العالم في درجة الغليان وعهد الطغيان! حين يتحول الظلم من جريمة إلى سياسة دولية !
عادل المفتي
يا عالم السجم والرماد .. من أعطاكم الحق أن تحكموا العالم وتظلموا أهل الأرض؟ ومن منحكم تفويضاً لتمزيق الأوطان، وإشعال الحروب، وتجويع الشعوب، ونهب ثرواتها؟ وهل أصبحتم آلهة الأرض حتى تقرروا من يعيش ومن يموت، ومن يحكم ومن يسقط، ومن يملك ثرواته ومن يُمنع من استخراجها؟!
عادل المفتي يكتب : السودان يعود إلى مقعده .. و المليشيا تفقد نفوذها و تخسر دولاراتها
يا عالم الجن والشياطين .. إنه زمن اختلال الموازين؛ زمنٌ أصبح فيه القوي قاضياً وجلاداً، والضعيف متهماً حتى ولو ثبتت براءته! دولٌ تُحاصر لأنها تريد استقلال قرارها، وشعوبٌ تُعاقب لأنها تمتلك ثروات لم تستطع بعد تحويلها إلى نهضة، وأوطانٌ تُدفع إلى الفوضى حتى تصبح لقمة سائغة أمام أطماع الخارج.
يا بقية العالم الذي ينظر ولا يري ويقرأ ولا يعتبر ، أنظرو ماذا يفعل بنا التتار الجدد .. فرعون امريكا .. وهامان إسرائيل .. وتوابعهم عبيد الدولار وأذلتهم من العملاء .. هذا هو وجه الاستعمار الجديد؛ لم يعد يحتاج دائماً إلى جندي يحتل أرضاً، بل إلى عميل يفتح الأبواب، ويدٍ خفية تشعل الفتن، ومالٍ يشتري الذمم، وإعلامٍ يزيّف الحقائق، ثم تأتي القوى الكبرى لتتحدث عن السلام والديمقراطية والهدنة وحقوق الإنسان!
أيُّ عدالة هذه التي تتغير أحكامها بحسب هوية القوي والضعيف؟
أمريكا وإسرائيل وبعض القوى الغربية وتوابعهم تمارس سياسات وتدخلات تثير أسئلة خطيرة حول ازدواجية المعايير، وحول نظام دولي يبدو عاجزاً عن حماية الشعوب حين تصطدم حقوقها بمصالح الدول النافذة. وأصبحت مؤسسات العدالة الدولية تواجه اختباراً قاسياً أمام الحروب والانتهاكات وحق النقض الذي تحتكره خمس دول في مجلس الأمن الذي اصابه الدوار وأصاب شعوبه الغثيان.
انظروا إلى فلسطين، وانظروا إلى ليبيا، والسودان وانظروا إلى ما جرى في دول أخرى؛ كم من وطنٍ دفع ثمن الصراعات الدولية والإقليمية، وكم من شعبٍ استيقظ ليجد أن مستقبله أصبح رهينةً لحسابات الآخرين!
والسودان ليس بعيداً بل وسط هذه المعادلة الخطيرة.
يا عالم الكيل بمكيالين .. وانتم تشاهدون من اين تنطلق المسيرات بانظمتكم المتطورة وهي تهبط علي محطات الكهرباء والمياه والمناطق السكنية وتذبح المدنيين من شعب السودان وانتم في ثبات عميق وضمير ميت ورجولة علي الضعيف وإنسانية وحقوق إنسان علي من يدفع أكثر .. تزيد أطماعكم وتغمض عيونكم وتصم اسماعكم .. وانتم ترون بأن السودان، بما يمتلكه من أرض زراعية ومياه وثروات معدنية وموقع استراتيجي وموارد بشرية، أصبح ساحةً لصراع تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية. ومنذ اندلاع حرب أبريل 2023، يدفع شعبه أثماناً باهظة من دمائه وأمنه ومستقبله. وقد كشفت التقارير الدولية حقتكم عن أدوار خارجية في تغذية الصراع، الأمر الذي يستوجب تحقيقاً ومساءلةً لا مجاملة فيها ولكن ماذا فعلتم؟!! ولا حياة لمن تنادي .
يا عالم تأسيس الوهم ووهم التأسيس .. ناس دنيا زائلة ونعيمكي زائل ومفاتيحهم وتوابعهم .. نقول لكم نحن شعب السودان اسمعوها منا جيدا : أن كل من يراهن على تفكيك السودان وإخضاع إرادته مخطيء : هل تظنون أن تجويع الشعوب يكسر إرادتها؟ وهل تعتقدون أن تدمير المدن ومحطات الكهرباء يجعل أصحابها يتنازلون عن أوطانهم؟ إن التاريخ يقول إن الظلم قد يصنع صمتاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن الخضوع أبداً وله ما بعده.
يا عالم الغطرسة والدمار : احذرو من اليوم الذي تتحول فيه سياسات الإذلال والتجويع والحصار إلى وقود لمقاومة شعبية واسعة؛ ثم لا تستغربوا حين تصفون نتائج سياساتكم بأنها تطرف أو إرهاب، بينما تتجاهلون الأسباب التي صنعت الغضب واليأس .
يا عالم الحقد والحسد والدولار .. الكلام ده ليكم يا دول الجوار عبيد الدينار ؛ التي تنخرط في صراعات لا تخدم شعوبها: لا تبيعوا مستقبل أمتكم مقابل حفنة دولارات، ولا تجعلوا أرضكم جسراً لمؤامرات الآخرين. فالمال ينفد، والتحالفات تتبدل، لكن ذاكرة الشعوب لا تموت، وعاقبة الظلم لا ينجو منها أحد.
يا عالم الضلال والانحلال .. فإلى متى تبقى العدالة رهينة حق النقض؟ وإلى متى يظل مصير الملايين معلقاً بإرادة خمس دول؟ إن العالم بحاجة إلى نظام دولي جديد، لا تكون فيه القوة بديلاً عن القانون، ولا تكون فيه حياة الإنسان أقل قيمة من المصالح الاقتصادية والسياسية.
وأقول لمن اغتروا بالقوة والمال والنفوذ: هل نسيتم فرعون؟ هل نسيتم هامان؟ هل نسيتم عاداً وثمود وقوم لوط؟
أين ذهبت قصورهم؟ وأين جيوشهم؟ وأين جبروتهم؟ لقد رحلوا وبقيت عبرتهم.
فلا تغتروا بارتفاع الأبراج، ولا بحاملات الطائرات، ولا بصواريخ عابرة للقارات؛ فهناك قوة فوق كل قوة، وعدالة فوق كل عدالة بشرية، ورب لا يغفل عن ظلم المظلومين.
اتقوا الله في الأرض ومن عليها!
اتركوا السودان للسودانيين، وفلسطين لأهلها، وليبيا لشعبها، وسائر الأوطان لأصحابها. كفّوا أيديكم عن إشعال الحروب، ودعوا الشعوب تستخرج ثرواتها وتبني مستقبلها وتختار حكامها بإرادتها الحرة.
أما أهل السودان، فليعلم العالم أن هذا الشعب ليس أرضاً بلا أصحاب، ولا تاريخاً بلا جذور، ولا إرادةً يمكن شراؤها أو كسرها. وسيظل حقه في وحدة وطنه وسيادته واستقلال قراره قائماً، وسيكون لأبنائه الكلمة في مستقبل بلادهم.
إنها رسالة أخيرة إلى عالمٍ أصابه الغرور: لا تختبروا صبر الشعوب، ولا تستهينوا بعدالة السماء. فالتاريخ لا يرحم الطغاة، والله يمهل ولا يهمل، ويوم الحساب لا تنفع فيه الفيتوات ولا حاملات الطائرات ولا مليارات الدولارات.
وأنتم يا بني جلدتي، إختشو ياخ ..اختشوا من الله ومن ضمائركم! وإختشو من شعبكم! وتعالوا إلى كلمةٍ سواء، قبل أن يمضي ما تبقى من الزمن، فتجدوا أنفسكم تحت التراب، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ولا تنفع المناصب ولا المكاسب، وإنما يبقى الحق الذي نطقتم به، والموقف الذي اتخذتموه، والعمل الصالح الذي قدمتموه. اتقوا الله في الوطن وأهله، فالتاريخ لا يرحم، والضمير لا يموت، والوقوف مع الحق واجب، ونصرة المظلوم مسؤولية، والجهاد الحقيقي يبدأ بكلمة حق وموقف صادق في وجه الظلم والباطل.
توحدو ودافعو عن وطنكم كالرجال قبل تندبو حظكم يوما وتتباكون عليه كالعيال.
اللهم هل بلغت اللهم فأشهد ..
قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
صدق الله العظيم.
كابتن طيار عادل المفتي
٤ نوفمبر ٢٠٢٦ م
