السم الزعاف…المادة (20أ).. حينما يلوذ مروج المخدرات بالإدمان

مروِّج ترامادول عوقب بـ10 آلاف غرامة في المرة الأولى.. وبعد أسبوع دفع 18 ألف غرامة أخرى
والدة مدمن : لن أدخل ولديَّ للمصحة خوفاً من الفضيحة، ولكن!
مدمن: المادة (20 أ) يجد المدمن أو المُروِّج فيها الملاذ الآمن وتضليل العدالة
نبيل أديب: أقصى عقوبة لتعاطي المخدرات خمس سنوات، فقط
المخدرات سمٌ زعاف ينخر في عظام البشر وتعتبر من أخطر مهدِّدات صحة البشر والحياة عامة، ونجد أنها احتلت المرتبة الثانية من المشاكل التي تعاني منها الأسر السودانية والشباب من الجنسين على وجه الخصوص، حيث لا يكاد كل منزل يخلو من مدمن أو متعاطي للمخدرات بمختلف مسمياتها، وبالرغم من العقوبات الموضوعة لمعاقبة المتعاطين إلا أن الملاحظ أن الظاهرة في ازدياد مضطرد، مما يبيِّن أن تلك العقوبات ليست رادعة بما يكفي لكبت جماح تزايد المتعاطين وتكاثرهم يوماً وراء الآخر، وبالتحديد المادة 20 (ا) التي يعتبرها البعض مادة مشوَّهة ومخالفة لما فيها من ثغرات قانونية من شأنها أن تبرئ المتعاطي لاسيما أنها تعاقب بالغرامات المالية فقط، والتي تعتبر أخف ضرراً من السجن، الأمر الذي يتطلب ضرورة التحرك الجاد من الجهات المختصة لمعالجة الأمر وقطع الطريق أمام المتعاطين الذين يرون أن لا ضير من دفع الغرامة ومن ثم العودة إلى التعاطي بلا أدنى ريبة أو خوف من عقاب رادع. التحقيق التالي يعرُض للعديد من القضايا في الخصوص.
تحقيق : ضفاف محمود
إحدى القضايا التي نظرتها ساحات محاكم أم درمان كانت قضية الشاب (خ ترمادول) وهذا اسم شهرته، حيث تم القبض عليه رفقة مجموعة من الشباب أمام إحدى البقالات، بحوزته كمية من حبوب الترمادول بلغ عددها 27 حبة، داخل كيس، وكان ذلك تزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات وتم اقتياده إلى حراسات القسم الجنوبي، وهناك أفاد من خلال التحريات أن هذه الحبوب استعمال شخصي وليس للاتجار بالرغم من أن أكثر من خمس حبات، يضعها المشرِّعون في خانة الترويج، ليتم إطلاق سراحه بالضمان العادي، حيث تمت محاكمته وفق نص المادة (20 أ) بالغرامة (10 ألف جنيه)، وفي حالة عدم الدفع السجن شهرين متتالين، وبعد عدة أسابيع تم القبض على ذات الشباب وبحوزته كمية أكبر من الحبوب المخدرة وتمت محاكمته بالغرامية المالية (18) ألف جنيه، دفعتها أسرته التي لم تفكر في علاجه، بل فقط إخراجه من غياهب السجون بالرغم من الضائقة المالية التي تعانيها، وهذا عيب الأسر السودانية سواءً أكان ابنها مدمن أو مروِّج مخدرات، نجد أنها تقف إلى جانبه، بل وتدافع عنه ولا تفكر البتة في ردعه أو حتى محاولة علاجه في مراكز الإدمان للإقلاع عن هذه الظاهرة التي من شأنها أن تؤدي لعواقب وخيمة. دموع سيدة إحدى السيدات قابلتني بالقسم الجنوبي تذرف الدموع على ابنها الذي تبيِّن لي فيما بعد أنه متعاطى ومروِّج لحبوب الخرشة، تلك السيدة التي تجاذبت أطراف الحديث معها قالت لي، إن ابنها يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، وأنه لم يكمل تعليمه الثانوي وهو مريض وقالت محدثتي ربنا يهديه، وسبق أن طلبت منه ترك تعاطي المخدرات (لكن مافي فايدة وهسا مقبوض عليه بيبيع حبوب)، سألتها أن كان يعمل في مهنة، أجابتني بلا، وقالت لي (تلقيه نايم اليوم كله، وما عنده غير أصحاب السوء، ودي ما المرة الأولى يتقبض عليه)، هنا طلبت منها محاولة عرضة على الأطباء لعلاجه في مراكز الإدمان للإقلاع عن المخدرات إلا أنها انتهرتني بشدة واتهمتني بأنني أريد التشهير بها وفضحها وسط أسرتها وأهلها، قالتها هكذا (أنتِ يا بت الناس جنيتي، أنا أودي ولدي مستشفى مجانين؟ دى سمعة سيئة وأنا ما حا أعمل كدا لو قامت القيامة، لكن ممكن أوديهُ لشيوخ يقروا ليهو قرءان، لكن ما بوديهُ مصحة عشان يعالجوه)، هنا ثارت في وجهي ووجهت لي سيلاً من الاتهامات والإساءات التي لا تحتمل.
عشرين حلوة حلاة
كانت رحلتي إلى ميدان الباطنية رحلة تحفها المخاطر، اتجهت إلى تلك المنطقة رفقة أحد معارفي الذي يقطن في تلك المنطقة، عندما أخبرته أنني بصدد إجراء تحقيق صحفي حول ظاهرة المخدرات لم يتوان عن خدمتي وقام بتعريفي على أحد الشباب بأنني محامية خطيرة في قضايا المخدرات طلب مني أن نتناول كوب قهوة على حسابه الخاص، وهنا قال له مرافقي: (يا معلم الأستاذة دي زى ما قلت ليك خطيرة جداً)، هنا ضحك وقال لي ذاك الشاب: (يا أستاذة رأيك شنو في عشرين ألف)، قلت له مادة قانونية ممتازة قال والله دي مادة حلوة حلاة تطلع منها زي الشعرة من العجينة)، قالها هكذا دون تذويق مني، وبدأ يشرح لي كيف تثبت عليك التهمة وكأنه قانوني ضليع، وقال: إذا كانت المخدرات بحوزتك فهذه تسمى حيازة، وهنا لا شك فأنت ستُدمغ بأنك متلبس، وأن وجدت داخل منزلك -أيضاً- فهي حيازة، ويواصل حديثه، هناك حالات لا يمكن الإنكار فيها مثل الكميات الكبيرة والتي تعتبر اتجار، وهذه تُعرَّف بالمادة (15 أ) وهنا تسري العقوبتين معاً، أما (20 أ) ترويج، فالغرامة فقط هي الحكم في حالتها، ويتصل حديثه، عشان كدا يا أستاذه الواحد مننا بشيل كميات بسيطة (لو الحكومة كاوشتك) تقول حقتي، طوالي بفتحو ليك المادة (20 أ)، وقبل اليوم قبضوني بالمادة دي وجدت نفسي ملم بقانون المخدرات والعقوبات التي سنها المشرع في الخصوص، ومن بعد الحكم نفدت من السجن بسهولة، وأنني على يقين بأن القانون به بعض العيوب في رأيي الشخصي وبالتحديد المادة (20 أ) التي يجد المدمن أو المروج فيها الملاذ الآمن وتضليل العدالة.
نداء عاجل
نداء عاجل ألحقو شبابنا وأبناؤنا فلذات أكبادنا يضيعون منا بسبب المخدرات، هكذا ابتدر محمد موسى، حديثه عن المخدرات التي شدد على أنها انتشرت وسط الشباب بصورة مخيفة وبكافة أنواعها، وبالتحديد طلاب الجامعات وقال إن الشيء المؤسف أنها يتم الترويج لها داخل الحرم الجامعي عن طريق بعض الطلاب، وهذا يدل على غياب دور الأسرة، وناشد الأسر بفرض الرقابة على أبناءها وأن يتخلوا عن المثل الغريب (الولد ما براقبوه)، وقال (لازم رب الأسر يعرف ولده بمشي وين ومع منو)؟ شاهد عيان موسى قال : كنت شاهد عيان على قصة شاب عشريني أدمن تعاطي المخدرات بسبب الخلافات الأسرية بين والده ووالدته التي فضَّل البقاء معها فأصبح مدمن من الدرجة الأولى، وترك مقاعد الدراسة وظل يلهث وراء المخدرات ويقوم بسرقة مقتنيات المنزل وبيعها للحصول المخدرات، وذات يوم اعتدى بالضرب على والدته وأخذ هاتفها للحصول على المخدرات وعندما علم زوج أمه، بذلك حاول علاجه في إحدى مراكز الإدمان إلا أن والدته رفضت الأمر بشدة خوفاً من الفضيحة والعار، إلا أنه تمسَّك برأيه وأصر على إدخاله إحدى المشافى الحكومية وبعد عدة أشهر، خرج ذاك الشاب سليم معافى من الإدمان عن طريق التأهيل النفسي والسلوكي للإقلاع عن المخدرات.
القانون والمخدرات
رأي القانون في الخصوص التقينا شيخ المحامين الأستاذ نبيل أديب عبدالله، وسألناه عن نص المادة (20 أ) التعاطي، والذي بدوره قال: المسألة بما فيها تتعلق بالإثبات على الاتهام، إذ يتبيَّن أن المادة مُعدَّة للترويج أو القبض على المتهم المتلبس بالبيع، أما الحالة الثانية تكون الكمية الموجودة لديه معدة للاتجار (العرض والطلب)، وهنا تدون في مواجهة المتهم المادة (15) الاتجار، أما المادة (20 أ) فتعتبر الكمية محدودة وللاستعمال الشخصي، أما الكميات الكبيرة الغرض من إحرازها البيع، وقانون المخدرات مبني على إثبات الملابسات التي تتعلق بالجريمة، ويصل القاضي إلى استنتاج الكمية المقبوضة حيازتها بغرض التعاطي أو التعامل أو التعاطي حسب تقدير القاضي بعد السماع وتقديم الاتهام عن الكمية المقبوضة، وقال أديب، إن عقوبة التعاطي خمس سنوات، أقصى عقوبة، والمتعاطي يسبب الأذى لنفسه لذلك قرر المشرع معاقبته بتلك العقوبة لأنه يؤذي نفسه ويعطل المجتمع. لكن اتجاه العالم التناول أو التعاطي حق، لا يراجع بالعقاب بالعلاج ومنع الوصول للمخدرات ليس العقوبة متروكة للقاضي المؤثرات العقلية العقوبة واحدة بالنسبة لكل الأنواع.
مادة معيبة
رأي الطب النفسي الدكتور علي بلدو، القانوني الضليع والطبيب النفسي وصف المادة (20 أ) بأن مادة معيبة وغير سليمة وقال إن بها الكثير من الثقوب والثغرات القانونية، حيث يعتبرها الكثير من المروِّجين والمتعاطين بمثابة درع يحميهم من العقوبة الرادعة الأمر الذي يساهم في ترويج وتعاطي المخدرات وانتشارها بكثافة وسط الشباب، وشدَّد عل ضرورة إقامة ورشة للجهات القانونية والتشريعية والطبية المختصة لإعادة النظر في هذه المادة بالتحديد وإعادة النظر في القانون الخاص بالمخدرات ومتعاطيها، وطلب بأهمية تضافر الجهود لتعديل هذه المادة لردع المتعاطين وتقليل نسبتهم في المجتمع خاصة فئة الشباب.
من المحررة
تلك حصيلة ما خرجنا به من جولتنا لتقصي الأمر حول المخدرات ومدمنيها من كل فئات المجتمع، التقينا خلالها العديد من المختصين بالأمر من متعاطين وشهود عيان وقانونيين وطبيب نفسي، خرجنا منها بأن الظاهرة في تنامي واضطراد مخيف وسط فئة الشباب، وأنها أصبحت تشكِّل خطر داهم على المجتمع بكافة فئاته دون استثناء، فضلاً عن اكتشافنا لعيب قانوني خطير في إحدى مواد القانون الذي يعاقب المتعاطين ومروَّجي المخدرات والمتمثل في المادة (20 أ)، وذلك طبقاً للإفادات التي خرجنا بها من الذين التقيناهم في الخصوص، حيث أكد لنا أحد المدمنين على تعاطي المخدرات، وهو في ذات الوقت من مروَّجي المخدرات، حيث أكد لنا أنهم يعتبرونها ثغرة قانونية واضحة ولا خوف منها البتة ما دامت عقوبتها تتمثل فقط في الغرامة المالية التي يمكن دفعها فور صدور الحكم، دون التعرُّض للسجن مدة ستة أشهر، في حال عدم الدفع، وبالتالي فإن المتعاطي أو المروِّج لا يعتبر نفسه خاسراً في حالة دمغه ومحاكمة بنص المادة (20 أ) حيث يمكن وحسب منطقه، تعويض المال الذي دفعه فور الخروج من ساحة المحكمة بحكم غلاء سعر المخدرات نفسها وإمكانية سد الفاقد من تلك العقوبة المالية التي يعتبرها الكثير من المروجين والمتعاطين بمثابة درع يحميهم من العقوبة الرادعة الأمر الذي يساهم في ترويج وتعاطي المخدرات وانتشارها بكثافة وسط المجتمع، الأمر الذي يتطلب أهمية تحرُّك الجهات المعنية بأعجل ما يكون لمعالجة الأمر بكل جوانبه.

التيار




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.