الفريق طيار الفاتح عروة يفتح قلبه ويبوح بالمزيد من أسراره

حققنا هدفنا من الترشح لمجلس الأمن بإجبار أمريكا للتفاوض معنا

السفير الأمريكي هنـأني بعد خسارتنا لمقعد مجلس الأمن لتنافسنا بشراسة حتى الرمق الأخير

موقف الفريق عبد الرحيم محمد حسين حسم مسألة استمرارنا في الترشح

تقديراتنا كانت تشير إلى عدم خسارتنا من الجولة الأولى للتصويت ولكن (…)

مطالبنا التي قدمناها جعلت السفير كاميرون يصرخ: “نحن لا نقبل أي شروط أو ابتزاز”

حاوره: ماهر أبو جوخ

نواصل في هذه الحلقة الثانية عشر سلسة لقائتنا مع الفريق طيار الفاتح عروة التي أجرته معه صحيفة (الصيحة) وفي هذه الحلقة تناول عروة وتطرق لخوض السودان لمعركة الترشح لانتخابات مجلس الأمن الدولي والتي أوضح أن الدافع الأساسي منها كان إجبار الولايات المتحدة الأمريكية على التفاوض مع السودان، وكشف عن تفاصيل اجتماع جمعه مع رئيس الجمهورية والوفد المرافق له إبان قمة الألفية والتي تم فيها اتخاذ القرار بالاستمرار في الترشح في المنافسة على مقعد مجلس الأمن.

توقفنا في الحلقة السابقة عند استخدامكم للترشح لمقعد العضو غير الدائم لمجلس الأمن الدولي لرفع عقوبات مجلس الأمن المفروضة على السودان، هل صارت الأشياء طبقاً لما خططتم لها؟

– عملية التصويت لعضوية مجلس الأمن الدولي سبقت انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تزامنت مع اجتماعات الألفية الثانية والتي حضرها الرؤساء من جميع أنحاء العالم وبالطبع فإن تلك الانتخابات كانت ستجري بعد اجتماعات الجمعية العمومية بانتخاب كل الأجهزة الخاصة بالأمم المتحدة، وتلك الفترة شهدت ما كنا نصبو إليه بكسر الحاجز بيننا وبين الولايات المتحدة الأمريكية في عملية التفاوض وبالطبع توجد بعض الملفات كالإرهاب حدث فيها تفاوض من قبل أما الملف السياسي فكان تقريباً مغلقاً بسبب موقف المتنفذين في الإدارة الأمريكية والذين يمكننا أن نطلق عليهم الكارهين للنظام في السودان ولكن نجاحنا في أن نكون مرشح أفريقيا الرسمي لمجلس الأمن رغم تحدي مورشيص لترشحينا الأفريقي ورغم أن هذا الأمر كان سلوكاً غريباً على المجموعة الأفريقية، ولكنهم كانوا مدفوعين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكتف بدفعهم، ولكنها تولت قيادة اللوبي وجمع الأصوات لمصلحة ترشيحهم.

بالنسبة لنا فقد بذلنا جهدنا كبيراً في التحرك نحو الدول، وكان يكفينا في تحركتنا تلك بأننا مرشحو أفريقيا الوحيدين وصدر قرار وخطاب من المجموعة الأفريقية يفيد بأن السودان هو المرشح الأوحد للمجموعة الإفريقية وكما ذكرت لك في الحلقة السابقة بأنه لا يوجد مانع قانوني بأن تقوم دولة ما بتحدي هذا الترشيح لكنه في الإطار الأفريقي لم يكن أمراً مقبولاً.

* طبقاً لما ذكرته فإن الوضع كان تنافسياً بينكم وبين الأمريكيين في ما يتصل بمقعد مجلس الأمن الدولي، فهل شهدت الكواليس بداية مفاوضات بينكما بغرض إقناعكم بالتخلي عن ذلك المقعد بعدما فشلت محاولاتهم لإعاقة ترشحكم بواسطة الأفارقة؟

– فعلاً.. هذا ما حدث إذ بدأ تفاوض مباشر من الأمريكيين بغرض إقناعنا بالتنازل عن الترشح لمصلحة مورشيص ومثل هذا أول الانجازات التي سعينا لتحقيقها من كل تلك العملية المضنية والشاقة التي بذلناها حتى نجبر الإدارة الأمريكية للجلوس معنا على طاولة التباحث حول العلاقات السياسية وليست أي قضايا أخرى. في ذلك الوقت كان المندوب الأمريكي هو السفير الراحل ريتشارد هولبروك والذي كان من دعاة التحاور مع السودان، وبالطبع كان لا بد من فتح هذا الحوار بالرغم من تعنت البعض وعلى العموم هذا الحوار بدأ وكلف به السفير هولبوك. لعل تلك المرة الأولي التي يطلب فيها الوفد الأمريكي الحديث معنا مباشرة ووقتها حضر هولبروك بمعية فريقه لبعثة السودان للأمم المتحدة بنيويورك، ونحن لم نجتمع معهم بمقر الأمم المتحدة ولكن في مقر البعثة السودانية وكان هذا بمثابة حدث كبير في حد ذاته نظر له البعض نظرة مختلفة. وقتها كان وزير الخارجية د.مصطفى عثمان إسماعيل، وقد تم معه اجتماع أولى بحضوري وذكر فيه هولبروك بأنهم يرغبون في الوصول إلى حل يرضي الطرفين في ما يتصل بترشيح السودان لعضوية مجلس الأمن لأنه أصبح محل خلاف وتحدٍّ للمجتمع الدولي على حد تعبيره، وإننا يجب أن نصل لاتفاق لكيفية السير بهذا الأمر.

* “مقاطعة..” كيف رددتم على هذا الطلب الأمريكي وقتها؟

– نحن من جانبنا أوضحنا أن هذا حقنا وقلنا له إننا نتمسك بهذا الحق، ونعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية افترت وتجنت علينا كثيراً، ولذلك فإذا كنا سنقبل هذا التنازل فعلينا أن نرى ما هي المغريات التي ستقدم لنا لتغرينا بالتنازل عن هذا الموقف. بعد هذا الاجتماع انعقد اجتماعٌ ثانٍ بغرفة اجتماعات جانبية بمقر البعثة ترأستُ فيه الجانب السوداني فيما ترأس الجانب الأمريكي السفير هيوم كاميرون والذي أصبح بعد سنوات لاحقة قائماً بالأعمال وسفيراً للولايات المتحدة الأمريكية بالسودان. حينما بدأنا النقاش سألت الجانب الأمريكي عن المغريات التي يحملونها وتجعلنا نختار الانسحاب إكراماً لأمريكا؟ فقام كاميرون بالقول إن هذا الأمر قد يفتح الباب أمام الحوار في ما يتصل بعلاقات البلدين، فقلت له ما هي جدوى الحوار؟، إننا نريد رؤية نتائج ملموسة. فطرح على سؤالنا قائلاً وماذا تريد؟، قلت له أولاً نريد رفع العقوبات ثم نتحدث عن بعض المسائل ورفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بجانب رفع العقوبات الأمريكية عن السودان.

* “مقاطعة…” وبماذا رد رئيس الوفد الأمريكي على تلك المطالب؟

– أذكر وقتها أن كاميرون تهيج وصاح بأعلى صوته قائلاً: “نحن الولايات المتحدة الأمريكية لا نقبل أي شروط أو ابتزاز” فقلت له بكل برود وسط ضحكات الدبلوماسيين ببعثة السودان، المشاركون في المباحثات “لماذا غضبت لهذا الحد وفار دمك بهذا المستو”؟، هذا تفاوض أنت سألتني وهذه رغبتنا وإذا كانت رغبتنا هذه لا تعجبكم فهذا أمر آخر ولا يوجد ما يستوجب الهيجان وفوران الدم”، وضحك بعض الحاضرين لهذا التعليق. بعدما انتهيت من حديثي قال كاميرون “حسناً سنبحث في هذا الأمر”. لعله من غرائب الصدف أن يكون السفير كاميرون هو نفسه الذي تتم على يده رفع العقوبات في مجلس الأمن فيما بعد.

في تقديرنا كنا نعلم سلفاً أن أمريكا لن تتنازل وتستجيب لكل مطالبنا ولكننا اعتبرناه بداية للحوار فحضورهم وانخراطهم معنا في حوار مباشر هو كسب كبير للغاية لنا، وطبقاً لذلك فإن واشنطن لن تقوم برفع العقوبات في نفس اللحظة باعتبارها مسألة مفصلية كاتفاقية نيفاشا التي جاءت لاحقاً.

خلال تلك الفترة حدثت أمور طريفة في هذا الأمر، ومن بينها أن المفاصلة وسط جناحي الإسلاميين في ذروتها بين مجموعتي الرئيس البشير من جهة والشيخ د.حسن الترابي والتي ألقت بظلالها على الكثير من السياسات الخارجية خاصة في ما شهدته شخصياً، ومن تلك المواقف الطريفة التي حدثت في هذا الأمر إبان وجود الرئيس البشير بنيويورك لحضور قمة الألفية الثانية للأمم المتحدة، وخلال الجلوس بمنزلي صباحاً مفترشين الأرض بعد صلاة الصبح وونحتسي شاي الصباح ونتبادل الحديث قلت لهم إنني أريد قراراً في ما يتصل باستمرارنا في الترشح لمجلس الأمن أو التنازل بحساب الفوائد والمضار المترتبة على أي من الخيارين، وقدمت شرحاً وافياً حول الأسباب التي دفعتنا لانتهاج هذا المسار، وقلت لهم بأن حضور الأمريكان وانخراطهم في مفاوضات معنا ورغم عدم توصلنا لنتيجة معهم في ما قمنا بتعبئة المجتمع الدولي بأن السودان مظلوم وبات أمراً واضحاً، وحظينا بتعاطف كبير، ولذلك فإن الخيارات المتاحة أمامنا أما الاستمرار في الترشح حتى النهاية أو الانسحاب.

* ما هي تقديرات الموقف الخاصة التي استعرضتعها يومها للرئيس ومرافقيه في ما يتصل بالتنافس على مقعد مجلس الأمن؟

أوضحت لهم أنه في حال استمرارنا لا أستطيع أن أضمن تحقيق الفوز، ولكن المؤكد أن المنافسة ستكون حادة، ولن يحسم التصويت في الجولة الأولى وقد يحسم في الجولة الثانية أو الثالثة على الأقل، وإذا ما حدث ذلك فربما يذهب الأمر لمصلحة الطرف الثاني نظراً لوجود دول التزمت بالتصويت للسودان في المرة الأولى، أما في المرة الثانية والثالثة فسينظرون إلى عدد الأصوات، ومن ثم يقررون ويغيرون التصويت، لذا لن نستطيع أن نضمن ذلك. في نفس الوقت ذكرت لهم أن الأمر بالنسبة لي سيان سواء خضنا المنافسة أو انسحبنا منها لأن الغرض الأساسي الذي خضنا من أجله هذه المعركة قد تم بالفعل وحققناه، ولذلك فإن خضنا الانتخابات وخسرناها فلن تكون خسارة، وكذلك إذا ما انسحبنا فأيضاً لسنا خاسرين والقرار بات أمام القيادة السياسية لتقرر.

ورغم أن للمجالس أسرارها إلا أنني أعتبر أن الأمر عاديٌّ، وسأورده في هذا السياق باعتباره جزءاً من التاريح ويحتوي على قدر من الطرائف وتظهر بعض إفرازات المفاصلة، فالسيد الرئيس عرض الأمر لشورى المجموعة الموجودة وقتها وضمت كل من وزراء المالية محمد خير الزبير والخارجية د.مصطفى عثمان إسماعيل وزير الرئاسة اللواء وقتها – الفريق أول ركن مهندس لاحقاً – عبد الرحيم محمد حسين وأذكر أن الرئيس قال إنه يتفهم ما قلته ويعتبره صحيحاً بأننا وصلنا لأهدافنا من هذه الحملة وطرح عليهم تساؤلاً حول ما يرونه في ما يتصل بخياري الاستمرار أو الانسحاب. وأذكر أن وزير الرئاسة الأخ عبد الرحيم محمد حسين قد ابتدر الحديث بشكل قوي وذكر أننا وجدنا العزة ولا داعي للتنازل، ولذلك علينا الاستمرار في الترشح مهما كانت النتائج باعتبارها عزة لنا بغض النظر عن مسار ونتيجة التصويت في ما كان رأي البعض الآخر أن الأمريين سيان في كلا الحالتين طبقاً لما ذكره السيد الرئيس.

وقتها ضحك الرئيس ضحكة طويلة وقال لي إن صاحبك هذا – وكان يقصد وزير الرئاسة اللواء وقتها عبد الرحيم محمد حسين- يعلم سلفاً أن النتيجة لن تختلف سواء استمرينا أو لا ولكن صديقك هذا يصر على خوض غمار المنافسة ليس استناداً لما قلته أنت أو ينظر لما يحدث بالجمعية العمومية، ولكنه ينظر للمفاصلة الحالية بالسودان لخشيته أن نتهم حينها بأننا تنازلنا للأمريكان وأصبحنا لعبة في أيديهم ويتم استخدامها في المعركة السياسية الداخلية الدائرة بالخرطوم وبشكل سريع رد عبد الرحيم قائلاً: “أيوا نعم هذا هو مقصدي ودافعي ولن نعطي أي شخص فرصة للقدح فينا والقول بأننا تنازلنا عن الثوابت”.

لاحقاً تم الاتفاق على استمرارنا في معركة الترشح وطبعاً أقيمت الانتخابات بعد عودة الرئيس ومرافقيه للسودان في أكتوبر 2000م واحتاج الأمر لأربعة جولات حيث حزنا في الاقتراع الأول على 69 صوتاً في حين حصلت موريشيوص على 96 صوتاً أما في الاقتراع الثاني فنلنا 65 صوتاً مقابل 102 صوت لموريشيوص وهذا النقصان كما ذكرت لك سالفاً ناتج لاشتراط الدول التي وافقت على التصويت لنا بالالتزام بالتصويت في المرة الأولى. أما في الجولة الثالثة من التصويت فحصلنا على 58 صوتاً مقابل 110 صوتاً لموريشيوص أما الجولة الرابعة والأخيرة فقد رجحت الكفة بالنسبة لموريشيوص بحصولها على 130 صوتاً مقابل 55 صوتاً، وهو ما كفل لها الفوز بالعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن عن القارة الأفريقية بديلاً لنامبيا ويلاحظ أن عدداً كبيراً من الدول ظل يصوت باستمرار لصالح السودان رغم تناقص الأصوات، وهذا دليل واضح للجميع بأن السودان بدأ يتعافى وسط المجتمع الدولي. وأذكر وقتها أن هولبوك قام بتهنئتي بعد إعلان النتيجة على الرغم من خسارتنا للمقعد باعتبارنا نافسنا بشرسة حتى الرمق الأخير، ولم نكن لقمة سائغة تمكنوا من ابتلاعها بكل سهولة لقد عانوا حتى تمكنوا من إبعادنا من عضوية مجلس الأمن، وكما ذكرت لك سابقاً فإننا أيضاً خرجنا منتصرين بتحقيقنا لكل أهدافنا التي وضعناها مسبقاً.

المصدر:صحيفة الصيحة

Exit mobile version