قصة العم ميرغني الذي احترقت دكاكينه بسوق أم درمان ” معبرة “

احترق دكاناه الاثنان في سوق أمدرمان، وصارت كل البضاعة رماداً. وعندما سمعنا بخبر الحريق أسرعنا إلى السوق لنطمئن عليه وعلى دكانيه اللذين قضى عمره كله يؤسس فيهما.. وجدناه خارجاً من السوق مبتسماً مطمئناً كما عهدناه دائماً.
كان يرد على تلفونات الأهل والأصدقاء الذين اتصلوا به من داخل السودان وخارجه ليطمئنوا على دكاكينه بعد أن سمعوا بخبر حريق سوق أمدرمان! كان يرد عليهم مازحاً: “الدكاكين اتحرقت تماماً، لكن تاني ماف أي عوجة والله!”.
قلت له: “خفنا عليك والله، ولكن وجدناك صابراً مطمئناً”، قال لي: “الحياة علمتنا أن أي حاجة تحصل في المال ليست مشكلة”، وحكى لنا قصة زواج قريبنا صلاح عبد الرازق الذي اضطر والده لبيع أحد بيوته من أجل إتمام مراسم زواجه الذي حان موعده، وعندما جاء بعض الناس يلومونه على بيع ذلك البيت، قال لهم: “لو خليت بيع البيت، وولدي لم يتزوج وفقد عقله، هل سيعالجه هذا المال؟”.
وبعد ذلك قال لنا العم ميرغني مازحاً: “نحن أمهاتنا لمن ولدننا كان عندنا قروش وللا دكاكين؟”، وقال أيضاً: “والله أنا لمن جيت من البلد جيت بجلابية واحدة بس!”.
ودردشنا وضحكنا وذهبنا إلى وليمة في بيت عمنا الطيب تاركين سوق أمدرمان مشتعلاً خلفنا وسيارات الإطفاء لا تزال تحاول إخماد النيران التي ما زال دخانها يتصاعد من أسقف البنايات.
غادرنا السوق إلى تلك الوليمة، وأكلنا حتى شبعنا، وشربنا الشاي والماء البارد، وقضينا وقتاً طيباً من الأهل، ورجعنا إلى بيوتنا مطمئنين.
لقد قدَّمَ العم ميرغني درساً عملياً لنا ولأبنائه أحمد وأيمن اللذين هرعا إلى السوق بعد أن سمعا باحتراق دكاكين والدهم، ولكنهم اطمئنوا بعد أن شاهدوا كيف استقبل والدهم قضاء الله وقدره.
لقد احترقت الدكاكين تماماً، ولكنني أشهد الله أنك كنت محباً للخير مساعداً للمحتاجين بمالك ووقتك. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعوضك خيراً مما فقدت ويعظم أجرك يا عمي.

الخرطوم – امدرمان



