السوق السودانية، إذ يعمد بعض التجار إلى المبالغة في رفع أسعار السلع الأساسية، متجاهلين اللوائح التجارية ومستغلين غياب الرقابة الفعالة، كذلك يخزنون السلع ويحتكرونها، ويحجبونها عن السوق لتقليل المعروض، مما يفرض أسعاراً مرتفعة على المستهلكين العاجزين، إضافة إلى ذلك يتلاعبون بالمخزون القديم عبر بيعه بالأسعار الجديدة المرتفعة لتحقيق أرباح سريعة وسهلة، فضلاً عن استغلالهم أزمات النقل والسيولة النقدية، فعلى سبيل المثال، يستخدمون ذرائع مثل قطع الطرق أو الصعوبات اللوجستية لتبرير مضاعفة الأسعار، ويستغلون كذلك نقص السيولة النقدية والمشكلات المتعلقة بتداول فئات العملة القديمة لفرض زيادات إضافية في الأسعار.

Exit mobile version