عمالة سودانير بين الكم والكيف.. ولكن أين ذهبت الأنشطة التشغيلية والإيرادات؟
مرتضى حسن جمعة
الأخ الأستاذ إبراهيم عدلان، تحية واحتراماً.
تناولكم لقضية العمالة في الخطوط الجوية السودانية يفتح ملفاً مهماً يستحق النقاش المهني والمؤسسي، ولا خلاف على ضرورة مراجعة الهيكل الوظيفي وقياس الإنتاجية وربط الموارد البشرية بحجم الأسطول والتشغيل والإيرادات. ولكن، من الناحية المهنية والاقتصادية، أرى أن معالجة هذا الملف تظل ناقصة ما لم نتناول الوجه الآخر للمشكلة، وهو تقلص الأنشطة التشغيلية والإيرادية التي كانت تمثل اختصاصاً أصيلاً للناقل الوطني.
أولاً: هل عدد العاملين هو المشكلة أم حجم الفرص التشغيلية المتاحة لهم؟
إن عدد العاملين بسودانير، بصرف النظر عن الأرقام المتداولة التي ينبغي الرجوع فيها إلى السجلات الرسمية، أصبح أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للعديد من الأجسام التشغيلية، إذا ما أُعيدت إليها اختصاصاتها ومجالات عملها الطبيعية.
خذ على سبيل المثال:
- خدمات المناولة الأرضية للطائرات والركاب.
- خدمات الأسطول ومتابعة احتياجاته التشغيلية.
- مناولة أمتعة الركاب.
- خدمات الشحن الجوي الصادر، بما يشمل اللحوم والخضروات والفواكه والمنتجات الزراعية والبضائع.
- خدمات الشحن الجوي الوارد، بما يشمل المعدات والأدوية والبضائع والخردوات.
- تقديم خدمات المناولة والشحن لشركات الطيران الأخرى (Other Carriers).
هذه ليست أنشطة هامشية أو وظائف إدارية زائدة، بل تمثل وحدات تشغيلية وتجارية متخصصة، تحتاج إلى كوادر مؤهلة تعمل بنظام الورديات لتغطية التشغيل على مدار الساعة، وهي في الوقت ذاته أنشطة إيرادية بحتة قادرة على توليد موارد مالية مباشرة للشركة.
ثانياً: التغول على اختصاصات الناقل الوطني وانتزاع مصادر إيراداته
هنا تكمن إحدى الإشكالات الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن نموذج تشغيل سودانير.
لقد شهدت السنوات الماضية تمدداً في تدخل ما يُعرف بشركة المطارات في أنشطة وخدمات كانت تمثل اختصاصاً تشغيلياً وإيرادياً لسودانير، ومن أبرز الأمثلة:
- نظام المغادرة الآلي (CUTE): دخول شركة المطارات في هذا النشاط عبر شراكة، ثم استحواذها عليه بالكامل، وفقاً للتطورات التي شهدها هذا الملف، وهو ما يستوجب مراجعة الأساس التعاقدي والحقوق المالية والتشغيلية المترتبة عليه.
-
خدمات الدفع الخلفي للطائرات (Pushback): بدلاً من أن تكون هذه الخدمة ضمن منظومة خدمات المناولة الأرضية التي يستطيع الناقل الوطني تقديمها وتطويرها وتسويقها، أصبحت شركة المطارات تمارس فيها دور مقدم الخدمة ومنافساً تجارياً في آن واحد.
والنتيجة أن سودانير لم تخسر مجرد وظيفة أو نشاط، وإنما تأثرت قدرتها على الاستفادة من إيرادات خدمات مرتبطة مباشرة بصناعة النقل الجوي، فضلاً عن إضعاف قدرتها التنافسية في سوق الخدمات الأرضية.
ثالثاً: التناقض في تطبيق مبدأ المناولة الذاتية (Self-Handling)
من المهم التذكير بأن الإطار التنظيمي للطيران المدني أتاح لشركات الطيران الوطنية ممارسة المناولة الذاتية لرحلاتها، وفق الضوابط والتراخيص المعتمدة.
غير أن الإشكالية التي تستحق المساءلة والمراجعة تتمثل في تجاوز حدود هذا المفهوم، وتحول بعض الجهات التي يفترض أن يقتصر دورها على تقديم خدمات محددة أو ممارسة اختصاصاتها التنظيمية والرقابية إلى منافسين تجاريين للناقل الوطني، بل ومزاحمين له في عملائه وأنشطته.
