يحكم الشاب السوداني عباس أحمد إغلاق باب ثلاجته التي اضطر مؤخرا لتغيير موضعها بعد تعرضها لأكثر من مرة إلى هجوم من القرود القادمة من الجبل، والتي اعتادت سرقة الطعام من داخل بيوت أهالي مدينة كسلا الواقعة شرقي السودان.

لا تعد تلك الحوادث طرفة كما يقول، بل صارت معاناة حقيقية يعايشها أهالي الأحياء الشعبية في مدينة كسلا السودانية، وخصوصا القريبة من سلسلة جبال التاكا وتوتيل التي تطل على المدينة من الجهة الجنوبية والشرقية، وعلى رأسها أحياء الختمية القديمة التابعة للمدينة التي لفتت الأنظار في الشهور الماضية بعد التقارير التي تحدثت عن حشد قوات عسكرية سودانية لمواجهة حشد مضاد من قوات مصرية إريترية، لكن تلك القوات لم تغزُ المدينة، كما يكمل أحمد، قائلا “القرود التي ما فتئت تهاجم البيوت والأهالي بشكل منظم بحثا عن الطعام، هي التي استباحت كسلا”.

وتنتمي القرود التي تهاجم منازل أهالي كسلا إلى فصيلة البابون أو الرباح، وهي قردة ذات خطوم طويلة تشبه الكلاب تحتوي على أسنان كبيرة مما يجعلها كائنات شرسة وخطرة لو اقتربت من الإنسان، وفق ما يقوله الطبيب البيطري والمختص في صحة الحيوان، أبو ذر الجزولي.

لماذا تفاقمت الظاهرة؟

تفاقمت ظاهرة مهاجمة القرود بيوت الأهالي في مدينة كسلا بعد صدور قرار بإزالة مقلب نفايات كانت تقتات عليه لتحويل أراضيه إلى مخطط سكني، الأمر الذي جعلها تهاجم بيوت المواطنين بحثا عن الطعام، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر شهادات أهالي المدينة الذين أكدوا أن القرود كانت تهاجم الأفراد والبيوت بشكل فردي في البداية، لكنها باتت تهاجم بيوت المواطنين بشكل جماعي بعد تكاثرها وتنامي أعدادها، ما جعلهم يعجزون عن التعامل معها، كما يقول أركا محمد صالح الذي يسكن في حي الختمية، والذي قال لـ”العربي الجديد”: “المسألة باتت مؤرقة لنا كأسر، القرود تهاجمنا في غارتين واحدة صباحية، وأخرى مسائية، وتستهدف النساء، والأطفال بشكل واضح بالسرقة والنهب، وتتجنب مهاجمة الأفراد المسلحين فقط، حياتنا باتت جحيما والأطفال لم يعودوا قادرين حتى على حمل قطعة بسكويت دون أن يأتي قرد ويهاجمهم ويسرقها منهم”.

ولا يخلو غزو القرود بيوت الأهالي من طرافة، بسبب علاقة المكايدة بين القرود والبشر بحسب عباس أحمد، والذي روى واقعة خطف أحد القرود محفظة خالته التي كانت تحتوي على أموال، قائلا “تعبنا كثيرا من أجل استعادة المحفظة من القرد، وبعد التحايل على القرد بالحلويات والموز استطعنا استعادتها”.

مخاطر صحية

يصل وزن الذكور من تلك القرود إلى 17 كيلوغراما، وقد عض عدد من تلك القرود الأطفال بعد مهاجمتهم بحسب أركا صالح، الذي قال إن قرداً عضّ طفلاً من أقربائه، وعندما ذهب به إلى المستشفى لم يستوعب الأطباء أنه تم عضّه من قبل قرد في البداية واكتفوا بتنظيف الجرح، قبل أن ينبههم إلى خطورة الأمر، ما دفعهم إلى إعطائه حقن مرض السعار، وهو أقل إجراء ممكن، كما يقول الدكتور أبو ذر الجزولي والذي قال إن هذا النوع من القرود ليس أليفا والأشخاص الذين يتعاملون مع هذا النوع من القرود معرضون للإصابة بعدد من الأمراض الفيروسية إذا ما تعرضوا للعض، أو الإصابة بجروح خطيرة من خلال الخربشة عبر أظافر هذه القرود الحادة، كما أن لعاب هذه القرود يحمل الأمراض الفيروسية كالتهاب الكبد الوبائي ونقص المناعة (الإيدز) والإيبولا”، مضيفا أن احتمالية إصابة الإنسان بالعدوى منها يصل إلى 10% وهي نسبة كبيرة .

ودعا وزارة الصحة المركزية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية إلى إقامة ورش توعية للكوادر الصحية الموجودة في المنطقة الموبوءة بالقرود، لكي يستطيعوا تقديم العلاج المناسب للمواطنين إذا ما تعرضوا لعضّاتها.

إهمال شكاوى المواطنين

تقدم أهالي مدينة كسلا بشكاوى للجهات المسؤولة، وفقا لما أكده أركا وعباس، اللذين قالا “أبلغونا أنهم لن يتعاملوا مع شكوانا ما لم تأت عبر لجنة الحي الشعبية، وهو ما قمنا به وأوصلنا صوتنا عبرها إلى المجلس التشريعي المحلي، وتقدمنا بشكاوى إلى ولاية كسلا، وحتى إدارة الحياة البرية، ولكن لم يتعامل أحد مع المشكلة المستمرة حتى اليوم”.

لكن الدكتور ناصر يوسف في مركز بحوث الحياة البرية التابع لهيئة بحوث الثروة الحيوانية السودانية أكد أنهم قاموا بأخذ عينات من هذه القرود، وأنها خاضعة للدراسة، وحث المواطنين على عدم القلق، مستشهدا بالقبائل التي تتغذى على لحوم هذه القرود في جنوب السودان، ولم تتأثر بذلك على حد قوله.

كما نصب المركز شراكاً ومصائد للقرود، لكن الأهالي يرون أن إجراءات المركز غير كافية لأن أعداد الشراك والمصائد غير كافية إلا لإمساك عدد محدود من القرود مقارنة بالعدد الكبير، الأمر الذي يرى مسؤولو المركز والمواطنون أن حله الوحيد يتمثل في إعادة مكب القمامة إلى مكانه القديم لينشغل القرود به عن الاعتداء على البشر، لأن استخدام خيار القتل غير عملي في مواجهة أعدادها الكبيرة.

العربي الجديد

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين