تحت مرمى النيران الصديقة الإنقاذ.. من “دس المحافير” ؟!!

عند اندلاع الاحتجاجات الشعبية بحاضرة ولاية نهر النيل مدينة عطبرة، ثم تلتها مدن كبرى مثل دنقلا، الأبيض، القضارف وبورتسودان، ذهب بعض المراقبين في اتجاهات شتى لتفسير أسباب الخروج المفاجئ للمواطنين إلى الشارع واحتجاجهم على الأوضاع الاقتصادية، جميعهم اتفقوا على أن صبر المواطن وصل إلى منتهاه جراء ارتفاع الأسعار وأزمة السيولة والخبز، بيد أن تفسيرات أخرى ذهبت في اتجاه مختلف كلياً عندما أشار أصحابها إلى أن النظام الحاكم تحول إلى جزر متفرقة.

ولتأكيد صحة دعواهم هذه، يستندون على أحاديث متفرقة تؤكد أن الأزمة الحالية مصنوعة ليس من قبل المعارضة بل من أيادٍ داخل الحكومة تعمدت “دس المحافير” حتى يلازم الفشل من يمسكون بزمام الأوضاع السياسية والاقتصادية والتنفيذية، هي فرضية، ربما كانت صائبة أو خاطئة، ولكن فإن شواهد ومعطيات تشي بأن ثمة شيء غير طبيعي يحدث داخل البيت الإنقاذي، وهذا تكشفه تصريحات لعدد من قادة الحكومة.

(1)

الخضر.. الاقتراب من الحقيقة

من التصريحات التي حازت على اهتمام واسع، تلك التي أطلقها والي القضارف والخرطوم الأسبق، رئيس القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني الدكتور عبد الرحمن الخضر الذي كان شفافاً وهو يخاطب لقاء تنويرياً لقيادات حزبه بولاية القضارف، حينما أقر قائلاً: (ما حدث من احتجاجات كان بسبب ما صنعته أيدينا)، في إشارة منه للحكومة والحزب، جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية بالبلاد التي انعكست على الأوضاع المعيشية للمواطنين، ونتجت عنها الضائقة المعيشية التي تفاقمت على خلفية تراكم أزمة شح السيولة وانعدام الخبز والوقود.

ولم يكتف الدكتور عبد الرحمن الخضر بذلك، وأضاف: (علينا أن لا ندفن رؤوسنا في الرمال ونواجه تداعيات تلك الأحداث ونعترف بأخطائنا وأخذ العبر والعظة، واستلهام الأفكار والخطط والبرامج لتلافي حدوث مثل تلك الأحداث مستقبلاً).

الخضر لم يكتف بتلك الإفادات الجرئية التي تكشف عن أن الأزمة التي تشهدها البلاد حالياً صنعتها حكومة المؤتمر الوطني، ورغم أنه لم يشر مباشرة إلى وجود أيادٍ تعمل في الخفاء لإحراج الحكومة، إلا أنه أقر بوجود أزمات عميقة لا يمكن إنكارها ينبغي التعامل معها بجدية وإيجاد الحلول الجذرية لها.

(2)

حميدتي.. وضع اليد على الجرح

لقائد الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي صفة تميزه، وهي ملامسة عصب الحقيقة والجهر برأيه، وعلى ذات النهج مضى وهو يخاطب جمعاً من قوات الدعم السريع بمحلية جبل أولياء كانت قادمة من مهمة رسمية من الحدود السودانية الليبية، حيث طالب بإجراء مراجعات عاجلة لتدارك الأوضاع في البلاد، ولم يكتف بذلك حينما أشار بيده إلى وجود مخربين من المسؤولين، ومزج الفريق حميدتي بين العسكرية والسياسة، حينما طالب الدولة بأداء واجباتها والاضطلاع بأدوارها في توفير العيش الكريم للمواطن السوداني، الذي توجه إليه بالشكر على صبره إزاء ما تمر به البلاد من أزمات، مبدياً دهشته من عجز الناس في الوصول إلى أموالهم في البنوك، وهنا لامس حميدتي الحقيقة، حينما تساءل “ليه القروش تبقي ما في”، وهو سؤال يبدو عميقاً ويحمل بين طياته الكثير من الدلالات، وقد وضعه في بريد الجهات المسؤولة عن الاقتصاد بوزارة المالية والبنك المركزي، وبلغة العسكر فإن حميدتي شدد على ضرورة محاسبة كل من يعمل على تخريب الاقتصاد من الفاسدين أيًا كانت جهته.

