قرارات رئاسية خطيرة تتعلّق بالنفط والغاز

الإطاحة بقيادات كبيرة في وزارة النفط والشركات التابعة لها!!

إحالة أكثر من (100) مدير يتبعون للوزارة والشركات!!

قبل نحو عامين، التقيت بممثل البنك الدولي في الخرطوم زافير فورتادو في أول حوار صحفي له منذ توليه منصبه، ذكر لي الرجل مُؤشِّرات في غاية الدقة والأهمية علّها كانت طريقاً لمسؤولي الحكومة لإنعاش الاقتصاد المتردي بين الفينة والأخرى وربما تكون البلسم الشافي لبلد غنيٍّ بالموارد الضخمة التي لا توجد في كبريات الدول بما فيها اليابان وفرنسا وألمانيا كيف ومساحة الثانية تضاهي دارفور، أما الثالثة بحجم الولاية الشمالية.

هنا الصورة تكاد تُجسِّد العقلية العقيمة التي يُدار بها الاقتصاد، أعود ثانيةً لمحدثي فورتادو الذي قال لي بنص العبارة: “الذهب لن يكون بديلاً عن النفط، ولكن مشكلة حكومتكم تريد فقط جلب موارد مالية على حَد تعبيره بسرعة البرق والحل الوحيد للسُّودان الغني بكل أنواع الموارد الاتجاه للزراعة لأنّكم تملكون كل مقوماتها لتصبحوا على أرض الواقع سلة غذاء للعالم”، وأضاف لي ممثل البنك الدولي أنّ الورطة أيضاً تكمن في أنّ ديون السودان حالياً بلغت (46) مليار دولار وأصل الدَّين (6) ملايين فقط بسبب عجز الحكومة على دفع أقساط الديون المجدولة والتي ترتفع بالفوائد لهذا المبلغ الضخم.. هنا بيّن الخبير الدولي أصل المشكلة والتي تفاقمت الى ما نعاني منه الآن، وخلال الأيام الماضية استفحلت أزمة الوقود بعد انفراجة نسبية قبل نحو أسبوع، وأطلت مجدداً برأسها للمرة الثانية خلال أبريل الجاري، وسط تأكيدات حكومية بقرب انتهاء الأزمة، لكن يبدو أن الرئيس البشير غير راضٍ تماماً عن أداء وزارة النفط المتراجع، وإثره ذلك أصدر قراراً يُعد الأخطر خلال هذه الأيام.. وتحصلت (التيار) على نسخةٍ منه.. فما هي حيثياته ولماذا صدر في هذا التوقيت بالذات؟!

تقرير: بهاء الدين عيسى

قرارات مُدوية

فالقرار الذي أصدره الرئيس البشير نص على الآتي: عملاً بأحكام المادة 58 (1) من دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 وبعد التشاور مع رئيس مجلس الوزراء القومي والاطلاع على قرار مجلس الوزراء بالأرقام (123) لسنة 2015 و(224) لسنة 2017 وتوصية وزير الغاز أصدر القرار الآتي نصه:

1/ تستثنى وزارة النفط والغاز والمؤسسات التابعة لها من تطبيق القرارين 133 لسنة 2015 و224 لسنة 2017.

2/ يلغى القرار الجمهوري رقم (14) لسنة 2018 المُتعلِّق بإلزام وزارة النفط والغاز ومصفاة الخرطوم برفع سن المعاش إلى 65 عاماً.

3/ على جميع الجهات المُختصة وضع القرار موضع التنفيذ.

صدر تحت توقيعي في السادس والعشرين من شهر رجب سنة 1439 الموافق الثاني عشر من شهر أبريل سنة 2018م.

ويقول مصدر لـ (التيار) إنّ عناصر ذات خبرة كبيرة بوزارة النفط والشركات الكبرى التابعة لها تسلّموا أمس الأول خطابات بإنهاء الخدمة عن العمل ممّا تسبّب في إحداث صدمة وربكة كبيرة، حتى إن محدثي قال لي: “شاهدت البعض، والدموع تنهمر من أعينهم باعتبار أنهم لم يُخطروا بسابق إنذار، كما أنهم أفنوا شبابهم في خدمة البلاد بتفانٍ.. ورجح ذات المصدر عدد العاملين الذين تم الاستغناء عنهم بأكثر من مائتين، بعضهم في مواقع حسّاسة للغاية، كما أفاد بأنّ العام 2019 سيشهد إنفاذاً للمنشور الاستغناء أيضاً عن نحو 700 آخرين.

