سودانير ليست ملكاً لمجموعة بعينها، ولا ملكاً للعاملين ، إنها ملك للشعب السوداني على الشيوع
إبراهيم عدلان
الأخ الأستاذ/ حجازي بكري عثمان
الخبير في شؤون الطيران
تحية طيبة،
قرأت باهتمام مقالك حول سودانير، وأقدر حرصك على الدفاع عن الناقل الوطني وعلى إبراز ما تملكه الشركة من خبرات وكفاءات وأصول وتاريخ مؤسسي. وأعتقد أن اختلافنا في بعض زوايا النظر لا ينبغي أن يحول دون اتفاقنا على الهدف الأساسي: سودانير يجب أن تبقى ناقلاً وطنياً قوياً وقادراً على النهوض واستعادة موقعها.
لكن اسمح لي ببعض الملاحظات التي أراها ضرورية حتى يتسع النقاش ولا يتحول الاختلاف المهني إلى تصنيف للأشخاص أو وضعهم في خانات جاهزة.
أولاً: سودانير ملك للسودانيين جميعاً
سودانير ليست ملكاً لمجموعة بعينها، ولا ملكاً للعاملين فيها وحدهم، ولا ملكاً لإدارتها الحالية أو السابقة؛ إنها ملك للشعب السوداني على الشيوع، ومن ثم فإن الحديث عن مستقبلها حق أصيل لكل سوداني، وبصفة خاصة لكل من يمتلك معرفة أو خبرة أو رؤية يمكن أن تسهم في إصلاحها.
لذلك لا أعتقد أن هناك جهة واحدة يمكن أن تحتكر حق الحديث عن سودانير، كما لا ينبغي أن يُفهم النقد من خارج المؤسسة باعتباره جهلاً بها أو تجاهلاً متعمداً لها.
بل إن المؤسسة الوطنية الكبيرة ينبغي أن تكون أكثر انفتاحاً على النقد والمساءلة والاستماع إلى الآراء المختلفة، لأن ما يخص المال العام والمؤسسات الوطنية لا يمكن أن يبقى شأناً داخلياً مغلقاً.
ثانياً: المطلوب أن يتسع صدر أهل سودانير للجميع
منسوبي سودانير، وهم أصحاب خبرة وتاريخ لا يمكن إنكارهما، نرجو أن يتسع صدرهم للاستماع إلى مختلف الآراء، وأن نبتعد جميعاً عن قوالب التنميط الجاهزة من نوع: هذا لا يعرف سودانير، أو ذاك ضد العاملين، أو هذا يريد تفكيك الشركة.
النقاش المهني لا يقوم على تصنيف الأشخاص وإنما على مناقشة الأفكار والبيانات والنتائج.
وقد نختلف في التشخيص، لكن الاختلاف لا يعني بالضرورة العداء للمؤسسة أو للعاملين فيها.
ثالثاً: فتح ملف العمالة لم يكن عبثاً
أود أن أوضح بصورة قاطعة أن تناول موضوع العمالة في سودانير لم يكن بهدف الدعوة إلى ما يسمى تقليص العمالة أو الفصل الجماعي أو التخلص من العاملين.
المقصود هو Optimization وUtilization؛ أي الوصول إلى الاستخدام الأمثل للموارد البشرية وربطها بحجم النشاط التشغيلي الفعلي والمستهدف، بحيث نعرف:
- ما الوظائف التي تحتاجها الشركة فعلاً؟
- ما حجم العمالة المطلوب لكل طائرة ولكل نشاط؟
- أين يوجد فائض وأين يوجد عجز؟
- كيف يمكن إعادة توزيع الكفاءات؟
- ما التخصصات التي يجب تدريبها أو استقطابها؟
- وكيف يمكن أن تتغير احتياجات العمالة مع توسع الأسطول والعمليات؟
وهذا يختلف تماماً عن الدعوة إلى إجراءات تخفيض العمالة المعروفة.
بل على العكس، التخطيط الصحيح للعمالة يجب أن يكون تابعاً لخطة التشغيل والأسطول، وليس سابقاً عليها أو منفصلاً عنها.
رابعاً: المشكلة ليست في العاملين وإنما في العلاقة بين العمالة والتشغيل
لا يمكن أن نقول إن العمالة هي المشكلة، كما لا يمكن أن نقول إنها ليست بحاجة إلى مراجعة.
المعيار العلمي هو الإنتاجية والتشغيل والاستخدام الأمثل للموارد.
إذا كانت سودانير تمتلك أسطولاً أكبر وتشغل عدداً أكبر من الرحلات وتوسع الشحن والمناولة والصيانة والتدريب والخدمات الأرضية، فمن الطبيعي أن تحتاج إلى أعداد وتخصصات أكبر.
أما إذا بقي النشاط محدوداً، فلا بد من إدارة الموارد البشرية وفق ذلك النشاط، مع الاحتفاظ بالكفاءات الأساسية التي تحتاجها الشركة عند التوسع.
هذه ليست فلسفة لتقليص الشركة؛ بل هي فلسفة لبناء شركة قابلة للنمو والاستدامة.
