التّضخم.. وآثره على الاقتصاد

التّضخم مُؤشِّر من المُؤشِّرات الاقتصادية المُهمّة التي تُساعد على قياس مُعدّل النموالاقتصادي، وأداة مُهمّة من الأدوات التي تُصَوِّر مَدَى الاستقرار الاقتصادي في أيّة دولة، ويمثل دَوراً كَبيراً في تَحديد اتّجاهات السِّياسات الاقتصادية المُتّخذة من قِبل صُنّاع القرار الاقتصادي وهو ظاهرةٌ خطيرةٌ، ارتفاع معدلها يُوحي بوجود خللٍ في الاقتصاد القَومي يجب مُعالجته، ومُؤشِّر يدل على تطور اقتصادي سلبي يلتهم قيمة
النقود، ويجعلها تفقد قيمتها، وقد عُرف التضخم على أنّه الارتفاع المُستمر والملموس في المُستوى العَام للأسعار في دولة ما وهذا الارتفاع يَعكس انخفاض قيمة النُّقود الحَقيقيّة وليس حجمها المُتداول بين الناس، واعتبر التضخم في السودان من أهم المُشكلات الاقتصادية التي واجهت الاقتصاد، وقد اثّرت على الإنتاج والاستهلاك وبالتّالي أعاق عملية التّنمية الاقتصادية ومُستوى رفاهية الفَرد السُّوداني من أهم أسباب التّضخم، تضخم ناشئ عن التكاليف: يُنشأ هذا النوع من التضخم بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، تضخم ناشئ عن زيادة الطلب: يُنشأ بسبب زيادة حجم الطلب النقدي والذي تُصاحبه زيادة عرض السلع والخدمات مِمّا يعني نُدرة السلع وارتفاع سعرها، تضخم بسبب تشوهات الاقتصاد: حيث تكون الأسعار قابلة للارتفاع وغير قابلة للانخفاض رغم انخفاض الطلب ويَرجع ذلك لوجُود احتكارٍ أو فسادٍ أو جَشع تُجّار، تضخم الحصار: وينشأ مع مُمارسة مجموعة دُولٍ لحصار اقتصادي تجاه دول أُخرى، كَمَا حَدَثَ في حصار الولايات المُتّحدة للسُّودان، حَيث تَرتفع الأسعار نتيجة مَنع التُّعامل الخَارجي لانعدام الاستيراد والتّصدير وهذا النّوع من التّضخم يجب ألا يكون موجوداً حالياً نتيجة لقرار رفع الحظر عن السُّودان الذي كُنّا نتوقّع منه الكثير ولم نره حتى الآن، التّضخم له عدة أشكال منها: التضخم الطبيعي: يحدث لأسبابٍ مُتعدِّدةٍ منها الزيادة
السّكنية، تضخم جذب الطلب: يحدث عندما ترتفع الأسعار نتيجةً لِوجُود زِيادةٍ كَبيرةٍ في الطلب لا تُقابلها زِيادةٌ في عرض السِّلع والخدمات، التضخم الزاحف: وهو تَضخمٌ مُعتدلٌ أو مُتدرِّجٌ، لكنه يَحدث مع تَراجع الإنتاج، حيث تبدأ أسعار السِّلع والخَدمات في الارتفاع، مِمّا يُثير مَخَاوِف المُستهلكين، فيندفعون لشراء المَزيد أكثر من حاجتهم، التّضخم الجَامح: يحدث هذا النوع من التّضخم عادةً في مرحلة الانتقال من نظامٍ اقتصادي إلى آخر أو في الفترات التي تعقب الحُرُوب، وفيه يَضعف الإنتاج ويزيد الطلب، مِمّا يَنتج مُتتالية ارتفاع في الأسعار يُعَزِّزها أيِّ عَاملٍ يُؤدي لضعف الثقة في الأداء الاقتصادي، التّضخم المُستورد: عندما تَرتفع أسعار السِّلع المُستوردة لأيِّ سَبَبٍ، ويميل المُنتجون لتقليد أسعار المُستورد لتقييمها بما يُعادلها بالعُملة المَحليّة فترتفع أسعار السِّلع المحلية، التّضخم الركودي: في فترات الركود ينخفض المُستوى الإنتاجي، التّضخم المكبوت: غالباً ما يظهر هذا النوع من التّضخم في الدُّول التي تأخذ بالاقتصاد المُوجّه، حيث تَصدر الدولة نقوداً دُون غطاء بهدف الإنفاق العَام للدّولة، مِمّا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة الطلب على العرض بسبب وفرة النقد، فتلجأ الدّولة إلى التّدخل من أجل التّحكُّم بالأسعار عن طريق تحديد حصص من السلع والخدمات لكُلِّ فردٍ، وهو ما يُؤدِّي إلى ظُهُور السُّوق السَّوداء.
كَيفية مُعالجة التّضخم: لمُعالجة مُشكلة التّضخم، ينبغي عَلَى القَائمين على أمر الاقتصاد اتّخاذ عدة تدابير بديلة والاستعانة بالسِّياسة المَاليّة والنقديّة، لكن يجب أن نشير إلى أنّ زيادة الضرائب ليست حلاً واقعياً، لذلك أرى أنّه من المُفترض التّوجُّه نحو التّغيير الجَذري في الرؤية الاقتصاديّة والاجتماعيّة المُعتمدة وضع رؤية واضحة بابتداع مُبادرات جديدة والابتعاد عن النّمطيّة السّائدة في إدارة الشؤون الاقتصادية لزيادة وتنمية الوارد بتخفيض الإنفاق الحكومي وبتقليص الأجهزة الحكومية ودمج بعض الوزارات ببعضها، إضَافَةً إلى إعَادَة النّظر في اللا مركزية لتَخفيف العِبء على المِيزانيّة، ولا يجب الاكتفاء بذلك، فهناك عدّة تَدابير مُهمّة مثل، تتابع استراتيجية التّنمية المُتوازنة والتي تُعظِّم استغلال الموارد الهائلة التي يتمتّع بها السُّودان، الاستفادة من تجارب الدول في مُحاربة التّضخم (ماليزيا ….) مع مُراعاة التباين بين السودان وبينها في بعض الخصائص، وعلى البنك المركزي وضع السياسات الملائمة لإدارة الكتلة النقدية وضبط مُعدّلات التضخم، وإدارة سِعر صَرف العُملة الوطنية مُقابل العُملات الأُخرى بهدف تَحقيق استقرارٍ في سعر العُملة المَحلية دُون التّسبُّب بركود مُسبِّبٍ للبطالة، وإحلال الواردات لتجنُّب التضخم المستورد.
وتكمن أزمة الاقتصاد السُّوداني في عدم التّخطيط والتّنسيق في السِّياسات مع الجِهات المُختصة واتّخاذ القرارات التي تكون لها حُلُولٌ سريعة، ولكن على المدى الطويل تكون هي أحد أسباب الخلل، ففي الوقت الراهن كي يعبر اقتصادنا إلى بر الأمان، نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى صيغةٍ مُتكاملةٍ تَضمن زِيادة الإنتاجيّة، ويجب تحويل الاقتصاد السُّوداني من مُستهلكٍ إلى اقتصادٍ مُنتجٍ وذلك بزيادة وتقوية الإنتاج والإنتاجية والعمل على جذب الاستثمار المُباشر وتقوية القطاع الإنتاجي والاقتصادي والعمل على تهيئة مَنَاخ الاسْتثمار في المَجَالات الإنتاجيّة، إلزام الولايات بِبَرامج اقتصاديّة حسب المُعطيات، يُمكن لكلِّ ولاية أن تتخصّص في المجال الذي يُمكن أن تُعطي فيه أكثر، فكل إقليم له أهميته ومِيزته النّسبيّة في مَجال من المَجالات الإنتاجيّة وعلى المَراكز تَوفير المُعينات اللازمة للولايات والعَمل بصُورةٍ تنمويّةٍ، ولأنّ الزراعة هي قاطرة التنمية بالسُّودان وهي القطاع الأكبر لتحسين مُستوى المعيشة، فيجب زيادة التنمية والرقعة الزراعية بالتمويل والتكنولوجيا البسيطة والمُتوسِّطة لتحسين إنتاجية الفدان وتقليل العمل اليدوي الشّاق، فأرجو أن تحتوي ميزانية العام الجديد مُعدّل إنفاق أكبر بتوجيه وزيادة نصيب الإنفاق في المَجالات التنموية والأكثر إنتاجية والمشروعات التنموية التي تُساعد على تعافي الاقتصاد وخُرُوج السودان من كارثة اقتصادية تلوح في الأُفق، وأتمنى من الله تعالى أن يحفظ البلاد والعباد.
والله الموفق،،،
السوداني



