الموارد المعدنية.. محمد طاهر عمر تحت المحاسبة.. 68 وفاة وأسئلة لا تحتمل الصمت!

الموارد المعدنية.. محمد طاهر عمر تحت المحاسبة.. 68 وفاة وأسئلة لا تحتمل الصمت!

محمد عثمان الرضي

✦ ما قيمة الكاريزما الإدارية حين تتراكم الأزمات، وتتعطل المعالجات، وتُطرح معلومات عن سقوط 68 وفاة وسط تساؤلات خطيرة حول استخدام المواد الكيميائية في أنشطة التعدين؟ إن إدارة الموارد المعدنية ليست وجاهة اجتماعية ولا موكب سيارات فارهة، كما أن عقد الورش والاجتماعات لا يمثل إنجازاً ما لم يتحول إلى قرارات تحمي المواطنين وتصون البيئة وتضع حداً للفوضى.

محمد عثمان الرضي يكتب: أزمة الوقود.. سأخلع السيارة وأمتطي حماراً!

✦ كان المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر، يتمتع في مرحلة سابقة بحضور قوي وشخصية إدارية قادرة على اتخاذ القرار وفرض هيبة المؤسسة. لكن الصورة التي تقدمها الأزمات الراهنة تطرح سؤالاً مشروعاً: هل تراجعت فاعلية الإدارة، أم أن المؤسسة أصبحت أكبر من قدرة قيادتها على احتواء ملفاتها المتشابكة؟

✦ الجدل الذي أُثير حول تجديد عقد المدير العام لا ينبغي أن يتحول إلى معركة أشخاص، وإنما إلى مناسبة لمراجعة الأداء المؤسسي. فالمناصب العامة لا تُجدد بالكاريزما، ولا تُدار بالانطباعات، وإنما تُقاس بما تحقق على الأرض، وبمدى قدرة المسؤول على معالجة الاختلالات وحماية المصالح العامة.

✦ في محلية دورديب بولاية البحر الأحمر، لا يزال مربع التعدين المخصص لشركة نيرس متوقفاً بسبب خلافات محلية، رغم وجود مستندات التخصيص الرسمية. وهنا يبرز السؤال: ما جدوى التخصيص إذا عجزت المؤسسة عن معالجة النزاعات وتأمين بيئة العمل وضمان احترام الحقوق؟

✦ ولاية البحر الأحمر، التي تتصدر الولايات المنتجة للذهب، تجد نفسها أمام مفارقة مؤلمة؛ فالثروة التي كان يفترض أن تتحول إلى مصدر تنمية واستقرار أصبحت في بعض المناطق مدخلاً للنزاعات والاحتقانات المجتمعية. الذهب الذي ينبغي أن يكون نعمة على إنسان الشرق لا يجوز أن يتحول إلى لعنة تطارد أمنه وسلامته.

✦ أما أسواق التعدين ومصانع المعالجة، فتثير أوضاعها تساؤلات لا يمكن تجاوزها، في ظل وجود كميات كبيرة من مخلفات التعدين ومخاوف متزايدة بشأن آثارها الصحية والبيئية. فهل تخضع هذه المنشآت للرقابة الدورية؟ ومن يتحمل مسؤولية التخلص الآمن من المخلفات والمواد الخطرة؟

✦ ولم تقف الأزمات عند حدود النزاعات المحلية والمخاطر البيئية، إذ شهدت بعض مناطق التعدين حوادث اعتداء ونهب مسلح استهدفت أصحاب شركات ومنتجين، وسط شكاوى من سرقة الإنتاج وتعثر الوصول إلى الجناة. وقد لجأت شركة رانيا، المملوكة لرجل الأعمال يعقوب سلطان، إلى الإجراءات القانونية بشأن ما تعرضت له. فأين تقف جهود إنفاذ القانون؟ ومتى يشعر العاملون في قطاع التعدين بأن ممتلكاتهم وأرواحهم ليست مستباحة؟

✦ وتظل الخلافات بين أصحاب الأراضي وشركات التعدين ملفاً مفتوحاً يكشف الحاجة إلى قواعد واضحة وعادلة تنظم العلاقة بين الأطراف، وتحفظ حقوق المجتمعات المحلية، وتمنع تحويل الاستثمار إلى مصدر للنزاع بدلاً من أن يكون رافعة للتنمية.

