قصة شقيقين سودانيين بعاصفة الحزم “علي” و “يوسف” .. استُشهد الأول فمنح الآخر “حجة العمر”

بدت مشاعر الفرحة والفخر على محيّا الحاج السوداني يوسف يعقوب آدم، وهو يهم بجمع بعض أشيائه الخاصة، التي ينوي حملها ناحية المسجد الحرام لأداء العمرة فور وصوله مكة، حتى جاءت الحافلة المخصصة لتقله وعدد من الحجاج الآخرين، إلا أن ثلة من الشباب الذين وجدوا أمام مدخل مقر سكن بعثة السودان من أسر ذوي شهداء وجرحى عاصفة الحزم وإعادة الأمل، قرروا الاستفادة من وقت انتظاره لحافلته، لسؤاله عن قصته التي أوصلته إلى هذا المكان.

‎وبادرهم بابتسامة الفخر والفرح ذاتها التي بدت عليه آنفًا، ونوه بمبادرة خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – ، وقال: غمرنا الملك سلمان بجميل لطفه وكرمه، اللذان تجسدهما دعوتهم للحج ضمن برنامج ضيوفه للحج والعمرة، مشيرًا إلى الأثر الطيب والكبير، الذي لامس شغاف قلوبهم وأثلج صدورهم وخفف مصابهم بفقد غالين استشهدوا خلال دفاعهم عن الحرمين الشريفين.

‎يقول الحاج السوداني “يوسف” عندما تلقيت منذ أشهر دعوته الكريمة، للقدوم إلى العاصمة المقدسة ملبيًا حاجًا، ضمن المشمولين ببرنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة، في الوقت الذي يسأل فيه الله سبحانه وتعالى ويدعوه أن ينزل أخاه الوحيد “علي” منازل الصديقين والشهداء في جنات النعيم، بعد استشهاده مدافعًا عن أرض الحرمين الشريفين ضمن قوات التحالف العربي المشاركة في عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل.

‎بهذه الدعوات التي شخصت معها نظرات “يوسف” باتجاه السماء، ومثلها ارتفعت كفاه تضرعًا، بأن يجزي حكومة المملكة العربية السعودية خير الجزاء على عنايتها ورعايتها واهتمامها البالغ بالأسر السودانية من ذوي الشهداء في عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل، ولاسيما أنها قدمت منذ مشاركة أخيه مع القوات السودانية ضمن جيش التحالف العربي المدافع عن الحرمين الشريفين، وإحقاق الحق بإعادة الشرعية اليمنية، وأن يمنحه رب العالمين القدرة على إدارة ورعاية شؤون أسرته وأسرة أخيه “علي” المكونة من زوجة وسبعة أطفال، لم يتجاوز الأكبر منهم الـ 14 عامًا، التي كانت الأغلى والأهم في حياة “علي”، بل تتعدى لتكون كل شيء بالنسبة إليه، مما جعلها حاضرة في قلبه وفكره وعلى لسانه لحظة وداعه، لتكون وصيته الأولى والأخيرة لي في المطار، قبيل مغادرته الوطن لتلبيةً نداء الواجب والشرف على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، والذود عن أطهر البقاع وأغلاها على قلب كل مسلم.

‎دون انقطاع، واصل “يوسف” الحديث بإسهاب وسرد منظم لقصته، يوصف فيها آخر لحظاتٍ عاشها مع “علي”، وأثناء سيرهما معًا باتجاه الطائرة المقلة لأخيه ولزملائه الأبطال، متجهة لأحد المطارات العسكرية في المملكة، للحاق بركب المجد، والمشاركة ضمن صفوف الحق، يدعمهم العزم والحزم على دحر الباطل.

‎وهنا شدد “يوسف” على بضع جُمَلٍ لا تزال صدى يتردد وصوت أسمعه بصوت “علي” حتى الآن، وحملت في ثناياها كلمات أؤمن أن منبعها قلب عامرٍ بالإيمان، بدأها بنداءٍ أعي ما يعنيه والغاية منه: “أخي لا تجزع أبدًا وثق بي.. فإما عودتي منتصرًا أو الرحيل شهيدًا.. وفي الاثنتين خيرٌ وحياة” ، “أخي.. الوفاة عندما يكتبها الله تعالى فلا قيمة لمكان الوفاة، ولا تضيف للعبد فرقًا كبيرًا، لأن الفرق في وفاة أحدهم يكمن في مسبباتها”، مشيرًا إلى أن أخاه تعمّد الحديث بهذه الطريقة التي طغى عليها طابع الزهد والقناعة، لدفعي باتجاه تقبلي لفكرة استشهاده، وإظهار ردة فعلٍ أقل حدة عند سماع خبرٍ من هذا النوع.

