كورسات تنشيط الضيافة الجوية.. العمليات ….
من يضبط سوق التدريب؟
إبراهيم عدلان
حسناً فعلت «طيران بلدنا» في فتح هذا الملف الشائك، الذي يمس شريحة واسعة من الشباب الذين اختاروا مجال الطيران أملاً في الحصول على فرصة مهنية، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام سلسلة متواصلة من الدورات والرسوم والشهادات، دون أن يقابل ذلك بالضرورة طريق واضح إلى التشغيل.
إبراهيم عدلان يكتب: قصة المسيّرات… من 1849 إلي 2026
إن قضية رسوم كورسات تنشيط الضيافة الجوية، والتي وصلت في بعض الحالات إلى نحو 310 دولارات مقابل برنامج لا يتجاوز يومين أو ثلاثة أيام، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد خلاف بين طالب وأكاديمية حول قيمة دورة تدريبية.
المسألة أكبر من ذلك بكثير.
إنها تتعلق بضرورة وجود منظومة رقابية وتنظيمية متكاملة للتدريب في مجال الطيران، يكون فيها لسلطة الطيران المدني دور واضح وفاعل في حماية جودة التدريب، وضمان عدالة الرسوم، والتأكد من أن الشهادات الصادرة عن الأكاديميات تعكس تأهيلاً حقيقياً وليس مجرد استيفاء شكلي لمتطلب إداري.
أولاً: ضبط الأكاديميات قبل ضبط الرسوم
قبل أن نتحدث عن قيمة الكورس، يجب أن نسأل: من الذي يقدم التدريب؟
فالمدرب في مجال الطيران ليس مجرد شخص يمتلك خبرة عملية سابقة، وإنما يجب أن تتوافر فيه مجموعة من المتطلبات العلمية والمهنية التي تؤهله لتقديم المعرفة للآخرين.
ومن هنا ندعو سلطة الطيران المدني إلى مراجعة ضوابط تأهيل واعتماد مدربي الضيافة الجوية، بحيث لا يكون الترخيص قائماً على الخبرة وحدها، ولا على المؤهل الأكاديمي وحده، وإنما على مزيج متوازن بين الاثنين.
ويجب أن تشمل الضوابط، من بين أمور أخرى:
- المؤهل الأكاديمي المناسب لطبيعة المادة التي يقوم المدرب بتدريسها.
- الخبرة العملية ذات الصلة في صناعة الطيران.
- الحصول على التأهيل أو الترخيص المطلوب لمزاولة التدريب، حيثما كان ذلك منصوصاً عليه.
- إثبات الكفاءة في المادة التي يقوم بتدريسها.
- التأهيل التربوي والتدريبي للمدرب نفسه، وليس فقط خبرته في مجال الضيافة الجوية.
- الالتزام ببرامج التدريب المتجدد للمدربين (Instructor Refresher/Standardization).
- استخدام أحدث نسخة معتمدة من المناهج والمواد التدريبية.
- إخضاع المدربين لعمليات تقييم ومراجعة دورية.
فلا يعقل أن يُطلب من الطالب أن يجدد معارفه بصورة دورية، بينما قد يستمر بعض المدربين في تقديم المادة نفسها لسنوات دون تحديث أو تقييم أو تطوير لمعارفهم.
ثانياً: أحدث نسخة من المنهج ليست ترفاً
من أهم الملفات التي تحتاج إلى مراجعة مسألة المناهج التدريبية نفسها.
الطيران صناعة تتغير باستمرار، وكذلك متطلبات السلامة، وإجراءات الطوارئ، وممارسات خدمة الركاب، والعوامل البشرية، والأمن، والمواد المتعلقة بالتعامل مع الحالات غير الاعتيادية.
لذلك يجب أن تضمن سلطة الطيران المدني أن الأكاديميات تستخدم آخر نسخة معتمدة ومحدثة من المناهج والمواد التدريبية، وأن يكون هناك نظام واضح للتحكم في الوثائق والمراجع التدريبية.
ولا يكفي أن تحمل الأكاديمية ترخيصاً؛ بل يجب أن تكون قادرة عند التفتيش على إثبات:
ما هو المنهج المعتمد؟ ما رقم إصداره؟ متى تم تحديثه؟ ومن قام باعتماده؟ وهل يتطابق ما يُدرّس فعلياً مع المنهج المعتمد؟
ثالثاً: الخبرة لا تلغي التأهيل الأكاديمي.. والتأهيل الأكاديمي لا يلغي الخبرة
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها أن ننحاز إلى أحد الجانبين.
فالمدرب الذي يمتلك سنوات طويلة من الخبرة العملية في الطيران لديه معرفة ثمينة لا يمكن تجاهلها، ولكن الخبرة العملية وحدها لا تعني بالضرورة القدرة على التدريس ونقل المعرفة وتقييم المتدرب.
وفي المقابل، فإن الحصول على درجة أكاديمية رفيعة لا يجعل صاحبها تلقائياً مدرباً جيداً إذا كان يفتقر إلى الخبرة العملية في بيئة الطيران.
المطلوب هو الموازنة بين الجانب الأكاديمي والجانب العملي.
وهذا هو النموذج الذي يجب أن تبحث عنه سلطة الطيران المدني عند اعتماد المدربين والأكاديميات.