والأكثر إثارة للتساؤل هو دور الجهات الرقابية والإشرافية في السماح بهذا التداخل، أو عدم معالجة آثاره، بينما يفترض أن تكون مهمتها حماية المنافسة العادلة، وصون حقوق المشغلين، وضمان عدم استغلال السلطة التنظيمية لتحقيق أفضلية تجارية لطرف على حساب آخر.
فلا يستقيم أن تكون الجهة صاحبة الاختصاص الرقابي أو الإشرافي طرفاً في نشاط تجاري ينافس الجهات الخاضعة لرقابتها، دون ضوابط واضحة تضمن استقلال الرقابة وحيادها وتكافؤ الفرص.
رابعاً: الإيرادات المفقودة يجب أن تدخل في معادلة تقييم العمالة
عندما نقيس إنتاجية العاملين، لا يجوز أن نغفل الأنشطة التي حُرمت الشركة من ممارستها أو تقلصت فرصها في الاستفادة منها.
فكيف نطالب سودانير برفع الإيرادات لكل موظف، بينما تُنتزع منها أنشطة مدرة للدخل؟ وكيف نحاسب إداراتها على ضعف العائد من المناولة الأرضية والشحن الجوي، دون تقييم مدى إتاحة هذه الأنشطة لها وحقها في المنافسة عليها؟
إن العدالة المهنية والاقتصادية تقتضي أن نضع في الاعتبار الإيرادات الفعلية، والإيرادات التي فقدتها الشركة نتيجة انتقال أنشطة أو حقوق تشغيلية إلى جهات أخرى، والفرص التجارية التي يمكن استعادتها.
خامساً: الإصلاح الحقيقي يبدأ باستعادة نموذج التشغيل المتكامل
إن إعادة بناء سودانير لا ينبغي أن تقتصر على مراجعة كشوفات العاملين أو تخفيض النفقات، بل يجب أن تشمل مراجعة شاملة لنموذج التشغيل، وتحديد الاختصاصات والحقوق والمسؤوليات، واستعادة الأنشطة التي تمثل جزءاً أصيلاً من منظومة الناقل الوطني، وفق الأطر القانونية والتنظيمية والتعاقدية السليمة.
كما ينبغي إجراء مراجعة مؤسسية مستقلة للعلاقات التعاقدية والتجارية بين سودانير وشركة المطارات، وتحديد أثرها المالي والتشغيلي، والتحقق من مدى توافقها مع اختصاصات كل جهة وقواعد المنافسة العادلة.
الخلاصة:
لسنا ضد الإصلاح، ولسنا ضد قياس الإنتاجية أو مراجعة الهياكل الوظيفية، ولسنا مع الإبقاء على أي وظيفة لا تضيف قيمة للشركة.
ولكننا نرفض اختزال أزمة سودانير في عدد العاملين، وتجاهل العوامل المؤسسية والتشغيلية التي أضعفت قدرتها على إنتاج الإيرادات.
إن سودانير ليست مجرد ناقل جوي يحتاج إلى عدد محدد من الموظفين لتشغيل طائرة أو عدة طائرات، بل هي مؤسسة وطنية متكاملة تمتلك خبرات بشرية وتاريخاً تشغيلياً وقدرات تجارية في المناولة الأرضية والشحن الجوي وخدمات الطيران.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال: كم موظفاً تحتاج سودانير؟ هو: كم نشاطاً تشغيلياً وإيرادياً بقي لسودانير لتشغيله، وكم نشاطاً كان من حقها ممارسته وأُبعدت عنه؟
إن إصلاح الناقل الوطني لا يكون بتقليص قدراته ثم محاسبته على ضعف إنتاجيته، ولا بتحويل الجهات الرقابية والإشرافية إلى منافسين تجاريين له، وإنما بتمكينه من ممارسة اختصاصاته، وحماية حقوقه، وتهيئة بيئة تنافسية عادلة، ثم محاسبته وفق مؤشرات أداء حقيقية وشفافة.
فسودانير لا تحتاج فقط إلى إعادة هيكلة عمالتها، بل تحتاج قبل ذلك إلى استعادة مكانتها وحقوقها التشغيلية والإيرادية، وإعادة بناء نموذج أعمال متكامل يجعل من مواردها البشرية أصلاً منتجاً لا عبئاً مالياً.
فالناقل الوطني ملك للوطن، وحماية حقوقه ليست امتيازاً إدارياً، بل مسؤولية مؤسسية واقتصادية ووطنية.
اتقوا الله في سودانير وفيما تقولون
