في ليالي البرد القارس التي لا تخلو من رياح باردة تجمع عدد كبير من أهالي المناصير قبل سنوات قليلة في ميدان مواجه لأمانة الحكومة بمدينة الدامر واعتصموا فيه اكثر من أسبوعين احتجاجاً على التسوية التي أجرتها وحدة السدود التي يترأسها المهندس أسامة عبد الله، والمتعلقة بأراضيهم الزراعية والسكنية، وطوال تلك الفترة لم تبد إدارة السدود أي نوع من المرونة والتنازل وبدا أسامة هادئاً، ربما بعد أن تلمس رضا المركز وثقته، واستمر السيناريو قبل أن تنجح الوساطة بإيجاد مخرج للأزمة، بيد أن التململ من قرارات السدود شمل مناطق نهر عطبرة ومناطق أخرى، ويرى عدد من المراقبين أن التسويات شابها بعض القصور وشيء من التعسف أحياناً، وبالرغم من أن سد مروي يحسب من الإنجازت المقدرة، غير أن الهالة الإعلامية التي حرصت إدارة السدود على اسباغها على أنشطتها قبل اكتمال السد وافتتاحه كانت مكلفة جداً مالياً حيث حرصت الإدارة على تنظيم الرحلات لمدينة مروي مقر السد على اختلاف قطاعات المجتمع الشعبية والرسمية طوال فترة التشييد التي استمرت حوالي ثلاث سنوات، لكن رغم البثور هنا وهناك التي صاحبت تجربة المهندس أسامة عبد الله في السد ثم فترة توليه مديراً لوزارة الكهرباء والقوى المائية، ظل في موقعه لفترة مقدرة قبل أن يغادر بهدوء المنصب .
يوسف كبر.. عاصفة المواسير
ربما لم يتوقع المعلم بالمدارس الوسطى وقتها يوسف كبر أنه سيصبح ذات يوم والياً على المنطقة التي ينتمي إليها منتقلا من ساحة المدارس وباحة الفصول إلى دنيا الحكم والسياسة بكل إفرازاتها وتعقيداتها ويسرها ونعيمها المؤقت ومطباتها القاسية، بيد أن هذا الحلم إن لم يكن حاضراً في مخيلة (كبر) فربما نازعه بإلحاح حين ولج العتبات القيادية في المؤتمر الوطني بالولاية، حيث إن الصعود إلى نهاية الدرج تتحكم فيه عدة عوامل تتعلق بالقدرة على التعامل مع كواليس اللعبة ببراعة ويقظة لا تقبل الغفوة العابرة.
قبل أكثر من عقد حمل يوسف كبر عصاه وولج القصر الولائي حاكماً لشمال دارفور، لتبدأ فصول السيناريو المتقلب حيث ابتدره بعد فترة قليلة من البروز ونيل رضا المركز وقيادة الحزب، وذلك حين رفض أن يقابل وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايز عند زيارتها لمدينة الفاشر حيث طلبت اللقاء على عجل في مدرج المطار لمدة عشر دقائق فقط بعد أن كان زمن اللقاء في البرنامج ساعة وزيارة معسكرات النازحين، لكن (كبر) رفض وأرسل لها مندوباً أخطرها أنها إذا لم تلتزم بالبرنامج فإنهم لا يرغبون في زيارتها للولاية ولن يسمحوا لها بزيارة المعسكرات فرضخت للأمر ووافقت على البرنامج واللقاء في مكان قريب من المطار، لكنها عادت وقالت اللقاء داخل مدرج المطار، في حين أصر (كبر) مقابلتها فقط عند الباب فقط، ولعل هذه الخطوة كانت بالنسبة له هي شارة العبور وتدق أوتاد الثبات في سدة الحكم، وحين اشتد أوار الحرب في دارفور، تعامل (كبر) بعقلية رجل الأمن وبرجماتية السياسي، وهو أمر ساهم أيضاً في رفع أسهمه السياسية لدى المركز .
بيد أن يوسف كبر حين بدت إرهاصات سوق المضاربات الذي كني لاحقا بسوق المواسير ربما لم يتوقع تلك التداعيات الدرامية التي شابتها بعض الاضطرابات المحدودة واحتجاجات من المواطنين الذين فقد بعضهم (تحويشة) العمر حيث أهدرت ملايين الجنيهات عبر معاملات وصفت بالربوية، وعلى إثر التداعيات التراجيدية تم فتح عدة بلاغات انحصرت تحت قانون الثراء الحرام والمشبوه بالإضافة إلى دعاوى جنائية تحت المادة 179.
وأوردت صحيفة (الوطن) وقتها أن القائمين على أمر السوق لديهم 80 موقعاً عبارة عن أماكن بيع السيارات ومستودعات لتخزين البضائع وساحات خارجية للمحاصيل الزراعية وأن معدل التعامل بالشيكات التي يحررها المتعاملون بلغت 10 آلاف شيك في الشهر الواحد، بينما حمل د.عبد القادر الخبير الاقتصادي لنفس الصحيفة البنوك والمصارف التجارية ، في حين نفى الوالي (كبر) أي دور لحكومته في القضية، بيد أن بعض المراقبين وشهود عيان قالوا إن أحد المسؤولين شجع المواطنين عبر خطاب مرتجل وصف فيه سوق المضاربات بسوق (الرحمة) وسواء كانت هذه المعلومة صحيحة أم لا، فإن مسؤولية الحدث وتضاعيفه تتحملها حكومة الولاية .
وبعد تلك الأحداث ظن الكثيرون أن إسقاطاتها ستعمل على هز عرش الوالي، غير أن ذلك لم يحدث، عقب وقوع أحداث جبل عامر والسريف بني حسين التي نتجت عنها المواجهات بين قبيلتي الرزيقات الأبالة آنذاك، وطالب على إثرها زعيم المحاميد موسى هلال بتكوين لجنة محايدة بعيدة عن المؤتمر الوطني للتحقيق في تلك الأحداث، ثم اتهم ( كبر) لاحقاً بأنه يمتلك منجماً للذهب وقال إنه يملك كافة إثباتات تلك التهم، بيد أن يوسف كبر اكتفى وقتها بالقول (إنه سيرد على كافة الاتهامات في الوقت والزمان المحددين). وأشار إلى أن أحداث جبل عامر جرى استغلالها من جهات في محاولة لإزاحة الوالي من منصبه عبر تحريك الأحداث بعد أن استقرت الأوضاع. وأضاف (كبر) في تصريح لـ(السوداني) أنه سيكشف في الأيام القادمة كافة الحقائق والملابسات، وتفنيد كافة الاتهامات التي وجهها إليه موسى هلال نافياً أن يكون قدم شكوى لرئاسة الجمهورية ضده، بينما طالب هلال بإصرار بإقالة كبر من منصبه ، غير أن (كبر) ظل فترة بعد ذلك ثم غادر منصبه تاركاً ركاماً من العواصف والدخان العالق .
عبد الرحمن الخضر.. صراع سابق وغبار حاضر
لم تكن كلية البيطرة هي الرغبة المفضلة عندما ولج الجامعة د. الخضر طالباً في صفوف الكلية منتقلاً من أدواء الإنسان إلى الحيوان، وقال في حوار سابق مع صحيفة المجهر أجراه الأستاذ صلاح حبيب إن المجموع هو الذي حول مساره وأنه بعد التخرج ولج إلى مجال الإنتاج الحيواني في منطقتي السامراب والحلفايا، وامتلك مزرعة صغيرة تقدر بعشرة فدان بالسامراب لأنتاج الألبان والدواجن، ومن ثم أسس شركة اليمامة للإنتاج الحيواني مع شراكة مع آخرين، ويقول الخضر إن تلك الشراكة ظلت حتى عام 2000، وعندما دخل العمل التنفيذي قام تصفيتها واشترى بريعها منزلاً بمدينة الفردوس، بيد أنه احتفظ كما قال بقدر بسيط من العمل في هذا المجال بالقدر الذي يوفر الحد الأدنى للمعيشة .
وبعد أقل من عقد ولج د. عبد الرحمن الخضر والياً لولاية القضارف ، وسرعان ما برز له رئيس المجلس التشريعي بالولاية ورئيس اتحاد المزارعين كرم الله عباس كخصم لدود سارع بنقل النزال من ساحة البرلمان وكواليس المؤتمر الوطني حيث لم يكتف كرم لله خلالها بتحديد ساحة المعركة الحامية في نطاق أسوار القضارف، وإنما سارع بنقلها عبر سطور الصحافة متهماً له عبر حوار صحفي آنذاك بتجاوز الشفافية في عدة عطاءات تشييد وصيانة بلغ مجموعها حوالي 12 مليار جنيه آنذاك، الأمر الذي دفع المركز بإعفاء الطرفين كرم الله من رئاسة المجلس التشريعي، وعبد الرحمن الخضر من منصب الوالي، وهو نهج درج المؤتمر الوطني انتهاجه، والذي يعتمد على فقه لملمة الخلافات وإطفائها على عجل، وفي هدوء دون أن تمتد ألسنة النيران إلى أماكن غير مرغوب فيها، وعاد بعدها د. الخضر للخرطوم قضى بعدها استراحة قصيرة ليتم تعيينه والياً للخرطوم، غير أن قدر الخضر هذه المرة أن واجه عاصفة في مدينة الأضواء بعد أن زالت معركة القضارف الشهيرة وانقشع غبارها وتراجعت من الذاكرة السياسية حتى لدى المراقبين، ولعل د. الخضر لم يظن أنه سيواجه عاصفة شرسة ليست مليئة بالأتربة والحصى فقط لكنها تتجاوز المعركة السابقة مع كرم الله باعتبارها كانت ذات طابع وبعد شخصي في حين أن القضية الأخيرة كانت أكبر من حيث المسؤولية العامة التي تقع على كاهل الخضر بوصفه والياً للخرطوم، وبدت القضية بخبر صغير يقول إن والي الخرطوم طلب من لجنة عدلية التحقيق حول تجاوزات من قبل بعض منسوبي مكتبه في قضايا تجاوزات تتعلق بالآراضي، ومن ثم أصبحت القضية تتداول بصورة كبيرة في الصحف والمواقع الإسفيرية التي تباينت في تناولها للقضية من حيث أرقام التجاوزات بل بعضها حمّلت الوالي نفسه المسؤولية المباشرة فيما حدث، وفي تلك الأجواء جاءت توصيات اللجنة العدلية بإلزام المتهمين بالتحلل من مبالغ التجاوز وبالبالغة 17 مليون (مليار بالقديم) عبر قانون الثراء الحرام والمشبوه ، الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في الرأي العام وعدم رضا مما حدا بوزير العدل إصدار قرار بالقبض على المتهمين مجدداً باعتبار أن القضية فيها شق جنائي وهو إصدار خطابات باسم والي الخرطوم، ولأن الرشاش كان كبيراً والسهام كانت كثيرة التي انطلقت من نبالها تناوش د. الخضر، قام بتناول أبعاد القضية عبر تنوير صحفي نفي فيه أي صفة قرابة تجمعه بالمتهمين في القضية، واعتبر أن ما حدث من منسوبي مكتبه طعنة له مهما كانت النتائج، لكنه قال (سنتحمل كل ما أصابنا إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً)، وقضى د. الخضر هادئاً في فترة من الزمن في منصبه حتى مغادرته بعد ذلك .
المطيع.. أزمات وتحدٍّ
ربما لم تتعرض مؤسسة خدمية رسمية لنقد مثل إدارة الحج والعمرة بقيادة مديرها محمد أحمد المطيع، حيث أطلق عليها وابل من النقد عبر الصحافة والبرلمان ووكالات السفر والسياحة وعدد مقدر من زوار بيت الله الحرام، وذلك بسبب الرسوم التي فرضتها الإدارة على الحجاج واعتبرها البرلمان غير قانونية وطالب بردها أكثر من مرة ، غير أن نقد أداء الإدارة تجاوزهذه الجهات إلى المراجع العام حيث أشار في تقرير له إلى وجود مبالغ واجبة السداد من مكتب الوكلاء بلغت «659» ألف ريال سعودي عبارة عن متبقٍّ عن خدمات نتجت عن فروقات أسعار، إلا أن الموازنة التي أجازها لموازنة حج 1434هـ لعدد 25.600 حاج بتكلفة 337 مليون جنيه تعادل 221 ريالاً سعودياً في الوقت الذي لم تتضمن فيه موازنة وزارة الإرشاد مما يعني عدم اكتمالها قانونياً، كما أشار التقرير إلى زيادة الميزانية في العام السابق بنسبة 58% وتغيير سعر الصرف بنسبة 7.7% بالإضافة إلى زيادة تكلفة مساكن الحجاج في المدينة المنورة.