ومن زاوية اقتصادية، فإن حميدتي دعا إلى فرض الرقابة على السوق والتصدي للجشعين، وزاد “حتى هذا اليوم توجد مشكلة في السيولة”، وقطع حميدتي بوجود مندسين ومتمردين ومهربين، مؤكدًا أن قوات الدعم السريع تقف لهم بالمرصاد.

حديث قائد الدعم السريع حظي بدوره بتداول واسع النطاق لأنه جاء قريباً من الواقع، وقد احتفت به حتى المعارضة، وبصفة عامة، فإن ما جهر به حميدتي جاء شفافاً يحمل بين طياته اتهامات غير مباشرة إلى وجود أيادٍ خفية تسببت في الأزمة الاقتصادية الحالية التي أمسكت بخناق البلاد وأدخلت الحكومة في موقف محرج ووضعت القوات النظامية في مواجهة واقع لا تريد أن تكون جزءاً منه لقوميتها وبوصفها من مرتكزات الدولة.

(3)

معتز موسى.. السماسرة أضروا بالاقتصاد

النهج الذي اتبعه رئيس الوزراء معتز موسى، منذ توليه المنصب قبل ثلاثة أشهر ظل يرتكز بشكل أساسي على وضع الحقائق على طاولة الشعب، فالرجل بدا شفافاً في كثير من المواقف، ولم يجنح ناحية أحاديث الساسة التخديرية، فالرجل وتحت قبة البرلمان شخص الواقع الراهن مقترباً من كشف حقيقة وجود من يعبث بالاقتصاد، وذلك حينما قال قاطعًا: لا يمكن أن يستقيم أمر الاقتصاد في وجود السماسرة والوسطاء، وطالب بعودة الضباط الإداريين واللجان الشعبية بقوة، مقترحاً توزيع السلع الأساسية للمواطنين مباشرة في الميادين العامة بالمحليات دون وسطاء، وظل معتز من أكثر المسؤولين إشارة إلى وجود من يضع العراقيل أمام الحكومة وأمام ذات البرلمان شدد على استمرار حكومته في محاربة الفساد والمفسدين، وقال إنه لا كبير على القانون، وأن للمال العام حرمته، وأضاف: كل يد ستمتد إليه ستجد الحساب في القضاء”، وأضاف: لا حصانة لأحد وسوف نستمر في حملة محاربة الفساد لتكون النزاهة الأساس في الخدمة العامة والحياة الخاصة، وتعهد باستئصال الفقر بالعلم والمعرفة والسياسات الحافزة والإدارة الرشيدة ومحاربة الفساد وإقامة العدل بين الناس ورفع كفاءة الإنفاق العام، وإنفاذ سياسات إصلاح عميقة.

شفافية معتز موسى ومخاطبته جذور الأزمات دون مواربة وضعته بحسب مراقبين أمام امتحان قاسٍ يتمثل في وضع متاريس في طريقه حتى يفشل وتذهب ريح سياساته المتشددة في محاربة الفساد وقطع دابر المفسدين.

