ماهو غسيل الأموال..وكيف تتسرب الاموال و ماهي آثاره على الاقتصاد والافراد

كتب :نور الدين عبد الباقي المهدي
تشكل معالمية غسيل الأموال مشكلة، إذ يقدر خبراء صندوق النقد الدولي حجم الأموال المغسولة سنوياً بمبلغ يتراوح (620) مليون دولار و(106) ترليون دولار بما نسبته (2% إلى 5%) من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 1999م أي بما يعادل أكثر من ضعف قيمة الناتج العالمي من البترول، وتشير بعض البيانات المتوافرة إلى أن عملية غسيل الأموال في روسيا تتراوح ما بين (25 و50%) من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا ونحو (10%) لجمهورية التشيك و(7% إلى 3%) لبريطانيا وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي يتم فيها غسيل الأموال.
حيث تقدر حجم الأموال التي يتم غسلها سنوياً عن جرائم المخدرات وحدها نحو (3000 مليار دولار) تليها سويسرا والمكسيك وروسيا وإسرائيل والفلبين والدومنيك وباناما وامارة لختشينو قد أدت ظاهرة غسيل الأموال إلى ظاهرة ظهور طائفة جديدة من المجرمين مستقلة ومختلفة عن طائفة المجرمين في الجرائم السياسية من مرتكبي الجرائم الدولية المنظمة التي نتجت عنها الأموال غير النظيفة وهذه الطائفة من المجرمين تؤدي خدمات للمجرمين الآخرين وتضم أشخاصاً من المحامين والمحاسبين والمصرفيين ورجال الأعمال وذلك لما تدره من أرباح طائلة تتراوح ما بين (2- 20%) من حجم الأموال التي يتم غسيلها.
إن الهدف الرئيسي من غسيل الأموال هو إضفاء الشرعية على الأموال هي في الأصل ذات أصل غير مشروع.
أولاً: ماهية غسيل الأموال:
وكان يبدو غريباً جداً على لغة الأجهزة الشرطية المعنية ومبهمة بالنسبة للكثير من الناس وبدأ استخدام هذا المصطلح في الولايات المتحدة نسبة إلى مؤسسات الغسيل التي تملكها المافيا وهي مؤسسات نقدية كان يتاح فيها مزج الإيرادات المشروعة مع الإيرادات غير المشروعة تظهر عندها كافة الإيرادات كأنها متحصلة من مصدر مشروع وكان أول استخدام لتعبير غسيل الأموال في سابق قانوني أو قضائي حصل في قضية ضبطت في الولايات المتحدة إشتملت على مصادرة أموال قيل إنها مغسولة ومتأتية من الإتجار غير المشروع للكوكايين الكولمبي وقد تطورت علميات غسل الأموال بعد ذلك وأصبحت أكثر تعقيداً واستخدمت أحدث تكنولوجيا لإخفاء منابع الأموال أو مصدرها أو استخدامها الحقيقي.. وبتعريف أكثر يعتبر غسيل الأموال هو عملية من شأنها إخفاء المصدر غير المشروع الذي اكتسبت منه الأموال ونعرفه بأنه عملية يلجأ إليها من يعمل في تجارة المخدرات والجريمة المنظمة وغير المنظمة لإخفاء المصدر الحقيقي للدخل غير المشروع والقيام بأعمال أخرى للتمويه على الدخل الذي تحقق.
مراحل الغسل:
يمر هذا النشاط بثلاث مراحل أساسية.. المرحلة الأولى يتم تجزئة الأموال القذرة إلى مبالغ صغيرة أقل لفتاً للإنتباه ويتم إيداعها في حسابات مصرفية متعددة كما يمكن أن يتم من خلالها شراء العقارات الذهب والمجوهرات الثمينة أو التحف النادرة أو السلع المعمرة أو شراء الأسهم والسندات أو الدخول في مشاركات استثمارية داخل البلاد وخارجها, وفي المرحلة الثانية يتم إجراء تصرفات جديدة لتغيير الاستخدامات التي تمت في المرحلة الأولى في محاولة لقطع الصلة بين المصدر والحصيلة.
حيث يلجأ الدخل غير المشروع إلى بيع ما إشتراه من خلال تحويل الأرصدة إلى حسابات في مصارف دولية منتشرة حول وفي المرحلة الثالثة والأخيرة من العملية يأتي دور إدماج المال المنظف مجدداً في دورة الاقتصاد الداخلي أو الدولي على شكل استثمارات مباشرة كالعقارات أو في السلع الضخمة والاستثمارات في البورصة أو شراء الحصص من الشركات.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية لغسيل الأموال:
الآثار الاقتصادية:
إن نجاح تسرب الأموال المغسولة إلى الاقتصاد القومي يؤدي إلى حدوث تشوه في نمط الإنفاق والاستهلال مما يؤدي إلى نقص في المدخرات اللازمة للاستثمار وبالتالي حرمان النشاطات الاقتصادية المهمة من الاستثمار النافع.
إن نجاح خروج الأموال المغسولة إلى الاقتصاد القومي يؤدي إلى حدوث تشوه يؤدي زيادة العجز في ميزان المدفوعات وحدوث أزمة سيولة في النقد الأجنبي مما يهدد الاحتياجات في العملات المدخرة من الدولار الأمريكي والعملات المدخرة.
أثبتت إحدى الدراسات التي أعدت في الولايات المتحدة بأن غسل الأموال يؤدي إلى إنخفاض الأموال بنسبة (22%) في المتوسط حيث ينمو القطاع الاقتصادي غير الرسمي بمعدل أسرع من معدل النمو لاقتصادات القطاع الرسمي.
يرتبط غسيل الأموال بزيادة الإنفاق البذخي وغير المرشد مما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار المحلية وحدوث ضغوط تضخمية في الاقتصاد القومي.
يؤدي غسيل الأموال إلى حدوث خلل في توزيع الدخل القومي وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء (محدودي الدخل في المجتمع) مما يؤدي بدوره إلى عدم وجود استقرار إجتماعي مع إمكانية وجود صراع طبقي وأعمال عنف.
إن تسرب الأموال المغسولة إلى الاقتصاد القومي للدولة يمكن أن يؤدي بالحكومة لفرض ضرائب جديدة أو زيادة معدلات الضرائب المالية من أجل تغطية الفجوة بين الموارد المتاحة واحتياجات الاستثمار القومي بعد تهريب الأموال إلى الخارج وهو يعني زيادة الأعباء على أصحاب الدخل المشروع في المجتمع.
يؤدي غسيل الأموال إلى تعطيل تنفيذ السياسات المالية العامة عن طريق التهرب من دفع الضرائب مما ينعكس سلباً على ميزان المالية العام وبالتالي على موارد الحكومة المتاحة لمقابلة التزاماتها على أدائها الاقتصادي والاجتماعي.
تؤدي عملية غسيل الأموال إلى إنهيار البورصات التي تستقبل الأموال الناتجة عن الجرائم الاقتصادية حيث يكون اللجوء إلى شراء الأوراق المالية في البورصة ليس بهدف الاستثمار ولكن من أجل إتمام مرحلة معينة من مراحل غسيل الأموال ثم يتم بيع الأوراق المالية بشكل مفاجئ مما يؤدي إلى حدوث إنخفاض حاد في أسعار الأوراق المالية بشكل عام في البورصة ومن ثم إنهيارها بشكل عام مأساوي.
يهدد غسيل الأموال الشفافية الدولية والقطرية في أسواق المال كما يهدد السمعة الحسنة في أسواق المال ويعلم موظفيها مما يخلق مناخاً مناسباً لوجود أسواق سيئة السمعة وضعيفة المصداقية.
يمكن لغسيل الأموال أن يؤدي إلى إعادة توزيع الدخل إذ يؤدي إلى بروز مستثمرين جدد لهم قدرات كبيرة في مجالي الإدخار والاستثمار على ولوج مجالات الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر مما ينعكس سلباً على رجال الأعمال والمستثمرين من جهة وعلى النمو الاقتصادي من جهة أخرى.
يمكن للمعاملات غير القانونية الناتجة من غسيل الأموال أن تضر بالمعاملات القانونية عن طريق العدوى مثلاً تصبح بعض المعاملات التي تشمل مشاركين أجانب رغم أنها قانونية تماماً أقل جاذبية بسبب إرتباطها بغسيل الأموال وبصفة عامة فإن الثقة تقل في الأسواق كذلك تقل كفاءة دور الأرباح بسبب إنتشار جرائم خبراء البورصة والغش والإختلاس بالإضافة إلى أن الاستهتار بالقانون ينتقل بالعدوى لذا إن خرق أحد القوانين الأخرى.
إن حجم غسيل الأموال بشكل عيني يؤدي إلى زيادة حجم الواردات الأجنبية ومن ثم المساهمة حدوث اختلال في الحساب الجاري لميزان المدفوعات زيادة المعروض عملة الدولة مقابل عملات الدول الأخرى ومن ثم تجاه قيمة العملة الوطنية إلى الإنخفاض خاصة في ظل الإتجاه إلى تطبيق سياسية اقتصادية أكثر انفتاحاً على الاقتصاد العالمي.
تؤثر عمليات غسيل الأموال على حركة المبادلات المشروعة وتزج بأصحابها إلى التورط في العمليات الإجرامية.
يؤدي تنامي هذا النوع من الجرائم إلى زيادة نفقات الأمن والدفاع على حساب بقية القطاعات سيما الاجتماعية منها في عمليات تحقيق الأمن العام تنقسم إلى عدة مجالات أكثرهما أهمية الأمن الإقتصادي والأمن الاجتماعي حيث سلامة المرافق الاقتصادية ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي وحماية المال العام والمرافق الأخرى, وتشير البيانات المتاحة إلى أن نفقات الأمن والدفاع تستحوذ على ما نسبته (2704%) من الإنفاق الجاري في الدول العربية سنة 2000م.
الآثار الاجتماعية لغسيل الأموال:
يؤدي غسيل الأموال إلى حدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية فقد أثبتت الدراسات والأبحاث التي أجريت إلى وجود علاقة بين غسيل الأموال وحركات الإرهاب والتطرف والعنف الداخلي فضلاً عن نشاط المافيا العالمية ودورها في حدوث الانقلابات السياسية في بعض الدول النامية مما قد يزعزع أمن واستقرار المجتمعات النامية في دول العالم الثالث.
إن عملية غسيل الأموال تؤدي إلى تشويه المناخ الديمقراطي في المجتمع.. حيث يصعد أصحاب الدخول غير المشروعة في مقاعد البرلمان والمجالس الشعبية واتحادات التجارة والصناعة وتعلو نجومهم إعلامياً في جميع وسائل الإعلام ولكنهم يعمدون استثمار جميع ما سبق لدعم وجودهم في مزاولة الأنشطة الإجرامية والإستفادة فيما ينتج عنها من ثمار مالية.
تسرب الأموال غير المشروعة إلى المجتمع يقلب ميزان البناء في البلاد في صعود المجرمين القائمين على غسيل الأموال إلى هرم المجتمع في الوقت الذي يتراجع فيه مركز المكافحين إلى أسفل القاعدة إن لم تتضافر جهود المجتمع عامة في المكافحة.
إذا أصبح المال هو معيار القيمة في المجتمع بصرف النظر عن مصدره بالسلام الاجتماعي.
تؤدي عمليات غسيل الأموال إلى إنعدام القيم والروابط بين الأفراد في المجتمع فاستمرار الأنشطة غير المشروعة التي تقتضي مشروعاً للبقاء على عائداتها الضخمة في مأمن عن استغلالها في أنشطة أخرى مشروعة يؤدي إلى العزوف عن القيام بالأنشطة المشروعة من جانب الشباب الأمر الذي يؤدي إلى تفشي ظاهرة الأنانية وتصبح مسألة الوطن والإنتماء إليه في الدرجة الثالثة.
تساهم ظاهرة عمليات غسيل الأموال في شيوع تحدي القانون وروح التمرد لدى الشباب والإستهانة بالشرعية وعدم الرغبة والتمسك بالأنظمة والقوانين المعمول بها نتيجة عدم التوازن الاجتماعي والاقتصادي.
تساهم الرشوة التي يدفعها غاسلو الأموال في تدمير النسيج القيمي الأخلاقي للمجتمعات حيث تقدم الرشوة لرجال الأمن والسياسة كي يغضوا أبصارهم عن أنشطة جماعة الإجرام غير المشروعة كما هو حاصل الآن في روسيا ودول أوروبا الشرقية.
خاتمة:
عرضنا عليكم جانباً مهماً من الآثار الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بعمليات غسيل الأموال بينما خطورة هذا النوع من الجرائم الاقتصادية على مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية ومنها العربية الأمر الذي يتطلب من حكومات هذه الدول بذل الجهود للحد من تنامي هذا النوع من الجرائم بالقوانين الرادعة للحيلولة دون تعرض الاقتصاد المحلي لهزات وانتكاسات مفاجئة.