✦ الأخطر من ذلك ما أُثير بشأن ضبط أربعين برميلاً من مادة السيانيد ومواد كيميائية أخرى محظورة، بالتزامن مع تداول معلومات عن 68 وفاة وسط تساؤلات حول صلة تلك المواد بالوفيات. وهذه معلومات بالغة الخطورة تستوجب التحقيق العاجل، لكنها لا تسمح بالجزم بوجود علاقة سببية قبل صدور نتائج طبية وفنية مستقلة تحدد أسباب الوفاة ومسؤولية كل طرف.

✦ السيانيد والزئبق من المواد شديدة الخطورة إذا أسيء استخدامها أو تخزينها أو التخلص منها. ولذلك فإن القضية لا تحتمل بيانات التطمين ولا المعالجات الإعلامية؛ بل تتطلب كشفاً كاملاً عن مصادر المواد الكيميائية، وجهات استيرادها، وتراخيص تداولها، وآليات تخزينها واستخدامها، والجهات المسؤولة عن الرقابة عليها.

✦ المطلوب تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ذات اختصاص طبي وبيئي وقانوني، تتولى فحص ملابسات الوفيات، وتحليل عينات المياه والتربة، والتحقق من طبيعة المواد المضبوطة ومصادرها ومصيرها، وإعلان النتائج للرأي العام بشفافية. وإذا ثبت وجود ضرر أو تقصير، فلا بد من تحديد المسؤوليات وجبر الضرر وتعويض المتضررين وفق القانون.

✦ وفي الرابع من نوفمبر 2026، انعقدت في بورتسودان ورشة إزالة المخالفات، لكن ما طُرح خلالها بدا أقرب إلى عرض قائمة بالمشكلات منه إلى تقديم حلول عملية. فالمواطن لا ينتظر ورشة جديدة بقدر ما ينتظر إجراءات توقف التجاوزات، وتعيد الانضباط إلى قطاع تتشابك فيه المصالح والأموال والمخاطر.

✦ ولعل أكثر ما اختصر حجم المفارقة ما قاله والي البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور، حين أشار إلى أن مساهمة الشركة في ولايته تمثلت في الكراسي المريحة الموجودة في القاعة. عبارة ساخرة في ظاهرها، لكنها تفتح باباً واسعاً للمساءلة عن حقيقة مساهمة الشركة في المجتمعات التي تستخرج من أرضها الذهب.

✦ وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطنون ضيق المعيشة وتراجع الخدمات، تصل وفود الشركة إلى مواقع الاجتماعات بأسطول من السيارات الحديثة والفارهة. وليس الاعتراض على وسائل الحركة في حد ذاتها، وإنما على الرسالة التي تصنعها هذه المفارقة: مؤسسة تدير ثروة قومية، ومجتمعات محلية لا ترى من تلك الثروة ما يوازي حجم ما تتحمله من أعباء ومخاطر.

✦ محمد طاهر عمر مطالب اليوم بتقديم إجابات واضحة، لا الاكتفاء بالدفاع عن أداء المؤسسة أو تعداد ما أنجزته. كما أن مجلس الإدارة والجهات الرقابية لا يجوز أن تقف متفرجة أمام هذه الملفات؛ فالمحاسبة المؤسسية لا تستهدف الأشخاص، وإنما تمنع استمرار الخلل وتحول دون إفلات أي جهة من مسؤولياتها.

✦ إن الحديث عن 68 حالة وفاة، إذا ما ثبتت تفاصيله وأسبابه، ليس رقماً عابراً في تقرير إداري، بل قضية تتعلق بأرواح مواطنين وحقوق أسر وواجب الدولة في الحماية والمساءلة. فالذهب ملك للسودانيين، لكن حياة السودانيين ليست ثمناً مقبولاً لاستخراجه. ومن يعجز عن حماية الإنسان والبيئة، لا ينبغي أن يكتفي بشرح أسباب الإخفاق، بل عليه أن يقبل بالمحاسبة كاملة.

Exit mobile version