المراقب الجوي السوداني بين أزمة الهوية وولادة مفهوم المراقب الجوي الشامل “1”

المراقب الجوي السوداني بين أزمة الهوية وولادة مفهوم المراقب الجوي الشامل “1”

إبراهيم عدلان

“الجزء الأول: من المراقبة الإجرائية إلى الرادار… ومن تغير المجال الجوي إلى أزمة الهوية المهنية”

لكل مهنة هوية تحميها، وخصوصية تميزها، ومسار مهني يمنح أبناءها الشعور بالانتماء والاستقرار.

المراقب الجوي السوداني في ظل النزاع..بين المخاطر التشغيلية و التآكل النفسي و استحقاقات إعادة البناء

فالطبيب يعرف موقعه في منظومة الرعاية الصحية، والمهندس يعرف طبيعة مسؤوليته، والطيار يدرك بوضوح أنه يمارس مهنة ترتبط مباشرة بسلامة الطيران.

أما المراقب الجوي، فقد عاش في السودان رحلة مهنية مختلفة؛ رحلة ارتبطت بتطور منظومة الطيران نفسها، وبالانتقال من المراقبة الإجرائية إلى المراقبة الرادارية، وبالتغيرات التي طرأت على المجال الجوي السوداني قبل وبعد انفصال جنوب السودان.

ومع كل هذه التحولات، ظل سؤال جوهري قائماً:

من هو المراقب الجوي السوداني؟

هل هو مجرد موظف في مؤسسة الطيران؟

أم مهني مرخص؟

أم عنصر أساسي في منظومة السلامة؟

أم صاحب مهنة تشغيلية ذات خصوصية تستوجب إطاراً مهنياً وإدارياً يعكس طبيعتها؟

في تقديري، الإجابة يجب أن تكون واضحة:

المراقب الجوي مهني متخصص ومرخص، يمارس واحدة من أكثر المهن حساسية في منظومة الطيران المدني، وتستوجب طبيعة عمله اعترافاً واضحاً بخصوصية مهنته ومسؤولياتها.

⸻

المراقبة الإجرائية: مدرسة صنعت أجيالاً من المراقبين

لفهم تطور المراقب الجوي السوداني، يجب النظر إلى المرحلة التي سبقت انتشار المراقبة الرادارية.

كانت المراقبة الإجرائية تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات التي يقدمها الطيارون، وتقارير المواقع، والاتصالات، والإجراءات والفواصل الزمنية والمكانية، والتنسيق المستمر بين وحدات الحركة الجوية.

في تلك البيئة، لم يكن المراقب يرى الطائرة بالطريقة التي أصبحت متاحة لاحقاً من خلال شاشة الرادار.

كان عليه أن يبني في ذهنه صورة الحركة الجوية.

يعرف أين توجد الطائرة.

وإلى أين تتجه.

ومتى ستصل إلى نقطة معينة.

وما الطائرات الأخرى التي يمكن أن تتعارض معها.

وما الإجراء الذي يجب اتخاذه مسبقاً لمنع التعارض.

وهنا ظهرت مدرسة مهنية مميزة تعتمد على:

الذاكرة، والحساب، والتوقع، والانضباط الإجرائي، والاتصال، والقدرة على بناء صورة ذهنية للمجال الجوي.

وهذه المهارات لم تفقد قيمتها بعد ظهور الرادار.

بل أصبحت لاحقاً أساساً مهماً للمراقب الأكثر شمولاً.

⸻

الانتقال إلى الرادار: تحول في فلسفة العمل

كان الانتقال إلى المراقبة الرادارية في السودان أكثر من مجرد إدخال جهاز جديد.

لقد كان تحولاً في طريقة رؤية وإدارة الحركة الجوية.

أصبح المراقب قادراً على متابعة الحركة الجوية بصورة أكثر مباشرة وديناميكية، وتحليل مواقع الطائرات واتجاهاتها وارتفاعاتها وسرعاتها بصورة مستمرة.

لكن الرادار لم يلغِ المراقب الإجرائي.

بل رفع سقف متطلباته.

فالمراقب أصبح مطالباً بأن يجمع بين:

المعرفة الإجرائية + المعرفة الرادارية + الوعي بالموقف + سرعة اتخاذ القرار.

ومن هنا بدأ ظهور نموذج أكثر تطوراً للمراقب الجوي.

مراقب يستطيع أن يعمل في بيئة رادارية، لكنه لا يفقد قدرته على العودة إلى الإجراءات عندما تتطلب الظروف ذلك.

