السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هنالك بعض الناس يقرؤون القران بالنظر فقط من غير تحريك الشفاه فهل يجزي عن تحريك الشفاه؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد.
فالنظر في المصحف عبادة يؤجر عليها الإنسان؛ لأن المنظور فيه هو أشرف الكلام وأحسنه وأزكاه وأطيبه، وقد ورد في ذلك حديث لا يصح، وهو ما رواه البيهقي في شعب الإيمان بإسناد ضعيف عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْطُوا أَعْيُنَكُمْ حَظَّهَا مِنَ الْعِبَادَةِ» ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَظُّهَا مِنَ الْعِبَادَةِ؟ قَالَ: «النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ، والِاعْتِبَارُ عِنْدَ عَجَائِبِهِ» لكنه يعتضد بما ثبت عن بعض السلف رضي الله عنهم؛ فقد قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «أَدِيمُوا النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ» رواه عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة. قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح. وروى ابن بطة في الإبانة الكبرى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قَالَ: «النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي يَدْعُو إِلَى السُّنَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْبِدْعَةِ عِبَادَةٌ» وفي حلية الأولياء لأبي نعيم قال الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: «كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُدِيمُ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ , فَيَوْمَ لَا يَنْظُرُ فِيهِ يَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ عَلَى صَدْرِهِ».
أما القراءة من المصحف فهي أفضل من القراءة عن ظهر قلب؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ نَظَرًا أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَهُ قَالَ “فَضْلُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ نَظَرًا عَلَى مَنْ يَقْرَؤُهُ ظَهْرًا كَفَضْلِ الْفَرِيضَةِ عَلَى النَّافِلَة” وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَمن طَرِيق بن مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا “أَدِيمُوا النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ” وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ أَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ، لَكِنَّ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظهر قلب أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَمْكَنُ لِلْخُشُوعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَأَخْرَجَ بن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ “اقرأوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ الْمُعَلَّقَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ”.ا.هــــ
ومجرد النظر في المصحف دون تحريك للشفاه لا يعد قراءة بل هو مجرد حديث نفس لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، بل المطلوب ترتيل القرآن عملاً بقوله تعالى {ورتل القرآن ترتيلا} فإن لم يكن ترتيل فلا أقل من تحريك اللسان والشفتين، والعلم عند الله تعالى.
فتاوي عبد الحي
