سودانير من شركة إلى مجموعة طيران: هل نحن أمام خطة إصلاح أم إعادة تدوير للأزمة؟
المستشار أبوعلي كجر أبوعلي
“يرى الكاتب أن تحويل إدارات الناقل الوطني إلى شركات مستقلة لا يعالج جوهر الأزمة، وأن الأولوية تبقى لإعادة بناء القدرة التشغيلية والأسطول قبل الحديث عن مجموعة”
ارتياح لانتظام رحلات سودانير.. خبراء يكشفون عن الأزمة الحقيقية للشركة
لا خلاف على أن الخطوط الجوية السودانية تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية. كما لا خلاف على أن استمرار الأوضاع الحالية لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة. لكن بين الاعتراف بالأزمة وبين تقديم حلول واقعية لها مسافة كبيرة لا تُردم بالشعارات ولا بالتصورات النظرية.
المقال المعنون «سودانير من شركة إلى مجموعة طيران» ينطلق من فرضية جذابة: تحويل الإدارات الحالية إلى شركات مستقلة في المناولة الأرضية والصيانة والتموين والتدريب سيقود إلى ولادة مجموعة طيران قادرة على تحقيق الأرباح واستعادة الدور التاريخي للناقل الوطني. غير أن القراءة المتأنية تكشف أنه أقرب إلى تصور إداري عام منه إلى مشروع اقتصادي متكامل، وأن كثيراً من نتائجه بُنيت على افتراضات لم تُثبتها بيانات منشورة أو دراسات جدوى معلنة.
أزمة سودانير ليست أزمة هيكل تنظيمي
الخلل الأساسي في الطرح أنه يتعامل مع الهيكل التنظيمي باعتباره أصل المشكلة، بينما تشير الوقائع إلى أن جوهر الأزمة يكمن في ضعف القدرة التشغيلية نفسها.
فوفقاً لتقارير منشورة في يناير 2026، عادت سودانير إلى التشغيل بعد استكمال أعمال الصيانة على طائرة Airbus A320 وُصفت بأنها الطائرة التشغيلية الوحيدة للشركة آنذاك
وهنا يبرز سؤال جوهري تجاهله المقال: كيف يمكن لمجموعة طيران أن تُبنى على قاعدة تشغيلية بهذا الحجم؟
فالناقلات الجوية الناجحة تنشئ شركاتها التابعة بعد أن تمتلك أسطولاً مستقراً وشبكة تشغيل واسعة وقاعدة إيرادات متنامية. أما عندما تصبح الشركة الأم نفسها عاجزة عن تحقيق نمو تشغيلي مستدام، فإن تأسيس شركات جديدة قد يؤدي إلى تفتيت الموارد المحدودة بدلاً من تعظيمها.
المشكلة ليست أن سودانير تفتقر إلى عدد أكبر من الشركات، بل إنها تفتقر أولاً إلى شركة طيران قوية وقادرة على النمو.
مغالطة الأرقام الكبيرة
يحاول المقال إثبات وجود فائض ضخم في العمالة من خلال مقارنة عدد العاملين بعدد الطائرات العاملة. لكن هذه المقارنة تعاني من مشكلة منهجية أساسية.
ففي شركات الطيران الصغيرة أو المتعثرة لا يمكن استخدام مؤشر «عدد الموظفين لكل طائرة» بمعزل عن السياق. فمتطلبات التشغيل الأساسية من إدارة السلامة والجودة والتدريب والتخطيط والهندسة والشؤون التنظيمية لا تختفي بمجرد انخفاض عدد الطائرات. والمفارقة أن الشركة التي تدير طائرة واحدة قد تتحمل أعباء إدارية وتنظيمية تقترب من تلك التي تتحملها شركة تدير عدة طائرات.
ولذلك فإن الاستنتاج بأن الأزمة ناتجة بالدرجة الأولى عن فائض العمالة لا يبدو مدعوماً بما يكفي من البيانات المنشورة، بل يغفل جانباً أهم هو ضمور الأسطول وانكماش النشاط التجاري نفسه.
هل المناولة الأرضية فعلاً كنز مخفي؟
يقدم المقال قطاع المناولة الأرضية باعتباره المنقذ الاقتصادي الأول لسودانير. إلا أن هذا الاستنتاج يفتقر إلى دليل سوقي واضح.
فالبيانات المتاحة تشير إلى وجود شركات تقدم خدمات المناولة الأرضية في السودان منذ عقود، ومنها AHBA Air Handling التي تعمل في هذا المجال بموجب ترخيص يعود إلى عام 1992. وهنا يصبح الحديث عن سوق شبه محتكرة أو خالية من المنافسة محل تساؤل.
والأهم أن المقال لا يجيب عن السؤال الاقتصادي الحقيقي:
كم يبلغ حجم السوق الفعلي بعد الحرب؟
وكم عدد الرحلات التي يمكن أن تخدمها هذه الشركة؟
وما الإيرادات السنوية المتوقعة؟
وما حجم الاستثمار المطلوب؟
وما هي نقطة التعادل؟
لا توجد إجابات.
