تسنيم .. لا نعرف أن نصفها، هل هي طفلة ام امرأة، دعونا نقول إن هذه الصغيرة تمتاز بجمال طبيعي وتتوجه عيونها براءة وذكاء، كانت تحلم بأن يأتي يوم تطأ قدماها الجامعة، لم تضع في حسبانها، وهي المتفوقة أكاديمياً في الصفوف الأولى لمرحلة الأساس أن الأقدار تخبئ لها واقعاً مختلفاً لم تضعه في حسبانها، كان عليةها وهي ابنة الثاني عشرة ربيعاً أن تخضب يداها ورجليها بالحناء إعلاناً عن زواجها من مغترب عائد لتوه من السعودية، حاولت أن تقاوم، ولكن هنا أن كلمة الكبار تسري على الصغار حتى وأن تمردوا.

فجأة وجدت أن عليها أن ترمي أحلامها في مزبلة التاريخ وتؤدي دور الزوجة نحو سنوات عمرها الغضة، تفعل ذلك مثل غيرها من بنات لم يصلن بعد محطة الخمسة عشر عاماً ناهيك عن الثمانية عشر عاماً، فهنا في غرب محلية 24 القرشي بولاية الجزيرة من تصل إلى سن العشرين، ولم تدخل الحياة الزوجية، فإنها تعد “عانساً” بامتياز.

وأد الأحلام

فجأة، وجدت تسنيم نفسها قد تحولت إلى ربة منزل، وهي الطفلة التي لا تعرف أبسط أبجديات الحياة الزوجية، وتجهل تفاصيل هذا العالم الغريب، فاثنتا عشر عاماً تعنى أنها ما تزال طفلة يفترض أن تكون تلميذة في الصف السادس أو السابع بمرحلة الأساس، زوجها مكان ميسور الحال يعاملها بأدب واحترام كسائر شباب المنطقة الذين ترعرعوا على احترام الأنثى ولا يرون في الزواج من الفتاة الصغيرة خطأ، لأنه يأتي على نهج الكتاب والسنة.

قد يبدو حديثهم منطقياً، ولكن على أرض الواقع، فإن الصغيرات يعانين كثيراً ويجدن صعوبة في التأقلم على الواقع الجديد، والنقلة الكبيرة في حياتهن من يافعات لم يكملن “لعبهن” وسن الطفولة إلى نساء مسؤولات عن الإنجاب والواجبات المنزلية

بعد مرور أشهر على زواجها حبلت الصغيرة، ولعدم إدراكها بما تحمله في أحشائها فقد أجهضت دون أن تعرف لتتعرض لهزة صحية عنيفة، استلزمت نقلها على عجل إلى المستشفى الذي يبعد عن قريتها بغرب القرشي مسافة لا تقل عن الثلاث ساعات، وهناك حاول الطبيب معرفة تفاصيل حالاتها وطرح عليها العديد من الأسئلة إلا أنها لم ترد عليها، فقد أصيبت بصمت غريب، ولم يجد غير أن يجري لها عملية جراحية، ويومها أشار الطبيب إلى أن الزوجة الطفلة تعرضت لهزة عنيفة بسبب الإجهاض وقد أثرت عليها نفسياً.

لا ثم لا

تجاوزت تسنيم عارضها الصحي، ولأن زوجها خارج السودان رأت أن تعود مجدداً إلى الدراسة لمواصلة مسيرتها التعليمية فقد كانت رغبتها كبيرة في أن تصل محطة الجامعة، ولكن سرعان ما تبخرت أحلامها حينما قوبل طلبها بتعنت ورفض قاطع من أسرتها، ولم تجد من يقف إلى جوارها ويساندها بإقناع أهلها بضرورة ترك الصغيرة تواصل مسيرتها الدراسية، ليتسبب هذا الرفض غير المبرر في انتكاس صحتها لتلزم سرير المرض لأيام، وفي النهاية فقد حكمت عليها الأقدار أن تجلس في المنزل لأنها تحمل لقب متزوجة ممنوع ـن تواصل دراستها.

مشوار قاسٍ

ملكة شابة مليحة الوجه وعذبة الحديث، تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، وهي أم لبنتين، قالت لـ(الصيحة) إن زواج الفتيات أو فلنقل القاصرات بالقرى التي تقع غرب محلية القرشي عادة سائدة، ومنتشرة وضاربة بجذورها في الأعماق البعيدة.

وتلفت إلى أنها تزوجت دون الرابعة عشرة من عمرها، ولم تجدِ كل محاولات اعتراضها المستميتة نفعاً، فقد كان عليها الانصياع لرغبة أسرتها، والموافقة على الزواج من أحد شباب القرية دون اعتراض، وتقول إن زواج الفتاة في سن مبكرة يقصد به الأهل حفظها وسترها، وترى أن هذا أمر جيد، بيد أنها تعتقد أن سلبياته كثيرة.