وهذه نقطة جوهرية في بناء الكفاءة.

⸻

المجال الجوي السوداني قبل وبعد انفصال جنوب السودان

كان السودان قبل انفصال جنوب السودان يمتلك مجالاً جوياً أوسع من المجال الذي أصبح بعد عام 2011.

وكانت طبيعة العمل تفرض على المراقب التعامل مع مساحة جغرافية كبيرة، وحركة عبور دولية، ومسارات جوية تربط شمال وشرق ووسط القارة الأفريقية بالشرق الأوسط ومناطق أخرى.

لكن انفصال جنوب السودان لم يكن مجرد تغيير سياسي.

لقد أدى إلى تغيير جغرافي انعكس على إدارة المجال الجوي، ومسؤوليات خدمات الملاحة الجوية، والتنسيق، والإجراءات، والمسارات والمعلومات الملاحية.

وأصبح على منظومة الطيران السودانية أن تتعامل مع واقع جوي جديد.

وهذا يؤكد حقيقة مهمة:

المجال الجوي ليس مساحة ثابتة، والمراقب الجوي لا يعمل في بيئة ثابتة.

فالحدود قد تتغير.

وحجم الحركة قد يتغير.

والطرق الجوية قد تتغير.

والتقنيات قد تتغير.

والتهديدات والمخاطر قد تتغير.

لكن المطلوب من المراقب يبقى ثابتاً:

المحافظة على سلامة الحركة الجوية.

⸻

المراقب الجوي في مواجهة التحول المستمر

من المراقبة الإجرائية إلى الرادار، ومن المجال الجوي الواسع قبل الانفصال إلى المجال الجوي بعده، مر المراقب الجوي السوداني بتحولات عميقة.

ثم جاءت أنظمة الاتصالات الحديثة، وأنظمة معالجة معلومات الطيران، وتطور تقنيات إدارة الحركة الجوية.

وهكذا أصبح المراقب يتعامل مع منظومة متكاملة من:

الإنسان + التكنولوجيا + الاتصالات + المعلومات + الإجراءات + إدارة المخاطر.

لكن التكنولوجيا، مهما تطورت، لا تتخذ القرار وحدها.

فالإنسان هو الذي يقرأ المعلومات، ويفهم سياقها، ويرتب أولوياتها، ويتعامل مع الحالات غير المتوقعة.

ولهذا فإن تطوير التكنولوجيا يجب أن يسير دائماً بالتوازي مع تطوير الإنسان.

⸻

أزمة الهوية ليست أزمة مسمى

قد يعتقد البعض أن أزمة المراقب الجوي هي أزمة تصنيف إداري أو درجة وظيفية.

لكن القضية أعمق من ذلك.

السؤال الحقيقي هو:

هل يعكس الإطار المؤسسي والإداري طبيعة المهنة التشغيلية والمسؤولية التي يحملها المراقب؟

فالمراقب الجوي ليس موظفاً إدارياً يؤدي ساعات عمل محددة ثم يغلق ملفه.

إنه يعمل في بيئة لا تتوقف.

ويتخذ قرارات في الزمن الحقيقي.

ويتعامل مع حركة جوية لا يمكن تأجيلها.

ولهذا فإن خصوصية المهنة ليست امتيازاً يطلبه المراقب.

إنها حقيقة تشغيلية يجب أن تعترف بها المؤسسة.

⸻

خصوصية المهنة مسؤولية قبل أن تكون حقاً

المطالبة بخصوصية المهنة لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة بالامتيازات فقط.

فالخصوصية تعني أيضاً مسؤولية أكبر.

المراقب الذي يطالب بالاعتراف بمهنته عليه أن يكون أول من يحافظ على مستواه المهني.

والمؤسسة التي تطلب من المراقب أعلى درجات الأداء عليها أن توفر له أدوات التطوير والتدريب والبيئة التي تمكنه من ذلك.

ومن هنا نصل إلى قاعدة أساسية:

الاحتراف مسؤولية مشتركة بين المراقب والمؤسسة.

وهذه الفكرة ستكون أساس الجزء الثاني من هذا المقال.

فالمراقب لا يستطيع أن يقول إن المؤسسة مسؤولة عن تطويره فقط.

والمؤسسة لا تستطيع أن تقول إن تطوير المراقب مسؤولية شخصية بالكامل.

كلاهما شريك.

المراقب مسؤول عن تطوير نفسه، والمؤسسة مسؤولة عن توفير البيئة والفرص والأدوات التي تجعل هذا التطوير ممكناً ومستداماً.

Exit mobile version