قال الكاتب الإسرائيلي زفي مازل في مقال له في صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية: «إنه في الوقت الذي ينصب فيه اهتمام العالم على احتجاجات إيران العنيفة، تعمل تركيا خلسة على إيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر».

وأشار مازل إلى أنه في الوقت الذي تضرب فيه الفوضى الشرق الأوسط، ثمة قوى لا تكل أو تمل عن السعي لتوسيع نفوذها الإقليمي. وعلى رأس تلك القوى: أنقرة، فقد سارعت لنشر قوات في قطر في أعقاب اندلاع الأزمة الخليجية، تلك الأزمة التي منعت تشكيل تحالف سني للتصدي لإيران الشيعية.

وفي ختام العام المنصرم – يشير مازل – أبرم كل من السودان وتركيا اتفاقًا خلال الزيارة التاريخية لرجب طيب أردوغان إلى الخرطوم يقضي بنقل جزيرة سواكن على البحر الأحمر لتكون تحت الإدارة التركية لمدة غير محددة من الزمن.

ويرى مازل أن تركيا تستعد لبناء منشآت بحرية على تلك الجزيرة الواقعة في مقابل مدينة جدة الساحلية السعودية. جرى توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين حول الصفقة. واتفقا على توطيد التعاون الأمني والعسكري خلال زيارة سريعة إلى الجزيرة.

اقرأ أيضًا: القصة الكاملة لجزيرة سواكن.. هل تهدد الأمن القومي المصري والسعودي والإماراتي؟

وقد علق وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور على الأمر بالقول «نحن منفتحون على التعاون العسكري مع الإخوة الأتراك»، بينما شدد نظيره التركي على أن الأتراك لديهم بالفعل موطئ قدم في الصومال، وأعلن أن «بلاده بصدد تقديم المساعدة لأجهزة الأمن والجيش في السودان».

ويشير مازل إلى أنه بات جليًا أن الأتراك لديهم رغبة في توسيع نفوذهم العسكري على طول البحر الأحمر وشرق إفريقيا. ويبدو أن الغرض من نقل السيادة الإدارية لجزيرة سواكن إلى تركيا هو سعي الأخيرة لمراقبة الحركة في البحر الأحمر من موقع استراتيجي. كما سيسمح للبحرية التركية باستخدام مختلف الموانئ السودانية.

كانت سواكن عاصمة مقاطعة الحبشة في العهد العثماني – يضيف مازل. ويأتي السماح لأنقرة بإدارة الجزيرة بهدف ترميم معالم تعود إلى الحقبة العثمانية. رافق أردوغان في تلك الزيارة خلوصي أكار قائد الأركان التركية المشتركة الذي تولى وضع مسودة الاتفاق.

وما زاد توجس خصوم تركيا – يواصل مازل حديثه – هو أن قائد الأركان القطرية غانم بن شاهين الغانم قام بزيارة الخرطوم أثناء تواجد الأتراك، وعُقد اجتماع ثلاثي بين رؤساء الأركان المشتركة. وقد مُنح الغانم وسام النيل من الرئيس السوداني. واتفق البلدان على تعيين ملحق عسكري قطري في الخرطوم. كما أجريا مناورات عسكرية مشتركة نهاية 2017.

اقرأ أيضًا: كيف ستتضرر مصر من نهضة السودان؟ 5 أسباب تشرح لك

وكانت تركيا قد دفعت بقوات إلى قطر في منتصف عام 2017 في أوج الأزمة الخليجية، واستقرت في قاعدة طارق ابن زياد، وكان هذا ضمن اتفاق تعاون عسكري جرى توقيعه في أواخر 2014. وأيضًا أجرى البلدان مناورات عسكرية مشتركة.

أغضبت هذه التطورات النظام في مصر – ينوه مازل – واعتبرها تهديدًا لأمن البلاد القومي. ساءت العلاقات بين القاهرة وأنقرة عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في عام 2013. وقد تقاربت تركيا مع قطر – وكلتاهما تدعمان الإخوان المسلمين – وتوج الأمر بتوقيع بروتوكول التعاون الأمني بينهما.

وعلى الرغم من أن العلاقات بين القاهرة والخرطوم جيدة بصفة عامة – يقول مازل – ثمة مشكلتان تعكران صفوها. أولاهما: حصة مصر في مياه النيل، وهو نزاع ممتد من زمن طويل بين القاهرة ودول حوض النيل. تحصل مصر على 90% من مواردها المالية من نهر النيل، بينما تتمتع السودان بوفرة في الأمطار؛ مما جعلها تنحاز إلى الدول الإفريقية التي تشكو من سيطرة مصر على 80% من مياه النهر منذ الاستعمار البريطاني. تعارض القاهرة بشدة بناء سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل، وتقول إنه يهدد بقاءها. ويخشى العالم من اشتعال حرب شاملة بسبب هذه الأزمة.

اقرأ أيضًا: انخفاض منسوب النيل ورفع الدعم نهائيًّا.. 7 أزمات تنتظر المصريين في 2018

المشكلة الثانية هي النزاع القائم على مثلث حلايب وشلاتين الحدودي التي تسيطر عليه مصر، لكن السودان يطالب باستعادة السيطرة عليه. وقد احتج السودان أيضًا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين السعودية ومصر، وقضت بنقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة، وبررت الخرطوم ذلك أن تقسيم الحدود وفقًا للاتفاقية خاطئ.

ويرى مازل أن لجوء مصر مؤخرًا إلى تحديث ترسانتها البحرية والجوية قد يكون في جانب منه بسبب التعاون التركي القطري السوداني. فقد اشترت مصر حاملتي طائرات وفرقاطة من فرنسا، وثلاث غواصات من ألمانيا، وعشرات المقاتلات من روسيا وفرنسا.

يبدو أن تركيا وإيران هما أكبر المستفيدين من فوضى الشرق الأوسط. كما يبدو أن روسيا تستغل انسحاب أمريكا من المنطقة لبسط نفوذها، عبر دعم أنقرة وطهران وسيطرتها الكاملة على ملف الأزمة السورية. ويرى مازل أن توقف أمريكا عن دعم الدول السنية المعتدلة قد أضعفها في مواجهة تركيا وإيران. وقد حاولت السعودية بكل قوة لفت انتباه الغرب إلى المنطقة مجددًا. وكان إرغام رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري جزءًا من ذلك لتحذير أمريكا من تمدد نفوذ إيران في لبنان عبر حزب الله، لكن المحاولة باءت بالفشل.

ويشدد مازل على أن فكرة تشكيل تحالف خليجي ضد طهران أصبحت في مهب الريح بعد التحالف بين قطر وتركيا. وقد بات التواجد التركي الكثيف في البحر الأحمر تهديدًا لمصر وإسرائيل على السواء؛ لأن السفن والطائرات التابعة لكلا البلدين تقف للتزود بالمؤن في طريقها إلى آسيا وإفريقيا.

يختتم مازل بالقول: «إن الوضع بات خطيرًا، ويزيد من الفوضى الإقليمية، فعلى الرغم من الدمار الذي حل بكل من سوريا والعراق واليمن، إلا أن ذلك لا يشكل رادعًا لطموحات القوى الإقليمية المتصارعة على الهيمنة».



تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين