تعديلات قانون الشركات و أثرها على شركة مطارات السودان و الخطوط الجوية السودانية هل تحمي التعديلات المال العام أم تضيق الرقابة؟

أثارت التعديلات التي حملها المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026 على قانون الشركات لسنة 2015 وقانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017 نقاشاً مهماً حول حدود الرقابة على الشركات التي تساهم فيها الدولة، خاصة بعد تعديل معيار مساهمة الدولة من «أي نسبة» إلى «أكثر من 50%» في بعض النصوص.
غير أن النقاش حول هذه التعديلات يجب ألا يختزل في نسبة الملكية وحدها، لأن شركات الطيران و المطارات تخضع في الأصل إلى أكثر من نوع من الرقابة، لكل منها طبيعتها وسندها القانوني واختصاصها.

و هنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية:

الرقابة الفنية والتنظيمية على نشاط الطيران.

الرقابة المالية والمراجعة على المال العام.

و الولاية المالية للدولة على مواردها وأصولها والتزاماتها.

و هذه المستويات لا تتعارض، وإنما تتكامل.

أولاً : الرقابة الفنية على شركة مطارات السودان وسودانير

شركة مطارات السودان و الخطوط الجوية السودانية، مهما كانت طبيعة ملكيتهما أو نسبة مساهمة الدولة فيهما، تعملان داخل قطاع منظم قانوناً هو قطاع الطيران المدني.

شركة مطارات السودان المحدودة بلا مجلس إدارة .. فراغ مؤسسي و أسئلة معلقة
و بالتالي فإن خضوعهما للرقابة الفنية و التنظيمية لا يتحدد فقط بنسبة ملكية الدولة في رأس المال.
فالجهة المختصة بالطيران المدني هي التي تتولى تنظيم ومراقبة النشاط من الناحية الفنية وفقاً للقوانين واللوائح الوطنية ومتطلبات منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو».

و بالنسبة لشركة مطارات السودان، فإن ذلك يشمل ــ بحسب طبيعة الاختصاصات المقررة لسلطة الطيران المدني ــ الرقابة على الجوانب المتعلقة بتشغيل المطارات، و سلامة المطارات، والمواصفات والمعايير الفنية، و التراخيص والشهادات، و إدارة المخاطر، و متطلبات السلامة و الأمن ذات الصلة، ومدى الالتزام بالمعايير الدولية والوطنية.

أما بالنسبة للخطوط الجوية السودانية، فتشمل الرقابة الفنية و التنظيمية جوانب الناقل الجوي، و صلاحية التشغيل، و السلامة الجوية، و صلاحية الطائرات، و التراخيص و الشهادات، و أداء الطواقم، و الصيانة والتشغيل، ونظم إدارة السلامة، وغير ذلك من المتطلبات الفنية والتنظيمية التي تقع ضمن اختصاص سلطة الطيران المدني.

وهنا يجب التأكيد على مبدأ بالغ الأهمية:

تغيير نسبة ملكية الدولة في الشركة لا يعني بحال من الأحوال سقوط الرقابة الفنية والتنظيمية عليها.

فشركة الطيران تظل شركة طيران، والمطار يظل مطاراً، والالتزامات المتعلقة بالسلامة لا تتغير بتغير هيكل الملكية.

وهذا أمر تحكمه طبيعة النشاط ومتطلبات السلامة الجوية، وليس طبيعة المساهمين فقط.

ثانياً: الرقابة الفنية ليست رقابة مالية

من الضروري أيضاً عدم الخلط بين سلطة الطيران المدني وبين ديوان المراجعة القومي أو وزارة المالية.

فوظيفة سلطة الطيران المدني هي في الأساس التنظيم والرقابة الفنية والسلامة والأمن في قطاع الطيران ضمن حدود اختصاصها.

أما مراجعة الأموال والحسابات والتصرفات المالية ومدى الالتزام بالقوانين المالية والموازنات والإجراءات المحاسبية، فهي مجال مختلف يدخل في اختصاص أجهزة الرقابة المالية والمراجعة والجهات المالية المختصة.

و بالتالي فإن القول بخضوع شركة مطارات السودان أو سودانير للرقابة الفنية لسلطة الطيران المدني لا يعني أن سلطة الطيران المدني هي الجهة التي تراجع حسابات الشركة أو تحل محل ديوان المراجعة أو وزارة المالية.

كما أن خضوع الشركة للمراجعة المالية لا يعني أن ديوان المراجعة هو الجهة التي تمنح شهادات السلامة أو تراخيص التشغيل أو تعتمد صلاحية الطائرات أو المطارات.

لكل جهة اختصاصها.

ثالثاً: الرقابة المالية على المال العام

أما من الناحية المالية، فإن المسألة تختلف.

فالمال العام لا يفقد صفته العامة لمجرد أن الدولة أدارت جزءاً منه من خلال شركة أو مؤسسة أو شركة مساهمة.

إذا كانت الدولة تساهم في الشركة، أو تمولها، أو تقدم لها أصولاً عامة، أو تتحمل التزامات أو ضمانات عنها، أو تستخدم الشركة موارد عامة، فإن هذه العلاقة المالية يجب أن تكون واضحة وقابلة للمراجعة والمساءلة وفقاً للقوانين المنظمة للمال العام والمراجعة.

وهنا يأتي دور ديوان المراجعة القومي، باعتباره الجهاز المختص بالمراجعة والرقابة على الأموال والموارد الواقعة ضمن نطاق اختصاصه القانوني.

كما تأتي ولاية وزارة المالية على المال العام، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة وتنظيم الموارد المالية للدولة وفقاً للقوانين واللوائح المالية النافذة.

ومن هنا فإن معيار الرقابة المالية لا ينبغي أن يُختزل بصورة آلية في سؤال:

هل تملك الدولة أكثر من 50% من أسهم الشركة؟

بل يجب النظر كذلك إلى:

هل توجد أموال عامة؟

هل توجد أصول مملوكة للدولة؟

هل تقدم الدولة تمويلاً أو ضمانات؟

هل تتحمل الخزانة العامة التزامات الشركة؟

هل تحصل الشركة على موارد عامة؟

هل تدير الشركة أصلاً عاماً أو مورداً عاماً نيابة عن الدولة؟

هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها عند تحديد نطاق الرقابة المالية.

رابعاً: شركة مطارات السودان نموذج واضح

شركة مطارات السودان تقدم مثالاً عملياً على أهمية هذا الفصل.

فالشركة قد تكون مسؤولة عن تشغيل وإدارة منشآت ومطارات وأصول ذات قيمة كبيرة، بعضها أنشئ تاريخياً بأموال الدولة.

وفي هذه الحالة يجب الفصل بين أمرين:

الأول: أن سلطة الطيران المدني تراقب النشاط من الناحية الفنية والتنظيمية، بما يضمن سلامة وأمن واستيفاء المطارات للمعايير الوطنية والدولية.

والثاني: أن الأصول والأموال والإيرادات والتصرفات المالية المتعلقة بالمال العام تخضع للرقابة المالية والمراجعة وفقاً للاختصاصات القانونية لديوان المراجعة والجهات المالية المختصة.

وبالتالي، فإن إعادة تصنيف الشركة تجارياً أو تغيير نسبة مساهمة الدولة لا ينبغي أن يؤدي إلى خلق فراغ في أي من المستويين.

خامساً: سودانير نموذج أكثر حساسية

وينطبق الأمر نفسه على الخطوط الجوية السودانية.

فسودانير لا يمكن أن تصبح خارج الرقابة الفنية لمجرد تغيير نسبة ملكية الدولة، لأن نشاط النقل الجوي نشاط منظم بطبيعته، ويخضع لمتطلبات السلامة والتشغيل والترخيص والرقابة الفنية.

وفي الوقت نفسه، فإن أصول الشركة وأموالها والتزاماتها والتمويل الحكومي أو أي دعم أو ضمانات تقدمها الدولة يجب أن تخضع للرقابة المالية وفقاً للقانون.

وبعبارة أخرى:

سلطة الطيران المدني تسأل:

هل تستطيع الشركة تشغيل الطائرة بأمان؟

بينما ديوان المراجعة والجهات المالية تسأل:

كيف أُنفقت أموال الدولة؟ وكيف أُديرت الأصول العامة؟ وهل تم التصرف فيها وفق القانون؟

وهذان سؤالان مختلفان، وكلاهما ضروري.

سادساً: الخطورة في وجود «منطقة رمادية»

الخطر الحقيقي في تعديلات قانون الشركات لا يكمن فقط في رفع نسبة الملكية إلى أكثر من 50%، وإنما في احتمال أن يُفهم هذا التعديل على أنه يعني خروج كل شركة تقل فيها مساهمة الدولة عن هذه النسبة من جميع أشكال الرقابة الحكومية.

وهذا فهم غير سليم.

فحتى لو خرجت شركة معينة من تعريف «شركة القطاع العام» لأغراض قانون الشركات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة خروجها من:

الرقابة الفنية لسلطة الطيران المدني.

ولا يعني بالضرورة خروج الأموال العامة التي تملكها أو تديرها من المراجعة.

ولا يعني انتهاء ولاية الدولة على أصولها العامة.

ولا يعني سقوط الالتزامات التي ترتبت على الدولة بموجب عقود أو ضمانات أو تمويلات سابقة.

ولهذا يجب أن يكون هناك تفسير قانوني واضح يمنع استخدام تعديل قانون الشركات كوسيلة غير مباشرة لإلغاء اختصاصات رقابية مقررة بموجب قوانين أخرى.

سابعاً: المطلوب هو التكامل وليس تضارب الاختصاصات

السودان في مرحلة إعادة بناء شاملة لقطاع الطيران، وهذه المرحلة تحتاج إلى وضوح مؤسسي شديد.

ويجب أن تكون الحدود بين الجهات واضحة:

سلطة الطيران المدني:
تنظيم الطيران المدني والرقابة الفنية والسلامة والأمن وإصدار التراخيص والشهادات في حدود اختصاصها.

شركة مطارات السودان:
تشغيل وإدارة المطارات والأصول والمنشآت الموكلة إليها وفق الأطر القانونية والتنظيمية.

الخطوط الجوية السودانية:
تشغيل النقل الجوي وفق متطلبات السلامة والتراخيص والقواعد الفنية والتنظيمية.

ديوان المراجعة القومي:
المراجعة والرقابة المالية على الأموال والموارد والجهات الداخلة في نطاق اختصاصه القانوني.

وزارة المالية:
الولاية والإشراف المالي على المال العام والموارد العامة وفق القوانين المالية النافذة.

وهذا التوزيع للاختصاصات لا يعني تضارباً، وإنما يمثل منظومة رقابة متكاملة.

الخلاصة

إن الحديث عن تعديل قانون الشركات يجب ألا يقود إلى خلط خطير بين «الشخصية الاعتبارية للشركة» وبين «طبيعة المال أو النشاط الذي تمارسه».

فشركة مطارات السودان، حتى إذا تغيرت طبيعة ملكيتها، تظل خاضعة للمتطلبات الفنية والتنظيمية للطيران المدني.

وسودانير، حتى إذا تغير هيكل ملكيتها، تظل خاضعة للرقابة الفنية على السلامة والتشغيل والنقل الجوي.

وفي المقابل، فإن المال العام والأصول العامة والتمويلات والضمانات الحكومية لا ينبغي أن تفقد رقابتها المالية لمجرد أن نسبة مساهمة الدولة في رأس مال الشركة أصبحت أقل من 50%.

والقاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة القادمة هي:

«الرقابة الفنية تتبع النشاط، والرقابة المالية تتبع المال العام، والولاية المالية تتبع الدولة، ولا ينبغي أن يؤدي تغيير شكل الشركة أو نسبة الملكية إلى إسقاط أي منها».

إن حماية قطاع الطيران السوداني لا تتحقق فقط بإعادة تشغيل المطارات والطائرات، وإنما أيضاً بإقامة منظومة مؤسسية واضحة تمنع تضارب الاختصاصات من جهة، وتمنع الفراغ الرقابي من جهة أخرى.

فالهدف ليس فرض رقابة مزدوجة بلا مبرر، وإنما ضمان أن كل جانب يخضع للجهة صاحبة الاختصاص:

سلامة الطيران وأمنه وتشغيله تحت الرقابة الفنية المختصة.

والمال العام والأصول والموارد تحت الرقابة المالية والقانونية المختصة.

وهذا هو الفاصل الضروري بين «تنظيم الطيران» و«إدارة المال العام»؛ فكل منهما اختصاص أصيل، ولا يجوز أن يُستخدم تعديل قانون الشركات لإلغاء أحدهما أو الانتقاص منه.

٢٨ اكتوبر ٢٠٢٦
ابراهيم عدلان

Exit mobile version