“صورة مقلوبة”.. اعتقالات “نفذها مدنيون” تثير قلق الشارع السوداني

استياء وخيبة أمل تسود الشارع السوداني بعد انتشار صور لمدنيين وهم يعتقلون عشرات الأشخاص بوسط الخرطوم، يتحدر معظمهم من مناطق مهمشة، حسب مصادر محلية.

الحادثة وقعت بعدما هاجم مسلحون بأسلحة بيضاء، مؤخرا، منطقة بري وسط الخرطوم، بغرض النهب والسرقة، فتم التصدي لهم. وأعقبت ذلك عمليات اعتقال واسعة “تمت على أساس العرق، فضلا عن عمليات حرق”، حسب ذات المصادر، التي تحدثت لموقع “الحرة”.

وما زاد من الغضب أن من نفذوا الاعتقالات عناصر من لجان المقاومة، إحدى أهم كتل الحرية والتغيير التي قادت ثورة ديسمبر التي أطاحت نظام الرئيس عمر البشير، وكان من أبرز شعاراتها “حرية سلام وعدالة.. والثورة خيار الشعب” و “يا عنصري ومغرور كلنا دارفور”.

“لم تسقط بعد”

وقال القيادي بحركة جيش تحرير السودان، عبد الحليم عثمان، لموقع “الحرة” إن حادثة بري “أظهرت النقيض تماما وأن الشعارات التي كانت تطلق أثناء الثورة لم تتحقق بعد، لأن النظام السابق لم يسقط بعد”.

وكانت الاتهامات تلاحق البشير بتكوين مليشيات كالشرطة الشعبية وقوات الظل، لحماية نظامه.

وتقول المصادر لـ”الحرة” إن المجموعات المستهدفة إجرامية نشأت أولا في جنوب السودان بسبب الحروب الأهلية وما خلفته من مآس وضوائق معيشية، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى الخرطوم ووصلت حتى القاهرة.

وهذه الجماعات تتهم بترهيب المجتمعات وترويعها إلى حد القتل أحيانا.

كرامة الفرد فوق أي قانون

ويرى المحلل السياسي عوض قسم السيد “أن خطورة الظاهرة واتساعها تستدعي الحسم العاجل. وأضاف لموقع “الحرة” أن “التراخي حيالها لا يجدي، وقد يخلق اضطرابات أوسع تعطل مسيرة الثورة”.

ولكن الناشط الحقوقي، عدلان عبد العزيز، يشدد على أن الأزمة لا بد أن تعالج وفق القانون و”يجب أن نتمسك بأن لا أحد فوق القانون! أي إعتداء على أي فرد مرفوض، لا يهم إلى أي جهة ينتمي المعتدي، أو إلى أي جهة ينتمي المُعتدى عليه! كرامة الإنسان الفرد فوق أي دستور أو قانون”.

العدالة جوهرية
وهذا ما أكد عليه تجمع المهنيين السودانيين، وقال أحد قياداته لموقع “الحرة”،
“نحن نرى أن موضوع العدالة جوهري بالنسبة لثورة ديسمبر.. وأن من الخطأ الكبير أخذ البريء بجريرة المجرم، ونرى أيضا أن الأجهزة الأمنية ينبغي أن تكون الجهة الوحيدة الموكل إليها أمر اعتقال المواطنين متى ما اشتبه في إجرامهم”.

واعتبر محمد الأمين عبد العزيز، القيادي السابق بقوى الحرية والتغيير، أن أحداث بري تندرج ضمن مؤامرة للإيقاع بين الشعب ولجان المقاومة، وأضاف أن “صور اعتقال لجان المقاومة لمجموعة أشخاص هو عمل مدبر من جهات تسعى إلى فتنة لجان المقاومة مع الشعب. لجان المقاومة واعية جدا لكل المؤامرات، وسرعان ما انتهت هذه الحادثة”.

صور مقلوبة
ولا يتفق القيادي بحركة تحرير السودان، عبد الحليم عثمان، مع تلك الرؤية، ويقول في حديث مع موقع “الحرة”، إن ما حدث في بري هو استمرار لانتهاكات ممنهجة ما زالت تحدث ضد مجموعات بعينها، “لقد أيدنا ثورة ديسمبر وعلقنا عليها الآمال بإنشاء دولة المواطنة التي تسع الجميع، لكن ما يحدث في بري وفي معسكرات النازحين بدارفور وغيرها من المناطق المهمشة عبارة عن صورة مقلوبة لن تزيدنا إلا قوة وإصرارا على التغيير الشامل ومعالجة جذور الأزمة الوطنية”.

ودعا اختصاصيون اجتماعيون إلى معالجة أزمة تلك المجموعات وفق رؤية أوسع تنظر في جذور المشكلة.

واللافت أن تلك المجموعات كان لها حضور لافت خلال التظاهرات الشعبية التي أسقطت نظام البشير، وسط اتهامات للأخير برعاية هذه المجموعات والتنسيق معها لخلق اضطرابات مجتمعية، لدرجة أن البعض وصفهم بأنهم “موظفون برواتب مجزية”، كما جاء في تقرير .

وكانت عدة مناطق بغرب السودان وشرقه قد شهدت مؤخرا اضطرابات عرقية عنيفة، أشير فيها أيضا بأصابع الاتهام إلى فلول النظام السابق.

يحلم بالعودة

ويرى كثير من السودانيين أن نظام البشير لا يزال يحلم بالعودة إلى السلطة ويسعى جاهدا لإفشال جهود الحكومة الانتقالية، التي تمارس ضغوطا كبيرة على قياداته ومؤسساته.

والبشير معتقل مع آخرين في سجن كوبر بتهم فساد، وهو ملاحق من قبل محكمة الجنايات الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وفظائع أخرى ضد المدنيين في دارفور.

وتعهدت الحكومة الانتقالية بمحاكمة البشير بهذه التهم وجرائم قتل المتظاهرين. وتتعالي الأصوات المطالبة بذلك، خصوصا بعد اعتقال القيادي السابق في مليشيات البشير على كوشيب ومثوله أمام محكمة الجنايات الدولية يوم الاثنين.

ويمر السودان بفترة انتقالية من ثلاث سنوات، يتناوب على قيادتها عسكريون ثم مدنيون، على أن تعقبها انتخابات ديمقراطية، بنص الوثيقة الدستورية الموقعة بين العسكر وقوى الحرية والتغيير في أغسطس من عام 2019.

الحرة

Exit mobile version