ولهذا يبدو الحديث عن أرباح متوقعة أقرب إلى التقدير الانطباعي منه إلى التحليل الاقتصادي.
تحويل الإدارات إلى شركات لا يخلق قيمة تلقائياً
هذه نقطة كثيراً ما تُغفل في مشاريع إعادة الهيكلة. فالهيكلة ليست عملية سحرية تنتج الأرباح بمجرد تغيير المسميات الإدارية.
إذا كانت ورشة الصيانة لا تحقق دخلاً كافياً داخل الشركة الأم، فما الذي سيجعلها تحقق أرباحاً بمجرد أن تصبح شركة مستقلة؟ وإذا كانت وحدة التموين لا تمتلك سوقاً خارجياً وعقوداً تشغيلية ومزايا تنافسية، فما القيمة الاقتصادية المضافة من فصلها إدارياً؟
في الاقتصاد المؤسسي لا تُقاس قيمة الهيكلة بعدد الشركات التي يتم إنشاؤها، وإنما بقدرتها على خلق تدفقات نقدية جديدة وتحسين الإنتاجية ورفع العائد على الأصول. وهذه المؤشرات غائبة تماماً عن المقال.
الحظر الأوروبي ليس شماعة لكل شيء
من النقاط التي تحتاج إلى تدقيق أكبر الربط بين الحظر الأوروبي على شركات الطيران السودانية واستحالة حصول مراكز الصيانة السودانية على اعتماد أوروبي.
فالوثائق المنشورة من الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA) تظهر وجود نظام معتمد لمنظمات الصيانة الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي تحت مسمى Foreign Part-145 Organisations كما أن متطلبات الاعتماد المنشورة تركز على البنية التحتية والكوادر والإجراءات الفنية ونظم الجودة، وليس على جنسية الشركة أو الدولة التي تعمل فيها المنظمة.
هذا لا يعني أن حصول سودانير أو أي جهة سودانية على اعتماد أوروبي أمر سهل، لكنه يعني أن القضية أكثر تعقيداً من اختزالها في الحظر الأوروبي. وعندما يصبح التشخيص غير دقيق، تصبح الحلول المقترحة بدورها عرضة للخطأ.
ما الذي نعرفه عن الأصول؟
من أضعف جوانب المقال أنه يتحدث عن «كنوز نائمة» دون تقديم كشف حقيقي بحالتها الفنية أو المالية. هل ما زالت منشآت الصيانة تحتفظ بقدرتها التشغيلية؟ هل ما زالت معدات المناولة صالحة للعمل؟ ما وضع مرافق التموين؟ ما حجم الاستثمارات المطلوبة لإعادة التأهيل؟
لا يقدم المقال أي إجابة موثقة.
والحقيقة أن أي مشروع لإعادة الهيكلة يجب أن يبدأ من جرد الأصول لا من رسم الهيكل الإداري. ففي عالم الأعمال لا تُبنى الشركات على الأمنيات، بل على أصول يمكن قياس قيمتها وقدرتها الإنتاجية.
أين دراسة الجدوى؟
اللافت أن المقال حدد أهدافاً طموحة تتعلق بالاكتفاء الذاتي والربحية وتوليد الإيرادات، لكنه لم يقدم نموذجاً مالياً واحداً يوضح كيفية الوصول إليها.
لا توجد توقعات نقدية.
لا توجد تقديرات استثمارية.
لا توجد افتراضات سوقية.
لا توجد حساسية للمخاطر.
ولا توجد نقاط تعادل.
وبالتالي فإن ما عُرض ليس خطة أعمال بالمعنى المهني، بل رؤية عامة تحتاج إلى التحول إلى دراسة استثمارية قبل أن تصبح قابلة للتقييم.
الخلاصة
تكمن قوة المقال في أنه يحاول التفكير خارج الإطار التقليدي لأزمة سودانير، وهذه ميزة تُحسب له. لكن المشكلة أنه يقفز مباشرة إلى الحلول قبل أن يثبت صحة التشخيص.
فالوقائع المتاحة تشير إلى أن سودانير تواجه قبل كل شيء أزمة قدرة تشغيلية وأزمة أسطول وأزمة استدامة مالية.[ أما تحويل الإدارات إلى شركات مستقلة فلا يمثل حلاً بحد ذاته، بل قد يتحول إلى مجرد إعادة توزيع للأزمة على عدة شركات بدلاً من بقائها داخل شركة واحدة.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: كيف نحول سودانير إلى مجموعة طيران؟ بل: هل نملك أولاً المقومات التشغيلية والاقتصادية التي تبرر إنشاء هذه المجموعة؟
فإذا لم تكن الإجابة واضحة ومدعومة بالأرقام والدراسات، فإن الحديث عن مجموعة طيران قد يكون سابقاً لأوانه، بينما تظل الأولوية الحقيقية هي إعادة بناء الناقل الوطني نفسه على أسس تشغيلية ومالية سليمة.
