اختفاء أكياس البلاستيك من التداول اليومي في الأسواق شكَّل هاجساً كبيراً لدى مجمل الأسر في العاصمة المثلثة، حيث ظلت تعاني وبشكل حاد من غيابه منذ مطلع فبراير الماضي، عقب حظر السلطات المحلية لتداول الأكياس وفرضت غرامات باهظة على المتعاملين بها، وشدَّدت على عقوبة السجن شهرين متتاليين لمستعمليه بالرغم من أن الكيس شيء مهم وضروري لحمل بعض الأشياء التي لا يمكن أن تُعبأ في الورق.. للوقوف على هذا الأمر عن قُرب قمنا بجولة واسعة وسط أحياء العاصمة القومية بمدنها الثلاث.. وطرحنا سؤالاً يتمثل في ما هو البديل للكيس؟.. أثناء مروري بسوق أم درماني شهير شاهدت طفلاً يحمل قطع الخبز بين يديه وقميصه المتسخ تارة يضع الرغيف على قميصه ويتساقط منه الرغيف واحدة تلو الأخرى على الأرض وتكرَّر المشهد عدة مرات ما أثار حفيظة صاحب المتجر الذي كان يمر الطفل بقربه ليعطي الطفل كرتونة ليضع بداخلها رغيف الخبز المتسخ وغير الصحي، حيث ابتدع المواطنون وسيلة جديدة في الخصوص، وذلك بلف الخبز والخضار داخل ورق الجرائد القديمة وذلك بسبب غياب الكيس.. الأمر الذي سيشكِّل خطراً داهماً على صحة المواطن.. الأسطر القادمات تبيِّن ما خرجنا به من هذه الجولة.
تحقيق: ضفاف محمود
في البدء التقينا المواطن عمر يوسف، الذي وصف قرار منع تداول أكياس البلاستيك بأنه قرار جانبه التوفيق، وقال: ما كان للسلطات أن تحظر تداوله في الأسواق دون توفير البديل الملائم.. وأضاف.. كان من الممكن أن تُبقي السلطات على تلك الأكياس بتقويتها وزيادة الميكرون فقط.
السيدة نفيسة، قابلتها تحمل كرتونة بداخلها خضار ورغيف خبز ما دفعني للحوار معها عن أهمية الكيس.. نفيسة صبت جام غضبها على السلطات التي منعت التعامل بالأكياس ووصفت وجود الكيس في الحياة اليومية بالمهم جداً.. وقالت: (بقينا نشيل الخضار والبصل في الكراتين وما معروفة هي وسخانة وغير نظيفة).. وتضيف.. القفة أصبحت أسعارها في السماء.. وتعود للقول بأن وجود الكيس في التداول اليومي بالأسواق شيء مهم لاستخدامه في شراء السلع، وشدَّدت على أهمية منع حمل السوائل بداخله، خاصة الساخنة منها ما يؤدي إلى أمراض وخيمة، وتساءلت: كيف نحمل اللحم على الورق وفي أحايين كثيرة نجد الورق متسخ؟.. وأضافت: البعض الآخر يتعامل مع الجرائد ومعظم الأشياء تباع على الورق، وهناك سلع لا يمكن تعبئتها داخل الورق.. وعادت نفيسة لتؤكد على أهمية الكيس لدى المواطن، وقالت، إن إيقاف الكيس نظرية خاطئة تساهم في العديد من الظواهر السالبة وبلا شك ستلقي بظلالها السالبة على المواطن البسيط .
داخل سوق الموردة التقيت بالتاجر عبدالحميد رجب، الذي طالب السلطات ممثلة في وزارة البيئة بإعادة تداول الأكياس واستعمالها في عمليات البيع والشراء.. وقال إنها لا بديل لها، شاهدت طفلاً يحمل خبزاً ويضعه على صدره وملابسه متسخة ويتساقط منه الخبز واحدة تلو الأخرى على الأرض قام بنفضه من الأتربة العالقة به، ويومياً نشاهد مثل هذه المناظر.. وقال لي: (يا أستاذة البيع بالورق ماعملي.. وأردفه بسؤال.. ممكن تشتري نشادر في ورق؟.. أجبته بالنفي.. وقال.. أسعار الورق باهظة والتعامل مع الأكياس يقلل من المخاطر الصحية التي باتت تهدِّد المواطن بالعديد من الأمراض نتيجة لاستخدام الأوراق الملوَّثة والجرايد).