وتقول إنها ومن خلال تجربتها ترى أهمية أن تترك الفتاة حتى تنضج وتصبح قادرة على تحمل المسؤولية، ورغم أن ملكة عادت لمواصلة دراستها بسبب تفهم زوجها، إلا أنها تكشف أن أبرز السلبيات تتمثل في جهل الفتاة بالواجبات الزوجية، وأن هذا يدخلها في مشاكل متعددة من والدة وأخوات زوجها لأنهن يعتقدن أن الصغيرة “بتستهبل”، ولا تريد مساعدتهن في الأعباء المنزلية، ولكن الحقيقة كما تشير ملكة تتمثل في أن الزوجة صغيرة العمر لا تعرف أي شيء عن إعداد الطعام، وغيرها من مهام، وتلفت إلى أن تعامل الزوجات القاصرات مع الحمل يكون دائماً خاطئاً لضعف ثقافتهن وعدم اكتسابهن الخبرة في الحياة، وترى أهمية الصبر للفتاة حتى تكبر وتصل إلى سن معقولة وتحددها بالثمانية عشر عاماً، وترى أن الزواج ليس “قشرة” بعروس صغيرة وجميلة ولا هو “لبس وتوب وحنة”، بل مسؤولية عظيمة تحتاج للوعي والإدراك قبل أي شيء.

دفوعات

رغم وجود من يؤكد على ضرورة تأخير سن الزواج خاصة للفتيات بقرى غرب محلية القرشي مترامية الأطراف بدعوى أن لهذه الظاهرة الكثير من السلبيات أبرزها عدم إكمال الصغيرات لتعليمهن بالإضافة لى ارتفاع معدل الطلاق، إلا أن آخرين يؤكدون على عدم وجود سلبيات لزواج القاصرات، ومن هؤلاء الشاب محمد علي الذي يلفت في حديثه لـ(الصيحة) إلى أن مواطني منطقة غرب القرشي يتمتعون بوعي وإدراك كاملين وأنهم يفضلون تزويج الفتيات في عمر صغير من أجل الحفاظ عليهن وتحميلهن المسؤولية، وقال إن المجتمع متصالح مع هذا السلوك ويعتبره طبيعياً، وذلك لأنه يأتي مستقاً مع تعاليم الدين الإسلامي، الذي لم يحدد عمر لزواج البنات، وأكد وجود عدد كبير من الزيجات الناجحة، ولم ينس أن يفاخر بعدم وجود “عوانس” في المنطقة بداعي الاهتمام بتزويج الشباب والشابات في سن صغيرة .

نظرة مختلفة

وضعت ظاهرة زواج القاصرات بقرى ريفي غرب محلية القرشي منضدة عدد من المختصين، ابتدر التشخيص الباحثة الاجتماعية أسماء جمعة التي أشارت في حديثها لـ(الصيحة) إلى أن تزويج الفتاة وهي ما تزال في مرحلة الطفولة يحرمها من أشياء كثيرة، وأنها حينما تتزوج تنتقل إلى مرحلة ليست مهيأة لها نفسياً وبدنياً واجتماعياً، وبالتالي، فإن الواقع الجديد يحرمها من ممارسة طفولتها والتدرج الطبيعي للنمو، وقالت إن الطفلة تجد نفسها فجأة تتحمل مسؤولية تفوق سنين عمرها الغض، وهذا بحسب الباحثة أسماء جمعة ينعكس على سلوكها، وتعتقد أن حرمان الفتاة من إكمال مشوارها التعليمي يحرمها من أن تكون ذات إسهام في المجتمع، ولا تستطيع اكتساب الكثير من المهارات التي تعينها في الحياة الزوجية، وتوضح أن الزواج المبكر ربما يقود الفتاة إلى الجنون بسبب الضغوط التي تتعرض لها.

وتقول الباحثة الاجتماعية إن مراحل البناء النفسي تحتم تدرج الفتاة في حياتها حتى تصل إليها، وتؤكد أن أخطر الانعكاسات النفسية لزواج الفتيات المبكر شعورها بالاكتئاب، وقالت إن هذا يقود إلى التفكك الأسري .

