شركة مطارات السودان .. هل آن أوان التغيير؟

ليس من السهل الكتابة عن أوضاع مؤسسة وطنية بهذا الحجم، خاصة عندما يكون الكاتب واحداً ممن اكتووا بتداعيات القرارات الإدارية، و عاشوا عن قرب ما يصفونه بتراجع بيئة العمل وتضاؤل فرص الاستفادة من الكفاءات.
و مع ذلك، فإن حساسية القضية تفرض قدراً أكبر من الموضوعية، لأن الأمر لا يتعلق بأشخاص بقدر ما يرتبط بمستقبل قطاع حيوي يمثل أحد أعمدة التنمية والاقتصاد الوطني.
تدور تساؤلات عديدة حول مستقبل شركة مطارات السودان، و طبيعة إدارتها، و مدى قدرتها على مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.
و من بين هذه التساؤلات ما يتعلق باستمرار الفريق السر الختم على رأس الشركة، بعد مسيرة مهنية سابقة في القوات المسلحة، ثم نحو ثماني سنوات قضاها في إدارة الشركة، وفقاً للمعلومات المتداولة.
و هنا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى جدل حول العمر أو بلوغ سن المعاش، فالكفاءة لا تقاس بالسن وحده، و إنما بقدرة المسؤول على تقديم رؤية متجددة، و إحداث اختراق في واقع المؤسسة، و الاستجابة للتحديات التي تواجهها.
لكن استمرار أي قيادة لفترة طويلة يظل مدخلاً مشروعاً للتقييم و المراجعة، خصوصاً عندما تكون المؤسسة في حاجة ماسة إلى إصلاحات جوهرية.

إن المتابع لأوضاع المطارات السودانية لا يمكنه تجاهل حجم التحديات التي تواجهها، سواء على مستوى البنية التحتية أو الخدمات أو الإدارة و التشغيل.
و في الوقت الذي تتجه فيه دول عديدة إلى تطوير مطاراتها وفق أحدث المعايير، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لأداء شركة مطارات السودان، ووضع خطة واضحة للنهوض بها.

و لعل المقارنة مع مطار جوبا بدولة جنوب السودان، و ما شهده من تطور في بعض مرافقه و صالاته، تطرح سؤالاً مهماً : لماذا تتعثر جهود تطوير مطاراتنا، رغم ما تمتلكه البلاد من خبرات و كفاءات و إمكانات بشرية؟

و من القضايا التي تستحق الوقوف عندها طبيعة الإدارة داخل الشركة، و مدى اتساع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار.
فالمؤسسات الكبرى لا يمكن أن تدار بعقلية المجموعة المحدودة، و إنما تحتاج إلى إشراك العاملين و الاستفادة من خبراتهم، و إتاحة الفرصة أمام الكفاءات لتقديم الأفكار والمبادرات.
كما أن أوضاع العاملين بالشركة تستحق اهتماماً عاجلاً، خاصة في ظل ما يثار بشأن توقف بعضهم عن العمل أو خضوعهم لإجازات إجبارية، مقابل تساؤلات حول عدالة توزيع الفرص والامتيازات، ومدى التناسب بين ظروف العاملين والموارد المتاحة للإدارة العليا.

ومن الملفات التي تحتاج إلى مراجعة أيضاً ملف الإيرادات والاستثمارات. فقد كانت صالة كبار الزوار بمطار الخرطوم، وفقاً لما يطرحه بعض العاملين، تحقق عائداً مالياً يسهم في تغطية التزامات مرتبطة بالعاملين، كما تبرز تساؤلات حول إدارة أنشطة الاستثمار و الخدمات، بما فيها الباصات ومواقف السيارات، و الجهات التي تتولى تشغيلها، ومدى استفادة الشركة من عوائدها.

و هذه ليست اتهامات بقدر ما هي ملفات تستحق الشفافية والمراجعة، من خلال إتاحة المعلومات حول العقود والإيرادات وأوجه الصرف، وتوضيح ما إذا كانت الشركة تحقق الاستفادة الاقتصادية المرجوة من أصولها ومواردها.

كذلك، فإن المشاركة في المؤتمرات الخارجية والفعاليات المتخصصة ينبغي أن تكون مرتبطة بعائد مهني ومؤسسي واضح، وأن تنعكس نتائجها على تطوير الأداء، لا أن تظل امتيازاً محدوداً لا تتاح فرصه لبقية الكوادر العاملة.

إن شركة مطارات السودان لا ينقصها العنصر البشري المؤهل، بقدر ما تحتاج إلى إدارة تحسن توظيف هذا العنصر، وتمنحه الثقة والمساحة اللازمة للإبداع. وهناك كوادر وخبرات متخصصة، من بينها ضباط مطارات بلغوا سن المعاش، لكنهم يمتلكون تأهيلاً وخبرات في إدارة وتشغيل المطارات وفق المعايير الدولية والإقليمية، ويمكن الاستفادة منهم في مواقع القيادة والاستشارة والتطوير.

و من هنا، فإن الدعوة إلى مراجعة قيادة الشركة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها استهدافاً لشخص بعينه، و إنما مطالبة بإعمال مبدأ التقييم المؤسسي، وفتح الباب أمام الكفاءات القادرة على تقديم مشروع واضح لتطوير المطارات السودانية.

إننا نضع هذه القضية أمام رئيس مجلس السيادة، و الجهات المختصة، آملين إجراء مراجعة شاملة لأداء شركة مطارات السودان، تشمل الإدارة و الموارد و الاستثمارات و أوضاع العاملين، مع الاستماع إلى جميع الأطراف، وعدم الاكتفاء بالتقارير المكتبية.

فالمرحلة التي تمر بها البلاد لا تحتمل إدارة تقليدية لمؤسساتها الحيوية، و قطاع المطارات تحديداً يحتاج إلى قيادة تمتلك الرؤية و الخبرة و القدرة على صناعة التغيير.
المناصب ليست امتيازات دائمة، و إنما مسؤوليات تقاس نتائجها بما تقدمه للمؤسسة و العاملين و الوطن.
و قد آن الأوان لأن يكون مستقبل شركة مطارات السودان أكبر من أي منصب، و أن تكون مصلحة المؤسسة فوق كل اعتبار.

Exit mobile version