رابعاً: ضبط الرسوم لا يعني إلغاء حق الأكاديمية في تحقيق عائد
نحن لا ندعو إلى تحميل الأكاديميات خسائر أو فرض أسعار لا تتناسب مع تكاليف التشغيل.
للأكاديمية الحق في تغطية تكاليفها والحصول على عائد مناسب، لكن في المقابل يجب أن يعرف الطالب ماذا يدفع ولماذا يدفعه.
لذلك يمكن لسلطة الطيران المدني أن تضع إطاراً للشفافية، يلزم الأكاديمية بإعلان مكونات الرسوم بصورة واضحة، بما في ذلك:
ساعات التدريب، المدربون، المواد التدريبية، استخدام المعدات، الاختبارات، الإجراءات الإدارية، وإصدار الشهادة.
كما يمكن دراسة وضع نطاقات سعرية استرشادية للبرامج التدريبية، أو آلية مراجعة للرسوم، بدلاً من ترك الأمر بالكامل لقوى السوق في قطاع يتعامل مع شباب غالباً ما يكونون في بداية حياتهم المهنية.
خامساً: السؤال الأكبر.. أين التشغيل؟
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية.
إذا كان عدد كبير من خريجي الضيافة الجوية يحصلون على التدريب الأساسي، ثم لا يجدون فرصة عمل، وبعد مرور فترة معينة يُطلب منهم دفع رسوم جديدة للحصول على كورس تنشيطي، فإننا نحتاج إلى إعادة النظر في المنظومة كلها.
هل نُدرّب من أجل التشغيل أم نُدرّب من أجل التدريب؟
ليس من المنطقي أن تستمر الأكاديميات في تخريج أعداد ضخمة من الطلاب في تخصص محدود القدرة الاستيعابية، ثم يعود الخريج بعد فترة ليشتري دورة تنشيطية جديدة لأنه لم يجد وظيفة.
وهنا يجب أن تكون لسلطة الطيران المدني رؤية أشمل تتعلق بـ مواءمة مخرجات التدريب مع احتياجات سوق العمل.
ولا يعني ذلك أن الأكاديمية تضمن وظيفة لكل خريج، فهذا ليس دورها بالضرورة، ولكن يجب أن تكون هناك شفافية حقيقية بشأن حجم الطلب على الوظائف، وأعداد الخريجين، وطبيعة فرص التشغيل المتاحة.
سادساً: لا ينبغي أن تصبح الشهادة حلقة مغلقة
المطلوب هو أن يكون التدريب وسيلة لرفع الكفاءة وفتح أبواب العمل، وليس أن يتحول إلى دائرة مغلقة:
دراسة → شهادة → عدم تشغيل → انتهاء صلاحية أو حداثة التأهيل → كورس تنشيطي → رسوم جديدة → شهادة جديدة → انتظار التشغيل.
إذا أصبحت هذه الدورة تتكرر دون أن تقود إلى فرصة مهنية، فإننا نكون أمام مشكلة تنظيمية واقتصادية تستحق التدخل.
المطلوب من سلطة الطيران المدني
نحن بحاجة إلى تدخل حميد ومنظم من سلطة الطيران المدني، لا يستهدف الأكاديميات ولا يعرقل الاستثمار في التدريب، وإنما يرفع مستوى القطاع ويحمي الطالب ويضمن جودة المخرجات.
ومن المقترحات التي تستحق الدراسة:
- مراجعة واعتماد الأكاديميات وبرامجها بصورة دورية.
- وضع معايير واضحة لاعتماد مدربي الضيافة الجوية.
- ربط اعتماد المدرب بالمؤهل الأكاديمي والخبرة العملية والكفاءة التدريبية.
- إلزام الأكاديميات باستخدام أحدث المناهج والنسخ المعتمدة.
- التفتيش الدوري على البرامج والمدربين وسجلات التدريب.
- وضع إطار واضح وشفاف لرسوم برامج التنشيط.
- مراجعة مبررات إلزام الخريج بكورس تنشيطي بعد فترة محددة من عدم التشغيل.
- ربط سياسات التدريب بصورة أفضل باحتياجات سوق العمل الفعلية.
- نشر المعلومات الأساسية عن الأكاديميات والبرامج المعتمدة للطلاب قبل دفع الرسوم.
- إنشاء آلية واضحة لتلقي شكاوى الطلاب والتحقيق فيها.
إن حماية الشباب الراغبين في دخول صناعة الطيران لا تعني إغلاق باب التدريب أمامهم، وإنما تعني تنظيم هذا الباب بحيث يدخل منه من يريد التعلم والتأهل، لا من يريد شراء شهادة أخرى كلما تعذر عليه الحصول على وظيفة.
والأهم من ذلك أن نعيد تعريف التدريب في قطاع الطيران باعتباره جزءاً من منظومة السلامة والجودة والتشغيل، وليس مجرد نشاط تجاري لبيع الدورات والشهادات.
فإذا كانت سلطة الطيران المدني هي الجهة المسؤولة عن سلامة وتنظيم صناعة الطيران، فإن جودة التدريب الذي يُغذي هذه الصناعة يجب أن تكون في صميم مسؤولياتها.
التدريب الجيد يبدأ بمدرب مؤهل، ومنهج حديث، وأكاديمية منضبطة، ورسوم عادلة، وينتهي بخريج يمتلك كفاءة حقيقية.. لا بمجرد ورقة جديدة.