وعن الأداء الفعلي للموازنة انتقد التقرير فرض الرسوم وإجازة الموازنة دون سند قانوني بما يعد مخالفة للمادة 285/2من لائحة الإجراءات المالية والمحاسبية لعام 2011م. وفي السابع من مارس 2015 أقرت إدارة الهيئة وفق صحيفة (آخر لحظة) بصحة التجاوزات المالية والإدارية الورادة في تقرير المراجع العام بشأنها، وعزت التجاوزات لعدم وجود قانون ولوائح تضبط العمل المالي والإداري بها.. واعترف مدير إدارة الحج والعمرة المطيع محمد أحمد بصحة التجاوزات الواردة في تقرير المراجع العام، وعزا الأمر إلى التقلبات التي حدثت لإدارة الحج وحلها أكثر من مرة، حينها»، فقد قال رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية بالبرلمان، محمد علي الشايب، إنهم في البرلمان يعملون لوضع قانون ولوائح تضبط التصرفات المالية والإدارية بإدارة الحج والعمرة.
لكن مع ذلك استمرت إدارة الحج والعمرة بقيادة ( المطيع) في عنادها وتحديها للقرارات.
واستمر المطيع في منصبه مستعصماً بقراراته حتى تم عزله فجأة أمس الأول.
الصافي جعفر .. الشياخة في ساحة الإدارة
قبل حوالي عقدين من الزمان تولى الشيخ المهندس الصافي جعفر منصب المسؤول الأول لمشروع سندس الزراعي، بجنوب الخرطوم الذي تمتد حدوده شمالاً من قرية طيبة الحسناب، وتنتهي جنوباَ بقرية ود الكريل بمحافظة القطينة ويتبع المشروع إداريا لمحلية جبل أولياء!
وراهن مدير المشروع على نجاحه وقام بالترويج له في دول المهجر الخليجي لإقناع المغتربين بالمساهمة في المشروع، وبالفعل استطاع الشيخ المهندس بقدرته الكبيرة المسنودة بأدبيات الدعوة الإسلامية بإقناع عدد مقدر منهم بالمشاركة بالعملات الحرة .
غير أن المشروع تعثر كثيراً رغم الأموال المجلوبة من الخارج والدعم الرسمي السخي وظل أكثر من عشر سنوات في محطة متواضعة، وخلال تلك الفترة سكب المغتربون المساهمون في المشروع مداداً كثيراً عبر الصحف ينتقدون إدارة المشروع ويندبون حظهم بالمساهمة فيه، وطوال فترة إعداد المشروع حرصت الإدارة على تسليط الأضواء الإعلامية حول المشروع عقب كل مرحلة تطاول تنفيذها، في حين سمى الشيخ الصافي جعفر وحدات المشروع الزراعي المختلفة بأسماء الجنة كالكوثر وعدن وغيرها .
وبعد أن طال عليه الزمن اضطرت الولاية بتقديم دعم إضافي للمشروع حتى اكتمل لمواكبة مرحلة الزراعة بينما بقيت المراحل الطموحة معلقة والتي سطرها الشيخ بأسلوبه الأخاذ، ولم يغادر الشيخ منصبه إلا بعد فترة طويلة قاربت خمسة عشر عاماً حاملاً مسبحته.
أخيراً لعل هذه الشخصيات وغيرها التي استعصت مغادرتها سدة المسؤولية تعود لعدة أسباب ربما أهمها أن المؤتمر الوطني لا يريد أن يربط بين عواصف النقد ورشاش الإعلام الذي يتعرض له بعض رموزه وبين الإعفاء من المنصب الأمر الذي يؤخر الإقالة فترة قد تطول حتى ينقشع الدخان المتصاعد .
الخرطوم: أحمد طه صديق
