إرادتان متوازيتان ..!!
الطاهر ساتي
:: مسيرات مليشيا آل دقلو التي تنطلق من خلف الحدود الإثيوبية لا تستهدف محطات الكهرباء لذاتها، ومن يقرأ المشهد بهذا التبسيط لم يفهم فقه الحرب بعد.. فالكهرباء وغيرها من مرافق الشعب لم تكن يوماً هي الغاية، بل الغاية هي إرادة الشعب في حد ذاتها..!!
الطاهر ساتي يكتب: استسهال العقول ..!!
:: لجأت المليشيا الإرهابية إلى هذا السلاح اليائس بعد أن تكسرت نصال مواقعها في الميدان.. وبدأت استهدافاً ممنهجاً للمحولات وخطوطها، ظناً منها أن ظلام المدن سيقود حتماً إلى ركوع الدولة وإرغامها على قبول هدنة تعيدها إلى مسرح الحياة العامة كما كانت..!!
:: فالمسيرات رسالة للداخل فحواها “لن تنعموا بالحياة ما لم تقبلونا”، وللخارج “ما زلنا قادرين على الإيذاء”، ولكنها (فرفرة مذبوح)، ومحاولة بائسة لانتزاع ما عجزت عن انتزاعه بنادقها المأجورة على الأرض، وهي تعلم يقيناً حجم الزحف القادم إليها، لتطهير الأرض من دنسها..!!
:: وليس في جرمها عجب، فالمليشيا لم تتورع عن استهداف المستشفيات والمساجد وتخريب المدارس ومحطات المياه، وليس غريباً عليها أن تطفئ النور.. فهذه الجماعة لم تكن يوماً عدواً للجيش وحده، بل كانت – وما زالت – خصماً للمواطن في معاشه، وصحته، وأمنه، ويقظته..!!
:: ساقوا نحو أرضنا آلاف الكلاب ففشلوا، وضخت الإمارات مليارات الدولارات وأطنان السلاح لتحتل ديارنا فخاب مسعاهم.. والآن، يتوهم الأغبياء أن مسيرة صامتة قد تطفئ محطة، ستحقق لهم ما عجزت عنه فيالق المرتزقة والجنجويد قبل إبادتها ودحر ما تبقى منها..!!
:: فما عساها تفعل مسيرة، حتى لو أطبقت الظلمة على سماء البلاد؟ هل يظنون حقاً أن دولة صمدت لعامين كاملين تحت راجمات القصف، وويلات النهب، والانتهاكات، ستستسلم لمجرد أن النور استأذن لساعة أو ليوم..؟؟
:: وهنا تحديداً، جاء الرد السيادي الحاسم بتوفير منظومات الطاقة الشمسية لكافة المشاريع الزراعية المروية آلياً على نفقة الدولة.. هذا ليس مجرد قرار زراعي، بل هو قرار أمن قومي من الطراز الأول..!!
:: بلادنا اليوم تواجه حرباً متعددة الجبهات؛ شح أمطار، وموسم متعثر، وأزمة وقود، ثم ضرب للكهرباء.. لذا، كان التوجيه ذكياً وبصيراً : اقطعوا دابر الاعتماد على الوقود والشبكات القومية في الري، وحولوا المشاريع إلى طاقة الشمس..!!
:: رب ضارة نافعة..وفي فقه الشعوب الحية، فإن المعاناة هي الكور الذي يصهر المعادن فيميز خبيثها من طيبها.. والحروب هي المخاض العسير الذي يولد من رحمه الإبداع، وتستدعي فيه الأمم طاقاتها الكامنة لتصنع النهضة من حطام الدمار..!!
:: فالشعوب العظيمة لا تموت بالأزمات، بل تعيد صياغة ذاتها، وتتحول جراحاتها إلى وقود للتحدي تكسر به طوق الرهق..والشمس هبة الله التي لا تسقطها مسيرة، ولا يحاصرها بغي، ولا تحتاج لخطوط إمداد أو دولار استيراد..!!
:: ضربوا الكهرباء؟ سنذهب إلى الشمس.. قطعوا الوقود؟ سنلجأ للطاقة المتجددة..أرادوا إفشال الموسم الشتوي؟ فجعلناه موسماً زراعياً حراً بلا شبكات متهالكة، أو هكذا يجب أن تكون إرادة الدولة موازية في التعمير لإرادة الجيش في التحرير..!!
:: والعجلة بدأت في الدوران – فعلياً – في عدة مشاريع بالولايات..والسرعة هنا هي الفيصل، فالموسم لا ينتظر، والمؤامرة لا تنام..والمطلوب هو تعميم الفكرة على كافة المرافق الحيوية من مستشفيات، ومحطات مياه، وجامعات ومطاحن غلال وغيرها..!!
:: وحتى لو عادت محطات الكهرباء بكامل طاقتها، فإن المنطق الاستراتيجي يفرض علينا ألا نُلدغ من الجحر مرتين.. فالعودة إلى المربع القديم بعد هذه الدروس القاسية هي ضرب من الغباء التدبيري..!!
:: نعم، فليكن الخيار الحتمي هو الانعتاق الكلي نحو فضاء الطاقة المتجددة.. وهي فرصة تاريخية لتتحول هذه الأزمة من محنة إطفاء إلى ملحمة بناء، تؤسس لسودان يملك طاقته من عناصر طبيعته..!!