(4)

قوش.. حديث بدون مواربة

وعلى ذات طريق الشفافية، ووضع اليد على الجرح النازف، مضى مدير جهاز الأمن الوطني والمخابرات، الفريق أول صلاح عبد الله الشهير بـ”قوش”، والذي كشف في تنوير صحفي لرؤساء تحرير الصحف عن حقيقة بداية الاحتجاجات الشعبية بعدد من مدن البلاد منها عطبرة، وقال الفريق أول صلاح قوش: إنه في اليوم الذي اندلعت فيه الاحتجاجات بعطبرة، لم يكن هنالك جوال دقيق مدعوم، وعندما استفسرنا عن السبب، ذكروا أن الشاحنات التي من المفترض أن تنقل الحصة كانت تقف في الصف للتزود بالجازولين، ووصف هذا الرد بأنه غير منطقي، مؤكداً أن الخبز التجاري وراء اندلاع الاحتجاجات في بورتسودان، ويبدو أن رجل الأمن الأول في البلاد يعرف الكثير من الأسرار التي لم يبح بها كاملة، ربما لتقديرات أمنية، فقوله بعدم منطقية أسباب عدم ترحيل الشاحنات الدقيق إلى ولاية نهر النيل، يشي بأن تقصيرا وقع.

وفي ذات اللقاء، فإن الفريق أول صلاح قوش اختار طريق تمليك المعلومة كاملة الى قادة الرأي العام، وذلك حينما أقر بوجود مشكلة اقتصادية بالبلاد، وقال: (ما في زول بدفن راسو في الرمال، ويقول ما في شح في العملة الحرة) التي ترد إلى البنك المركزي لتغطية الاحتياجات الأساسية المطلوبة، وأضاف: بالرغم من ذلك المسافة ليست ببعيدة.

وقريباً من نظرية وجود من يضع عراقيل حقيقة أمام الحكومة لإحراجها، فإن قوش كشف عن وجود مجموعات مختصة تتاجر وتضارب في العملة وتعمل على تحديد أسعارها، وتحصل على أرباح كبيرة نتيجة ذلك، وتساءل كيف تتم معالجة ذلك؟، وأجاب: إذا كنت تريد أن تسير في اتجاه السوق الحر وتترك السوق (يوزن نفسه) بالعرض والطلب يجب أن تخرج الحكومة من السوق وتنظم ذلك.

حديث قوش الذي اتسم بالصراحة، جاء قريباً من توصيف الواقع بكل تجلياته وتداعياته الاقتصادية والسياسية بل والأمنية، ويؤكد أن الرجل يعرف الكثير من الأسرار التي تقف وراء الأزمة الحالية التي تتعدد أسبابها الداخلية والخارجية، وتظل فرضية النيران الصديقة قائمة.

(5)

الاحتجاجات.. اختفاء أم إخفاء

وجود أيادٍ داخل النظام الحاكم تعمل من أجل إفشاله تبدو نظرية قريبة من المنطق قياساً على تصريحات عدد من القادة، ولكن المظاهرات الأخيرة كشفت عن جملة من الحقائق التي توضح أبرزها أن أعضاء بالمؤتمر الوطني اختاروا الانزواء بعيداً عن الاحداث وعدم مناصرة حزبهم ووضح هذا جلياً من خلال وسائط التواصل الاجتماعي حيث ركب عدد من الذين عرفوا بالانتماء إلى التنظيم الإسلامي الحاكم موجة الاحتجاجات على الواقع الحالي بتصويب سهام أحرفهم ناحية حكومة يعتبرون جزءاً منها حتى وإن اختاروا الهبوط من سفينتها التي ربما تملكتهم قناعة غرقها، وطوال أيام التظاهرات، فإن أسماء كبيرة في الحزب الحاكم لزمت الصمت ولم تخرج للدفاع عنه، وأيضاً فإن أنصار الحزب الحاكم بكل الولايات حتى تلك التي لم تشهد احتجاجات اختاروا الجلوس على رصيف الفرجة وعدم الاتجاه إلى تسيير مسيرة سلمية يؤكدون من خلالها ولاءهم التام لحزبهم ودعمهم له وهو يواجه ظروفاً عصيبة وغير مسبوقة.