إحالة بالمئات

وأضافت مصادر مُتطابقة أنّه تم توزيع القرار على العاملين، بينهم (100) قيادي تمت إحالتهم إلى المعاش فوراً.. واستبعدت المصادر الربط بين القرار الجمهوري وأزمة الوقود ورجّحت ذلك في خطوات تصحيحية هيكلية لطاقم الوزارة.. وعلمت الصحيفة أيضاً أنّ كُل مُديري الإدارات العامة فعلياً بمُوجب القرار الرئاسي تمّت إحالتهم للمعاش أبرزهم مدير الشؤون المالية، الإمداد، خُطُوط الأنابيب، التدريب، المراجعة الداخلية، المنشآت النفطية، مصفاة الخرطوم، مصفاة الأبيض، مدير المستودعات، خطوط الأنابيب، شركة سودابت والشركات التابعة لها، شركة النيل للبترول وبشائر.

وحسب مُتابعات (التيار) في العاصمة والولايات، أنّ مظاهر الأزمة بلغت ذروتها منذ الثلاثاء وحتى أمس الجمعة، إذ تكدّست سيارات أمام محطات الوقود لساعاتٍ طويلةٍ انتظاراً لوصول شاحنات تفريغ الوقود بالمحطات.

سَبب الأزمة

وبرّر مسؤولون حكوميون الأزمة بسبب توقف مصفاة الجيلي عن العمل، على خلفية الصيانة الدورية في مارس وأبريل، بجانب عوامل أخرى، منها عدم توافر نقد أجنبي لأغراض الاستيراد وتراجع إنتاج السودان النفطي عقب انفصال جنوب السودان العام 2011 من 450 ألف برميل إلى ما دون 100 ألف برميل، ما جعل الحكومة تلجأ إلى استيراد أكثر من 60% من المواد البترولية لتلبية الاستهلاك المحلي، وأدّى شُح الوقود أيضاً إلى أزمة خانقة بوسائل المواصلات داخل العاصمة الخرطوم وبين الولايات، وسادت الشارع حالة استياء وإحباط بسبب تكرار أزمة الوقود في فتراتٍ مُتقاربةٍ، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار وسائل المواصلات.

حالة ارتباك

وبرِّر أصحاب مركبات عامة ذلك قائلين: إن “شح الوقود جعلهم يرفعون تعرفة تذكرة النقل داخل مدن العاصمة، تعويضاً للوقت الطويل المُهدر في انتظار محطات خدمة الوقود”.. كما ارتفعت القيمة لثلاثة أضعافها.. وكانت الحكومة قَد أعلنت نهاية الأسبوع وُصُول خمس ناقلات مُحمّلة بالمواد البترولية إلى ميناء بورتسودان من أجل التفريغ والسحب إلى الخرطوم والولايات.
وأفاد وزير الدّولة بوزارة المالية عبد الرحمن ضرار في بيان الاثنين الماضي بوجود 12 ناقلة مُحمّلة بالمواد البترولية في طَريقها إلى البلاد خلال الأيام المُقبلة لتأمين الوقود لاستهلاك الآلات الزراعية والمُواطنين.

في انتظار الوقود

فيما أعلنت هيئة الموانئ البحرية عن تفريغ ناقلة نفط صينية تبلغ حمولتها 43 ألف طن من البنزين بميناء الخير للمشتقات البترولية في بورتسودان الثلاثاء الماضي، تمهيداً لتفريغ ناقلة أخرى تحمل 42 ألف طن جازولين، بحسب ما نقلت وكالة السودان للأنباء (سونا).. وقال مدير الميناء عبد الوهاب علي الريح الأربعاء الماضي، إنّه تم إفراغ ناقلة ثالثة بحمولة 6776 طناً من الغاز في ميناء بورتسودان الجنوبي.. وأشار إلى وصول عشر ناقلات أخرى للمُشتقات البترولية بحُلول الثامن والعشرين من الشهر الجاري.

صيانة المصفاة

وبَشّرَ مَسؤولٌ رفيعٌ فضّل حجب اسمه، عن اقتراب مَوعد اكتمال صيانة مصفاة الخرطوم وعودتها إلى الإنتاج نهاية الشهر الجاري، وَوَصَفَ المسؤول صيانة مَصفاة الجيلي بأنّها الأكبر منذ عملية إنشائها ويُمكن من خِلالها زيادة سعة تكرير المواد النفطية التي تشمل البنزين والغاز والجازولين، مُؤكِّداً تفعيل الرقابة في محطات الوقود تجنباً لتكرار الأزمات، وذلك بالتنسيق مع الولايات عبر عددٍ من الإجراءات الاحترازية.. وكان وزير النفط والغاز عبد الرحمن عثمان، اتّهم في وقتٍ سابقٍ شركات توزيع الوقود بالتلاعب في الحصص وتسريبها إلى السوق السوداء، وتوعّد بمُعاقبتها وسحب تراخيصها عُمُوماً مع تلك التّنقلات والإحالات الواسعة التي شَهدتها وزارة النفط… ترى هل سيصلح العطار ما أفسده الدهر أم أنّ الوضع سيبقى على ما هو عليه؟!.. هذا ما ستجيب عنه مقبل الأيام القادمات.

المدارية

Exit mobile version