اتفاق السودان.. ضغوط أمريكية وإشارات إلى “وأد” الحراك

كُشف عن ممارسة واشنطن ضغوطاً على أطراف الأزمة السودانية، ما دفعها إلى التوصل الجمعة إلى اتفاق “تقاسم السلطة”، الأمر الذي رأت فيه قوى سياسية انقلاباً وتدخلاً أجنبياً، وسط تحذيرات من تكرار مشاهد من الربيع العربي، وعودة وجوه النظام القديم إلى الواجهة.

بعد التوصّل إلى اتفاق بين المجلس العسكري السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير الجمعة، قال نشطاء ومسؤولون إن اتفاق “تقاسم السلطة” جاء بعد أن مارست الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب “ضغوطاً شديدة” على الجانبين، بدعوى وجود مخاوف من استمرار الأزمة التي قد تدفع البلاد الى حافة الحرب الأهلية، حسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.

 

من جهة أخرى اعتبرت قوى سياسية سودانية تمثّلها “تنسيقية القوى الوطنية”، أن “الثورة السودانية تختطفها ثلة من قادة الأجهزة العسكرية”، وأن الاتفاق ليس إلاً انقلاباً “دعمته ونسّقته قوى إقليمية ودولية”.

الدور الأمريكي الإقليمي الذي ظهر أنه كان حاسماً في التوصل إلى الاتفاق، يطرح عدداً من الأسئلة حول مصير الحراك الشعبي في البلاد، ويثير مخاوف من أن تكون نتائج الحراك السوداني هي تغيير رأس النظام فقط، كما حدث في دول عربية أخرى.

 

واشنطن ضغطت على الجميع

نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مُطلعين على خبايا المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، قولهم إن التوصل إلى اتفاق سبقه اختراق رئيسي تحقّق خلال اجتماع سري في اليوم السابق، حينما مارس دبلوماسيون من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات ضغوطاً على الجانبين للقبول بمقترحات من الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا.

وقال ناشط بارز طلب عدم الكشف عن هويته، إن “الاجتماع كان متوتراً، لكنّه كان مهمّاً؛ لقد أذاب الجليد. كان الاجتماع حجر الزاوية في اتفاق يوم الجمعة”.

وقال ناشطان بارزان ومسؤول عسكري سوداني ومسؤولان مصريان، إن الجهود المكثفة التي بذلتها الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق، جاءت بعد تعيين دونالد بوث مبعوثاً خاصاً للخرطوم منتصف يونيو/حزيران الماضي، حسب وكالة أسوشيتد برس.

 

ورفض مسؤولو وزارة الخارجية الأمريكية التعليق على جهود الولايات المتحدة للتوسط في الاتفاق، وقالوا فقط إن واشنطن ترحب بالاتفاق، وأشادوا بالاتحاد الإفريقي وإثيوبيا لجهود الوساطة التي بذلاها.

وقال مسؤولون عرب لوكالة أسوشيتد برس، إن الولايات المتحدة لم تصعد الضغط على الجيش فحسب، بل وعلى السعودية والإمارات ومصر أيضاً، وهي الدول التي دعمت إطاحة الجيش بالبشير، وانحازت لجنرالاته عندما بقي المحتجون في الشوارع.

 

وقال مسؤولان مصريان مطلعان بشكل مباشر على اجتماعات بوث في القاهرة الشهر الماضي، إن الولايات المتحدة “حثّت” الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على دعم مقترح الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا، و”ضغطت” على الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري السوداني الحاكم، للرد بشكل إيجابي.

وأضاف أحدهما “تلقينا رسالة مباشرة من البيت الأبيض: سهِّلوا التوصل إلى اتفاق بين الجيش والمتظاهرين”.

وقالا إن نفس الرسالة نُقلت للسعودية والإمارات، الحليفتين المقربتين من واشنطن اللتين تعهدتا بتقديم مليارات الدولارات للجيش السوداني بعد الإطاحة بالبشير.

كما مارست الولايات المتحدة وحلفاؤها، ضغوطاً على المتظاهرين، الذين يمثلهم ائتلاف يُعرف باسم قوى إعلان الحرية والتغيير.

ويقول النشطاء إن الولايات المتحدة والدول العربية تواصلت مع فصائل منفردة، هددت بعد ذلك بالتفاوض بشكل منفصل مع الجيش، قبل أن يستسلم قادة الاحتجاج عندما بدا أن التحالف كان عرضة لخطر التصدع.

 

ونقلت وكالة أسوشيتد برس، أن الجهود الأمريكية تُوجت بعقد اجتماع سري في 29 يونيو/حزيران في منزل رجل أعمال سوداني حضره زعماء الاحتجاج وكذلك برهان ودقلو، كما حضر مسؤولون من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات.

ومع نهاية الاجتماع الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات، اتفق الجانبان على إبرام اتفاق في غضون أيام. بعدها مضى قادة الاحتجاجات في المسيرات في اليوم التالي، قائلين إنهم بحاجة إلى وقت لإعداد الناس للاتفاق.

وبعد خمسة أيام في 5 يوليو/تموز، أعلن الجانبان أنهما توصلا إلى اتفاق لتقاسم السلطة.

 

اعتبر تحالف معارض في السودان الأحد، أن المجلس العسكري الانتقالي مارس “الإقصاء” في حق الأحزاب السياسية، عبر قصره التفاوض على قوى إعلان الحرية والتغيير.

وقال القيادي في تنسيقية القوى الوطنية علي الحاج، في مؤتمر صحفي، إن الأخيرة أبلغت رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان، رفضها الاتفاق، ودعا قوى الحرية والتغيير إلى التفاوض مع الأحزاب مباشرةً، واستبعاد المجلس العسكري من المشهد السياسي.

وكانت تنسيقية القوى الوطنية التي تضم 179 حزباً وحركة مسلحة وتحالفاً شبابياً في 7 كتل سياسية كبيرة، دعت في بيان السبت، إلى إسقاط الاتفاق السياسي واصفة إياه بـ”الاتفاق الإقصائي”.

 

واعتبرت التنسيقية في بيانها أن “الثورة السودانية تختطفها ثلة من قادة الأجهزة العسكرية الطموحين بالتعاون مع شلة من الأحزاب تَسمَّت بقوى الحرية والتغيير، وهي ليست بقوى حرية ولا تغيير بل هي الوجه المدني للانقلاب العسكري على الثورة”.

وتابعت “الانقلاب الذي تم بدعم وتنسيق من قوى إقليمية ودولية ظلت تعمل على فرض أجندتها الأمنية والسياسية والاقتصادية على السودان منذ مبارحة المستعمر لأرض السودان، لا سيما المحور الإقليمي المعروف بإجهاضه ثورات الربيع العربي”.

وقالت التنسيقية إن “السودان يعاني من الاتفاقيات الثنائية بمبادرات إفريقية تحولت لدولية لتكريس الوصاية والتدخل الأجنبي، وما ينتج عنها من اختطاف للحياة السياسية ومصادرة لحق الاختلاف والتعدد وتغييب لمبدأ التشاركية في تدبير شؤون البلاد”.

 

قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إن اتفاق السودان “جعل كثيرين يتخوفون من أن تدخّل القادة العسكريين سيّئي السمعة في خطة السودان للانتقال إلى حكم مدني، يُشير إلى أن البلاد ستتبع كُتيب إرشادات قديماً خيّم على كل الانتفاضات الشعبية العربية في 2011 تقريباً: سقوط الرجل القويّ، واستمرار حلفائه”.

وأضافت الصحيفة أنه إذا ما اتجه قادة السودان العسكريون إلى تأجيل الإصلاح، فسيتبعون نفس المسار الذي ترسّخ في عدد من دول الربيع العربي، إذ “استطاع أفراد من داخل النظام الصعود إلى السلطة مجدداً، وتعطيل محاولات الإصلاح الديمقراطي في بعض الحالات”.

 

من جهته، قال الأستاذ في جامعة ماكغيل الكندية، خالد مصطفى مدني، إن التخوّف الرئيسي يكمن في أن “يستخدم وجوه النظام تكتيكات تسويفية أو أن يشقوا صفّ المعارضة أو يضمّوها إلى صف النظام قبل حلول موعد تسليم السلطة”.

 

TRT عربي




رفيف أحمد

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.