يأتي ذلك، رغم أن نائب رئيس الحزب، أشار إلى أنهم رفضوا السماح لعضويتهم بالخروج في تظاهرات سلمية حتى لا تحدث مواجهات بينهم وبين المحتجين على تردي الأوضاع الاقتصادية، ربما كانت وجهة نظره صحيحة، ولكن فإن الواقع يؤكد أن أنصار الحزب تواروا عن الأنظار في وقت كان في أمس الحاجة إليهم، بل حتى على صعيد رجال الأعمال، فإن كثيرين يؤكدون على أن جلهم من المنتمين للحزب الحاكم.

(6)

الساعوري.. بين التعمد والمصالح الشخصية

في بداية حديثه، يتساءل المحلل السياسي، البروفيسور حسن الساعوري عن الأسباب التي أوصلت البلاد إلى وضعها الاقتصادي الراهن، ويقول: هل كانت متعمدة أم أخطاء لأفراد بحثوا عن مصالحهم الشخصية بعيداً عن المصلحة العامة، ويعتقد في تصريح لـ(الصيحة) أن حديث الخضر يكشف عن وجود من عملوا على خدمة مصالحهم الشخصية أو أنهم أصابوا أخطاء لضعف كفاءتهم مما أثر سلباً على صورة الحكومة وأدائها، ويرى أن حديث معتز فيما يتعلق بالوسطاء ليس بالضرورة أن يكون دليلاً على وجود من يعمل ضد الحكومة لجهة أن السماسرة تجار وليسوا رجال حكومة.

بيد أن الساعوري يرى في حديث صلاح قوش تأكيداً على وجود خطأ فيما يتعلق بالدقيق، وأنه كان يجب أن تتم محاسبة الذين تسببوا في عدم إيصاله إلى نهر النيل.

ورغم أن الساعوري بدا مقتنعاً بأن عدم كفاءة كثير من الموظفين تعد سبباً للأزمات الاقتصادية، ألا أنه يلفت لجزئية عدم محاسبة القطط السمان والمفسدين، معتبراً حديث الفريق حميدتي بوجود مسؤولين يتحملون الأزمة أقرب إلى الواقع، ويؤكد الساعوري أن الأخطاء وضعف الكفاءة والبحث عن المصالح الشخصية أبرز أعداء الإنقاذ.

(7)

أبوجنة.. بكاء ولبن مسكوب

يشير المحلل السياسي الحسين إسماعيل إلى أن تضارب تصريحات المسؤولين في الحكومة تعد دلاله واضحة على غياب الرؤية والتخطيط القبلي الذي يسبق الأحداث، وهي مرحلة يرى أنها سالبة لأنها ترسخ مفهوم الآية الكريمة “فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ”. ويضيف في حديث للصيحة: هي مرحلة تتسم بإفرازات سلبية على كافة الأصعدة ومن شأنها أن تضر بالحاضر والمستقبل، وعليه لابد من محاولات جادة لاحتواء الأزمة الاقتصادية المتصاعدة وكبح جماحها.

يرى اسماعيل أن إفادات وزير المالية في تنويره الأخير للإعلاميين لم تخرج من حيز البكاء على اللبن المسكوب كونها إفادات صريحة، ولكنها فشلت بامتياز في طرح حلول جذرية للأزمة كما أنها صمتت نهائياً عن مناقشة بعض الملفات بالغة الحساسية والخطورة مثل ملف الفساد.

وقال اسماعيل: يبدو جليًا بأن التعامل بردة الفعل غير المدروسة في قوالب تصريحات متناقضة لم تمكن الحكومة من تقديم روشتة ناجحة تسهم في خفض تصاعد الأزمة.

الخرطوم: صديق رمضان

صحيفة الصيحة




مؤمن محمد

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.