خامساً: ما ورد حول العمالة ليس طرحاً جديداً أو موجهاً ضد سودانير
ما ورد في مقال الأخ أحمد الطويل، والذي أثار هذا النقاش، ليس فكرة غريبة أو جديدة على صناعة الطيران.
فالصناعة العالمية نفسها مرت بتجارب متعددة في إعادة هيكلة العلاقة بين الأسطول، التشغيل، الإنتاجية والعمالة، ومن التجارب التي يمكن الاستفادة منها تجربة لوفتهانزا في 2021 وغيرها من شركات الطيران العالمية التي اضطرت إلى إعادة تقييم مواردها وهياكلها التشغيلية وفق حجم النشاط والظروف الاقتصادية.
المطلوب إذن ليس نسخ تجربة شركة أخرى، وإنما الاستفادة من المبادئ المهنية التي تقوم عليها صناعة الطيران الحديثة: قياس الإنتاجية، حساب الاحتياج الفعلي، الاستخدام الأمثل للموارد، وربط العمالة بحجم الأسطول والتشغيل.
سادساً: وهنا نصل إلى النقطة الأهم: الطائرة الواحدة
أتفق معك تماماً في أن سودانير ليست طائرة واحدة.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعاً هو:
كيف تخرج سودانير من واقع الطائرة الواحدة؟
فالقول إن الطائرة الواحدة واقع مرحلي صحيح، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الواقع المرحلي إلى نموذج دائم.
إذا كانت سودانير تريد أن تستعيد مكانتها كناقل وطني، فلا بد أن يكون هناك برنامج واضح لإعادة بناء الأسطول، وليس فقط الدفاع عن الوضع القائم.
نحتاج إلى خطة تقول بوضوح:
طائرة واحدة اليوم، ثم ماذا غداً؟
طائرتان؟ أربع؟ ست؟ عشر؟
وبأي نوع من الطائرات؟ وبأي نموذج تمويل؟ وبأي خطوط؟ وما حجم ساعات الطيران المستهدفة؟ وما الإيرادات المتوقعة؟ وما عدد العاملين المطلوب لكل مرحلة؟
هنا يصبح النقاش علمياً ومفيداً.
سابعاً: لا ينبغي أن يكون الدفاع عن العمالة بديلاً عن الدفاع عن التشغيل
أنا أؤمن تماماً بأن الكفاءات البشرية في سودانير ثروة لا يجوز التفريط فيها.
ولكن أفضل دفاع عن العاملين ليس فقط القول إنهم رأس المال الحقيقي، وإنما خلق تشغيل حقيقي يستوعب هذا الرأس المال ويزيد قيمته.
فالطائرة التي لا تطير لا تنتج، والموظف الذي لا يجد نشاطاً إنتاجياً يتناسب مع تخصصه لا يمكن أن نطلب منه تحقيق إنتاجية كاملة، مهما كانت كفاءته.
لذلك يجب أن يكون هدفنا:
زيادة الأسطول → زيادة ساعات التشغيل → زيادة الرحلات → زيادة الإيرادات → زيادة الخدمات → زيادة الحاجة إلى العمالة المؤهلة.
وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل العمالة جزءاً من الحل وليس موضوعاً للصراع.
أخيراً
أعتقد أن النقاش حول سودانير يجب أن ينتقل من سؤال:
كم عدد العاملين؟
إلى أسئلة أكبر وأكثر أهمية:
كم طائرة نريد؟
كم ساعة طيران نريد شهرياً؟
كم رحلة نريد؟
ما الأسواق التي نريد استعادتها؟
ما حجم الشحن الجوي المستهدف؟
ما حجم الإيرادات؟
وما عدد العاملين والتخصصات المطلوبة لتحقيق ذلك؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة، فسنعرف تلقائياً حجم العمالة المثالي، وحجم الأسطول المطلوب، وحجم الاستثمار الضروري.
أما أن نبقى أسرى للطائرة الواحدة أو لأرقام العمالة المجردة، فلن يقودنا إلى إعادة بناء الناقل الوطني.
أخي حجازي،
نحن لا نختلف حول ضرورة المحافظة على سودانير، وإنما ربما نختلف حول الطريق الذي يقود إلى إنقاذها.
وسودانير، لأنها ملك للسودانيين جميعاً، تحتاج إلى أن يستمع أبناؤها إلى كل الأصوات، وأن يناقشوا كل الأفكار، وأن يبتعد الجميع عن التنميط والتخوين والافتراضات المسبقة.
لا نريد تقليص سودانير، ولا تفكيكها، ولا التخلص من كوادرها. نريد أن نراها تخرج من الطائرة الواحدة إلى أسطول حقيقي، ومن التشغيل المحدود إلى التشغيل المستدام، ومن الدفاع عن الواقع إلى صناعة المستقبل.
فالهدف في النهاية واحد:
أن تعود سودانير ناقلاً وطنياً قوياً، منتجاً، مربحاً، وقادراً على خدمة السودان والمنافسة في الإقليم والعالم.