صاحب مخبز فضَّل عدم ذكر اسمه.. قال إنه لن يستطيع بيع الخبز من غير أكياس للمواطنين، باعتبار ذلك التصرُّف مظهر غير حضاري.. وذكر أنه مازال يستخدم الأكياس لبيع الخبز، وألقت عليه السلطات القبض وتم تغريمه (2000) جنيه، من قبل المحلية.. ووصف ذلك القرار بأنه (قرار تعسفي وجائر) ولفت إلى أن الأكياس التي طالبت السلطات باستخدامها أسعارها باهظة وبمواصفات معيَّنة.. وجدَّد التساؤل.. (كيف لي أن أبيع الخبز بدون أكياس ونحن في القرن الحادي والعشرين).. وأضاف.. المواطن اعتاد على مسألة الكيس ولن يستطيع توفير الأكياس.. ممكن تحمل الرغيف في يدك وكيف تضمن عدم تلوُّثه بالغبار والأتربة، وهذه المسألة ربما تعرِّض المواطن للأمراض.. وأكد على أنه ليس للأكياس بديل.. وقال بالرغم من الغرامات لن نتركها.. ولفت إلى أنها ساهمت بشكل في التأثير على كمية العرض والطلب.. وقال (عندما يأتي مواطن ليشتري رغيفاً وتقول له ماعندي كيس، طبعاً طوالي بمشي.. ويومياً نحن نعيش هذا السيناريو.. ويقول لنا ذات المواطن.. كيف ماعندك كيس وشغال لشنو لمن ما عندك كيس يازول)؟
داخل سوق أم درمان وتحديداً مكان الملابس اشتريت حذاءً أعطاني له صاحب المحل في يدي بدون كيس عندما طلبت منه الكيس قال لي، إن الأكياس تم إيقافها من قبل السلطات، والكيس الجديد ما بغطي معانا.. حملت الحذاء في يدي وذهبت.. في حين أنني لاحظت البعض الآخر يتعامل بأكياس قديمة وبالية والتي يتم استخراج البضاعة منها لاستخدامها مرة أخرى.
وفي ناحية أخرى من ذات السوق طلبت من أحد الباعة المتجوَّلين إعطائى كيساً.. فقال.. (يابت الشيخ كيس شنو أديك ليهو ؟).. دار بيني وبينه حواراً قصيراً وسألته.. ليه ماتديني كيس؟.. في زول بشترى حاجة ويشيلها في يده ؟).. قال: المحلية منعت الكيس وأي زول يقبضوا عليه متلبساً ببيع كيس تتم غرامته بـ(2000 ) جنيه.. وفي حال عدم الدفع السجن شهرين.. وأضاف.. (عشان كدا مافي زول بجيب كيس ولمَّن يجي زبون ليشتري حاجة يقول لنا.. كيس مافي بخلي الحاجة).. وأضاف.. (والله أيِّ زول تقول له ماعندي كيس طوالي بتخارج منك).. وقال إن عدم وجود الأكياس بالأسواق أثَّر على عملنا نحن كباعة متجوِّلين ورأس المال ضعيف للغاية والأكياس الثقيلة أسعارها غالية جداً.. وقال:(لمن اشتري أكياس غالية أكون عملتَ شنو… لتنطبق علينا مقولة في الحالتين أنا ضايع ).