مخاطر صحية

من ناحيته، فإن الدكتور محمد علي يؤكد أن زواج الفتاة قبل اكتمال النضج له تأثيرات سالبة ومؤثرة تظهر جلياً في فترة الحمل وبعد الولادة، وصولاً إلى تربية الطفل، وقال لـ(الصيحة) إن يسبب لها اضطراباً سلوكياً لأنها في سن تحتاج إلى رعاية، فتجد نفسها مسؤولة عن رعاية آخرين خاصة إذا كان الزوج لا يناسبها، مبيناً أن هذا دائماً ما يقود إلى الطلاق والنزاع حول تربية الأطفال، وأضاف: من الآثار الجسدية أن الفتاة الصغيرة أو الطفلة، وحينما تتزوج، فإنها تتعرض إلى أذى جسدي عند فض غشاء بكارتها لصغر سنها، وهذا يتطلب تدخلاً جراحياً خاصة إذا كانت مختونة، وقال إن لهذا انعكاسات سالبة على مستقبل الطفلة خاصة فيما يتعلق بحملها.

ويشير إلى أن الشباب يفضلون الزواج من القاصرات لأسباب نفسية وجنسية، ويرى أن البعض يريد من زواج الفتيات الصغيرات إنجاب أكبر عدد من الأبناء أو أنه يريد زوجة يتحكم فيها كيفما يشاء، ويؤكد أنه من ناحية بيولوجية يمكن للفتاة الصغيرة أن تحمل وتنجب، ولكن يلحقها أذى نفسي قد يقود إلى الطلاق، وهذا يهدد مستقبلها بعزوفها عن الزواج بداعي التجربة المريرة التي واجهتها .

مقدرات واشتراطات

أما الإعلامي محمد قسم السيد في حديثه للصيحة عن زواج القاصرات يرى أن الزواج المبكر مخالف لطبيعة المرأة، ويشدد على ضرورة استيفاء شروط الزواج الذي يجب ألا تصل مرحلته غلا بعد امتلاكها المقدرات المطلوبة، وهي الذهنية والنفسية والجسدية والعاطفية لتجنب الوقوع في مطب الأضرار الخطيرة والمحتملة التي تؤثر على حياة الفتاة سلباً والمخالفة لطبيعة الفطرة الإنسانية السليمة ومكوناتها التي تعتمد في الأساس على سن الرشد وتفهم الحياة الزوجية والوعي بدورها تجاه زوجها وأسرتها ودورها المجتمعي، وأضاف: إذا كان المعيار في الزواج من الفتاة القاصرة هو تكوينها الجسماني ومقدرتها في هذا الصدد، فإنه يجب عدم إغفال شروط أخرى يجب أن تتوفر فيها، وهي تلك المتمثلة في النضج العقلي والعاطفي والنفسي حتى لا تواجه صعوبات في حياتها، وحتى تتمكن من التأقلم سريعاً مع حياتها الجديدة.

ومن المعروف أن التقلبات العاطفية والنفسية عبر مراحلها المعروفة لا يمكن تجاوزها إلا بالوقوف معها نسبة لطبيعة الإنسان وأخطر انعكاسات الزواج المبكر التداعيات النفسية وشعورها بالاكتئاب، وهذا بدوره يقود إلى التفكك الأسري.

أضرار مبالغة

وعلى ذات الصعيد، فإن الدكتور محمود عبد الله بمستشفى ود النورة بالقرشي يلفت إلى أن الزواج في المقام الأول يرتكز على أرضية التوافق والحب والاحترام المتبادل، ويعتقد في حديثه لـ(الصيحة) أن الزواج ليس علاقة محصورة بين الشاب والفتاة، بل يشمل الأهل والأسر، مشدداً على أهمية التدقيق في الاختيار لتجنب المشاكل التي تقع مستقبلاً.

ورغم أن الدكتور يبدو من أنصار الزواج المبكر، إلا أنه يعتقد أن سن الستة عشر عاماً للفتاة تبدو مناسبة، ويؤكد أنه ضد الأفكار البالية التي يعمل المجتمع على تطبيقها والتمسك بها، ويلفت إلى أن أضرار الزواج المبكر متعددة، وتشمل الجوانب النفسية والصحية والاجتماعية التي تتمثل في نظرة المجتمع للشابة حينما يتم تطليقها .

واقع ولكن..!

الواقع بقرى غرب محلية 24 القرشي، يؤكد أن المجتمع هنا ما يزال محافظاً على قيمه وعاداته وتقاليده التي يستمدها من تعاليم الدين الإسلامي، وذات الواقع يؤكد انحسار معدلات العنوسة، ولكنه يكشف أيضاً عن تنامي أرقام معدلات الطلاق خاصة وسط اللواتي يتزوجن في سن باكرة لا تتعدى الثلاثة عشر عاماً، وهذا يعني ضرورة إعادة النظر في زواج القاصرات من أجل الاستقرار الأسري حتى لا تعصف به الخلافات.

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين