“بشوفتها جنو النُصاح الشافعة ما شافعه نصاح” زواج القاصرات.. الفرح الملغوم والبراءة المغتصبة

تم خداعها بأن زواجها تمثيلية فلقيت حتفها في اليوم التالي

كيف تحدت تهاني الفقر وأغلقت الباب في وجه المليونير العجوز

بروف بلدو: زواج القاصرات ما هو إلا اعتداء جنسي على الأطفال

سقطت من أعلى بناية بعد أن اكتشفت استحالة الحياة مع رجل يكبرها في السن

ياسمين: وجدت نفسي طفلة وزوجة أحمل على كتفي أعباء جمة

تحقيق: معاوية السقا

عرف الإنسان الأول زواج صغيرات السن منذ عصور ما قبل التاريخ وكما يبدو ذلك جلياً من النقوش على جدران الكهوف، واستمر الأمر على هذا الحال حتى في عصور الأمبراطوريات الشهيرة مثل الرومانية والفارسية والبيزنطية وعصور المغول و خلال عهود الظلام في اوربا وامتد الأمر ليشمل رقعة واسعة من العالم نسبة للتوارث وولاية العرش فقد عهد لمجموعة من الصغيرات باعتلاء سدة الحكم ولو صورياً خاصة في عهود المماليك ولذلك كان يتم تزويجهن باكرًا، وقد اعترض على ذلك عدد من عقلاء الملوك مثل الظاهر بيبرس البندقداري وقطز وقلاوون، وفي العهد الجاهلي كانت الفتيات تقتل وتوأد ولذا كان أمر زواج القاصرات يعتبر ترفاً، لتستمر تلك الممارسة في العصر الحديث ، ومؤخرا باتت الصغيرات القاصرات مطلباً لدى الكثير من الرجال، لتبرز على ضوء الهجمة المحمومة عليهن جملة من التحذيرات وتنتج الكثير من القصص الحزينة والمؤلمة:

جزء من المنظومة

والسودان كجزء من المنظومة العالمية عرف من خلال الحقب المختلفة زواج القاصرات منذ مملكة نبتة والممالك المسيحية ومرورا بالحكم التركي والمصري والانجليزي وعطفاً على مملكة سنار وعصر المهدية، وخلال الحقب الوطنية وإلى هذه اللحظة، ولم يكن التغزل في الفتيات الصغيرات عيباً ولا حرامًا في نظر الكثيرين بل ان الكثير من عيون شعر الحقيبة وأغاني الرواد قد تم نظمها في طفلات بالمعنى الحقيقي للطفلة ومن أمثلة ذلك:

(يا نعيم الدنيا)

(غضبك جميل شكلك بديع)

الشافعة ما شافعة نصاح

بشوفتها نصحوا المجانين بالسنين

لكن كمان جنوا النصاح

ومن الغناء الشعبي:

متين لبستي التوب

كبرتي علي انا

وغيرها من الأغنيات الكثيرة جداً.

تجربة شخصية

لم تجد ياسمين أدنى حرج وهي تسرد، تجربتها الخاصة وتفاصيل معاناتها جراء زواجها المبكر قبل عشرين عاماً، وهي لم تكمل حينها الرابعة عشرة من عمرها وفي محاولة لإيصال رسالة للفتيات والاسر بخطورة هذا الزواج الملغوم وتبعاته في إلحاق الظلم بحق الطفولة، وقتل الأحلام البريئة روت ياسمين تفاصيل زواجها برجل يكبرها بـ 23 عاما وهي ما تزال في الصف الثامن.

أحلام مشروعة

تقول كنت متفوقة في المدرسة وكان لدي كثير من الصديقات اللواتي ما زلت أذكرهن حتى الآن وكنت أحلم أن أدخل الجامعة مثل أي فتاة أخرى ولم أكن أتمتع آنذاك بنضج فكري يؤهلني لاتخاذ قرار مصيري كالزواج غير أن شاباً تقدم لخطبتي في ذلك الوقت، وبتشجيع من والدي وإخوتي للعريس وافقت علي مضض.

طفلة وزوجة

وتضيف ياسمين: لعبوا بعقلي وأقنعوني به ولم أعرف حينها ماذا أقول لأجد نفسي طفلة وزوجة تحمل على كاهلها أعباء جمة لم يستطع صغر سني استيعابها، ومما شجع ياسمين أكثر على فكرة الزواج كما تقول، الأفلام والمسلسلات التي كانت تصور جمال الحياة الزوجية وخلوها من المشاكل، من دون التركيز على المسؤوليات الكثيرة، التي بالكاد تستطيع أن تقوم بها الزوجة الناضجة، والتي تدرك تحمل مسؤولية بيت وأسرة.

قفص حديدي

وتتابع “وافقت على الزواج ودخلت (القفص الحديدي)، الذي تطلب مني عملاً متواصلا لخدمة بيتي وزوجي، وعند إنجابي الطفل الأول، ازدادت الضغوطات علي، ولم أعد أعرف من أين أبدأ ومن أين أنتهي، وشعرت أنني تائهة، لا أدرك كيف أتصرف وما تزال ياسمين تشعر بغصة كبيرة، وهي ترى صديقاتها قد تقدمن في دراستهن، وحصلن على الشهادات الجامعية، وتضيف “صديقاتي يحملن الآن شهادات عليا في الطب والهندسة، واستفدن من تجارب الحياة أكثر مني، وأنا لم أتعلم سوى تنظيف المنزل ورعاية الأطفال.

عدى فات

وتردف عمري الآن 34 عاماً، وزوجي 58 عاماً، وابني الكبير في الجامعة، وهذا يشعرني بأنني أضعت سنوات عمري التي مرت سريعاً، ولم أعش طفولتي البريئة، ومن واقع تجربتها، ترجو ياسمين من الاسر رفض تزويج بناتها في أعمار صغيرة، حتى وإن وافقت الفتاة على ذلك، فهي لا تدرك مصلحتها في هذا العمر، ولن تستطيع تحمل مسؤوليات ما تزال صغيرة عليها، وتدعو إلى عدم المقارنة بين النساء اللواتي تزوجن في عمر أقل من ذلك، واستطعن تحمل المسؤولية وأعباء الحياة وتربية الأبناء، مبينة أن الحياة اختلفت، ولا تستطيع فتاة اليوم، تحمل الأعباء نفسها التي كانت النساء في الماضي يتحملنها.

رفض بات

وترفض ياسمين الآن، تزويج ابنتها البالغة من العمر 17 عاماً، ولا تتصور أن تخوض هذه الطفلة بنظرها التجربة ذاتها، بعد أن ذاقت سلسلة من المرارات عبر عشرين عاماً، وتؤكد لن أقبل تزويجها، إلا بعد أن تنهي دراستها الجامعية، لتصبح قادرة على الاختيار بعقل وفكر ناضجين، وعندما أجد بأنها مستعدة لخوض تجربة الزواج، سأقوم بتوجيهها ومساعدتها.

راية التحدي

صدمة كبرى تلقتها القاصر تهاني بعدما اخبرتها والدتها بأن عبد الجبار الرجل الثري يرغب في الزواج منها فما كان منها الا ان ترفض وبشدة الزواج من رجل عجوز كهذا قالت تهاني مندهشة عندما تزوج ذات الرجل من أميمة ذات الأربعة عشر ربيعاً ولم تكن تتخيل أن يأتي الدور عليها لتكون هدفاً لنزوات الرجل العجوز الثري ولكنها رفعت راية التحدي والعصيان وفي وجه والدتها وتمسكت برأيها الرافض للزواج وهي لا تزال في السن الصغيرة برغم كل ما تلاقيه من تعذيب وضرب من قبل والدتها لإجبارها على الموافقة .

تأخر الإنجاب

وبحسب بروفسور الحسن محمد استشاري أمراض النساء والتوليد فإن زواج القاصرات يؤدي الى اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل، هذا بجانب الآثار الجسدية (تمزق المهبل والأعضاء المجاورة له من آثار الجماع) وازدياد نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام إضافة الى أمراض مصاحبة لحمل صغيرات السن من أبرزها حدوث القيء المستمر عند حدوث الحمل لدى صغيرات السن وفقر الدم والإجهاض، حيث تزداد معدلات الإجهاض والولادات المبكرة وذلك أما لخلل في الهرمونات الأنثوية أو لعدم تأقلم الرحم على عملية حدوث الحمل ما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي لحدوث نزيف مهبلي والولادة المبسترة (المبكرة) وارتفاع حاد في ضغط الدم قد يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات وزيادة العمليات القيصرية نتيجة تعسر الولادات في العمر المبكر، وارتفاع نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل وظهور التشوهات العظمية في الحوض والعمود الفقري بسبب الحمل المبكر ، وكشف بروف الحسن عن وجود آثار على صحة الأطفال منها اختناق الجنين في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية المغذية للجنين والولادة المبكرة وما يصاحبها من مضاعفات مثل: قصور في الجهاز التنفسي لعدم اكتمال نمو الرئتين واعتلالات الجهاز الهضمي وتأخر النمو الجسدي والعقلي وزيادة الإصابة بالشلل الدماغي والإصابة بالعمى والإعاقات السمعية والوفاة بسبب الالتهابات

آثار نفسية وجسدية

وتعدد نهال الباحثة الاجتماعية الآثار النفسية والجسدية الناجمة عن زواج القاصرات، وتقول في هذا الصدد يتسبب زواج القاصرات في أضرار نفسية وجسدية عند الطفلة المتزوجة، كما ينطوي هذا الأمر على مخاطر نفسية وجسدية تهدد صحة أطفال الأمهات القاصرات، أما عن الجانب الصحي البدني للطفلة المتزوجة، فإن زواج الطفلة يتسبب في معاناتها من الحرمان العاطفي من حنان الوالدين، والحرمان من عيش مرحلة الطفولة، مما قد يؤدي إلى حدوث ارتداد لهذه المرحلة في صورة أمراض نفسية. ويمكن للقانون أن يحد من كل هذه الآثار ويتغلب على العادات المترسخة لدى سكان بعض القرى، بتوفير برامج التوعية والتثقيف، عن طرق محاربة الأمية لتفسير مدى خطورة الزواج على الطفلات دون سن الزواج، أو غير المؤهلات بدنياً للمعاشرة الزوجية وما يترتب عنها من حمل ومسؤوليات. ويحرم الزواج المبكر الفتيان والفتيات من جل حقوقهم الإنسانية، كما أنه يؤدي إلى نتائج صحية واجتماعية خطيرة، لذلك لا بد من تكثف الجهود الدولية والوطنية للحد من هذه الظاهرة، وذلك بإصدار قوانين تمنع الزواج المبكر والحد من الدوافع التي تتسبب في هذه الظاهرة.

اعتداء جنسي

ولتشريح الظاهرة بشقيها النفسي والاجتماعي جلست الصيحة للبرفسور علي بلدو استشاري الامراض النفسية والعصبية والذي ابتدر حديثه بقوله قبل ان أدلف الى تشريح الظاهرة لابد من اضاءة حول نظرة المجتمع السوداني للمرأة قاصرًا كانت ام لا حيث تعاني المرأة في مجتمعنا من عدة اشكاليات اهمها التمييز، وأردف: يبدأ التمييز السلبي منذ لحظة الولادة وكثيراً ما تتلقى الفتيات كلمات ترغب في التخلص منهن مثل ( يحلها الحلا أمها ) و(ربنا يخارجهن ليك ما يبورن) وغيرها،هذا الى جانب الاساءة لمن ربته والدته بأنه (تربية نسوان) والأمثال التي تحتقر المرأة والمنتشرة بكثرة، ويشير بروف بلدو الى أن زواج القاصرات هو مصطلح غير صحيح يعطي انطباعا خاطئاً بحيث أن توافر النية والإرادة معدوم في حالة الطفل وبالتالي هذا لا يعتبر زواجاً ولا يعتبر اغتصاباً وإنما اعتداء جنسي على الاطفال وانتهاك لحقوق الطفل، و يقول المختص النفسي والاجتماعي المعروف بأنه كان شاهدا علي حالة طفلة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها تم تزويجها لشخص يكبرها بثلاثين عاماً مما ادخلها في حالة اكتئاب شديد جعلها تقدم على الانتحار بالسقوط من اعلى بناية إلا انه تم انقاذها ولكن لتعيش باقي العمر بلا قدمين بعد أن تم بترها في عملية جراحية لاحقة .

اغتيال البراءة

وفي حادثة أخرى لاتزال عالقة بذهني والحديث لازال لبلدو وهي حالة طفلة صغيرة تم خداعها بأن حفل زواجها ماهو الا تمثيلية او احتفال لتلقى حتفها بعد ذلك في ليلة الدخلة جراء الصدمة العصبية والنزيف الحاد لتموت وهي في عامها الثاني عشر بعد ان تم اقتلاعها من لعبها وقريناتها.

ألم نفسي

ويقول د. بلدو إن الآثار النفسية لهذه الظاهرة تتمرحل ما بين الالم النفسي الحاد والتوتر والخوف والقلق والاضطراب الذهني وعدم القدرة على التأقلم والشعور بآثار الصدمة والعنف وفقدان الثقة في الآخرين كما تتولد في نفس القاصر درجة عالية من العدوانية والعنف والرغبة في الانتقام قد تدفعها لقتل زوجها او أوالدها. وفي ختام إفادته للصيحة يقول د. بلدو إن مثل هولاء القاصرات بحاجة الى علاج نفسي واجتماعي وإعادة تأهيل ودمج في المجتمع وإزالة هذه الآثار السالبة العالقة بنفسياتهن حتي يعدن كطفلات بريئات.




مؤمن محمد

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.