‎بهذه العبارات والجمل التي حملت رسائل وعظ غلب عليها طابع الزهد والحكمة، فضل “علي” أن يكمل حديثه لأخيه ويختتمه برسالة أكثر شفافية مما سبقها من رسائل، حين قال “إن الفوز الحقيقي في رحلتي هذه شهادة في سبيل الله العلي القدير، نظير اجتهاد وإخلاص وقوة بأس وإقدام باتجاه عدوٍ مارقٍ عن الحق، زاده الطغيان ضياعًا وغفلة وفقدان بصيرة، استسهل التطاول على حرم الله وبيته العتيق، والمسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلاد طالما كان ويظل همّها وشغلها الشاغل رعاية هذه البقاع الطاهرة، حتى باتت أولى اهتماماتها ومثل ذلك قدمت ما لا يمكن أن يقدمه غيرها لخدمة زوارها من ضيوف الرحمن”، ثم أوصى “أوصيك وأخلفك في أسرتي.. أولادي وأهل بيتي.. كن لهم كما أنت لي ولأهل بيتك” ثم غادر، وترك لي حديثًا أشبه بأحاديث الوداع، التي واجهتني بحزني وضعفي، فبات غيابه حملاً أثقل المتن، وهمًا أوغل الضيق داخل الصدر.

‎وعن آلية التواصل بين الحاج “يوسف” وأخيه أفاد بأن الاتصال كان هاتفيًا ظل حاضرًا ومستمرًا بيننا، إلا أن مسؤولياتنا وظروفنا التي نقبع تحت تأثيرها كانت قادرة على كبح جماح شوقنا وتقليص تطلعنا حد الاطمئنان فقط، ومع هذا كان هذا التواصل بيننا كافيًا ليمنحنا عزمًا لمزيد العطاء، وترويض مشاعر اشتياق أحدنا إلى الآخر، على الرغم من العلاقة القوية التي طالما جمعتنا وميزتنا بين أقراننا، ربما يعود السبب إلى أنني و”علي” وحيدا والدينا اللذين توفاهما الله منذ وقتٍ بعيد، ما دفعنا للبقاء معًا، لذا نشأنا وعشنا معًا، متفقين في الغالب، ويستمد أحدنا قوته من الآخر، وهذا جعل حجم الترابط حتى عقب زواجنا كبيرًا، وبالقدر ذاته كان بين أسرتينا.

‎ولكي يصل “يوسف” بقصته حتى وصوله إلى مكة المكرمة، كان لزامًا عليه سرد قصة استشهاد “علي”، لكونهما قصة واحدة من شقين، فتحتم على “يوسف” التماسك لإكمالها، إلا أنه وجد نفسه تارة مضطرًا إلى السكوت الذي لا يفضح انكساره وضعفه، واستجماع الصبر تارة أخرى، للمضي بقصته حتى النهاية.

‎بعد لحظات صراعٍ بين انكسارٍ وصبر قال: “ذات مساء، وفي الوقت ذاته الذي اعتدت فيه استقبال اتصالات “علي”، بحكم تعذر الاتصال في أوقاتٍ ومواقع أخرى، بادرني باتصال لم يطل فيه الحديث، واكتفى بالاطمئنان على أحوالنا، وأبلغني أنه وزملاءه بصدد دخول منطقةٍ خطرة، مناشدًا بأن كل ما يحتاج إليه في تلك اللحظة كان الدعاء لهم بالتوفيق والنصر وأن يسدد الله رميهم ويمكنهم من عدو الله وعدوهم، فحرصت أن يسمع دعائي لهم، لعله يكون مصدر قوةٍ لهم، إلا أن المنية سبقتني إليه، فبت من يحتاج عندها إلى الدعاء بأن يلهمني الله القوة والتماسك والصبر والسلوان، لأن “علي” استشهد.

‎وتابع “يوسف” لم يتسنَّ لي طمأنة أخي على أهل بيته، الذين يحظون برعاية كريمة من حكومة المملكة العربية السعودية، ولا المكرمة التي خصّنا بها خادم الحرمين الشريفين – أيده الله – وغمرنا خلالها بوافر كرمه، منذ أن تلقيت دعوته عبر برنامج ضيوفه للحج والعمرة، والذي يقدم فيه منسوبو البرنامج نموذجًا مشرفًا لأبناء هذه البلاد الطاهرة، لافتًا النظر إلى سروره بسرعة إنهاء إجراءات حجه والمشمولين معه في البرنامج، مرورًا بتشريف وحضور سفير خادم الحرمين الشريفين لدى السودان لوداعهم من المطار، ثم الاستقبال الكريم وإنهاء الإجراءات السلس في مطارات المملكة، وصولاً إلى أطهر بقعة على وجه الأرض، وسط حفاوة وطيب استقبال كبيرين لا يمكن لغير أبناء المملكة العربية السعودية الإتيان بمثلهما.

سبق

Exit mobile version