داخل زنك الخضار بسوق أم درمان العتيق، وجدت الحال يغني عن السؤال ابتداءً من الجزارة.. (هنا يُباع اللحم ملفوفاً بالورق.. وعندما تصل منزلك تجد اللحم التصق على الورق.. هكذا قالت لي إحدى السيدات).. ووصفت السلطات بعدم الجدية في إطار حظرها لمسألة بيع وتداول الأكياس التي لا بديل لها مهما كان، وأن الكيس يحفظ الأشياء وبعد ذلك تتم إعادة استخدامه مرة أخرى لتخلص من النفايات والحفاظ على البيئة، وأصحاب الدكاكين يستخدمون الأوراق والجرايد المتسخة، مثلاً عايزة اشتري جبنة اضطر لتركها لأن الورق ما ممكن يستخدم في حمل كل الأشياء، لذلك الأكياس شيء مهم وحيوي، وأن كانت السلطات ترى في وجوده خطراً أو غير مطابق للمواصفات لا بد من وضع ضوابط يمنع استخدامه في حمل الأشياء، من السخانة، مثل اللبن والفول وهذه الظاهرة تسبب أمراضاً خطيرة وفتاكة.. وأضافت.. ثانياً الناس اعتادت على الأكياس ونست القفة، وغياب الأكياس أصبح كارثة، وبالتالي لابد من وجود حل جذري لهذه القضية .
في ذات الخصوص التقينا بعدد كبير من العمال وأصحاب المصانع الذين بدورهم أبدوا تذمُّرهم من صدور القرار ووصفوه بـ(الجائر) وقالوا إنهم تعرَّضوا لخسائر فادحة وتعرَّض العمال لتشريد .
صاحب مصنع قال لنا، إننا تكبَّدنا خسائر فادحة جراء هذا القرار الجائر الذي اتخذته السلطات في مواجهتنا، والمواصفات التي تم تحديدها من الجهات المختصة ذات تكاليف باهظة ولن تتماشى مع المكينات التي نستخدمها.. وقال إن هذا القرار يصب فى خانة قطع العيش حيث صرنا لا نملك شيئاً، لأننا اعتدنا على هذه المهنة ولن نزاول مهنة سواها.. وأضاف.. كما تم تشريد عمالنا وأصبح الضرر مقسَّم لثلاثة اتجاهات، أنا كصاحب مصنع متضرِّر من إيقاف نشاطي، وأما المواطن يمكن أن يجد البديل، والعامل هو أكثر ضرراً، لأنه فقد مصدر رزقه، وقال قضيتنا قضية عادلة ولكن هل من مجيب.. هكذا اختتم حديثه.
ومن ثم التقينا جمعة قادم الذي يعمل في مجال صناعة الأكياس، قال أنا أعمل في هذه الصنعة منذ نعومة أظافري ولم اتقن مهنة غيرها، والآن تم إيقاف المصنع الذي أعمل به وأصبحت عاطلاً ومشرَّداً ولم أجد عملاً منذ إعلان قرار إيقاف صنع الأكياس البلاستيكية بالمواصفات والوزن الذي كان في السابق وحتى هذه اللحظة.. وأضاف.. لديَّ أسرة أعولها مكوَّنة من تسعة أفراد، وكان مصدر دخلي يتمثَّل في مصنع صناعة الأكياس الذي أوقف عن العمل، وبالتالي تم قطع رزقي ورزق الآلاف من زملائي.. وقال جمعة: مواصفات الصناعة الجديدة للكيس مكلِّفة والماكينات المستعملة في صناعة الأكياس بالمواصفات القديمة لا يعمل بها إلا طراز معيَّن من الماكينات، وأصحاب المصانع ليس لديهم المقدرة على شرائها، لذلك أجبرنا على ترك المهنة.. وقال إن السلطات المختصة ومنذ إعلانها ذاك القرار الجائر ظلت تداهم أي مكان يصنع أكياس ويتم القبض على العاملين فيه وتقديمهم للمحاكمة.. وأيضاً تم فرض غرامات صارمة على الباعة المتعاملين مع الأكياس ذات التصميم القديم ووصف أوضاعهم بالمأساوية.
المدارية
