شركات الجيش هل تجرفها موجات «البل»؟

يبدو أن الصراع بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية قد بلغ أوجه ولمس اللحم الحي فبعد الجلبة التي أحدثتها لجنة إزالة التمكين حول شركة زادنا المملوكة للجيش وإعلان مصادرتها في مؤتمر الخميس المشهور لدى أنصار قحت بـ(خميس البل) ارتفعت أصوات شركاء العسكر في الحكم مطالبة بتفكيك شركات (نصهم الما حلو) الأمر الذي جعل القائد العام للجيش رئيس المجلس السيادي الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان يخرج عن هدوئه المعتاد ويرتفع صوته في التنوير المسائي رافضا المطلب، ومتهما جهات لم يسمها بالسعي لإحداث قطيعة بين الجيش والشعب وتعليق إخفاقاتها الاقتصادية على (شماعة) شركات الجيش وإياك أعني فافهمي يا جارة.
مع يقيننا التام بصعوبة التحقيق لجهة انه من ملفات الجيش الأمنية فائقة السرية والحساسية والمعلومات فيه ليست متاحة وكذا المصادر ولكننا سنبذل جهدنا ولنا أجر الاجتهاد .
ملف سري
الناطق السابق باسم القوات المسلحة العميد(م) الصوارمي خالد سعد طرحت عليه بعض الأسئلة بخصوص شركات الجيش ماهي وماذا تعمل وأين تذهب أموالها إلا انه أيد توقعاتي بأن هذا التحقيق مصادره ضعيفة جدا. لأنني لن أصل لأية معلومات حولها، فالقوات المسلحة تعتبرها كما أسلفنا من ملفاتها الأمنية والسرية، وأضاف (شخصيا لا استطيع أن أفتيك حولها ).
لماذا انسحبت الصين؟
وحسب الصواري فالجيش المصري كله شركات في مجالات النظافة والمستشفيات والطوارئ وغيرها وكذلك الجيش الأمريكي فهو أكثر جيش مسيطر على الاستثمار حتى قناة cnn تتبع له وصواريخ رواد الفضاء أيضا عسكرية وهكذا والدول الكبيرة تسلم شركاتها للجيش لأنه يوفر الأمان للاستثمار ودقيق ويوفر التأهيل العالي لأية شركة ، ويستشهد الصوارمي على أهمية الأمان بانسحاب الصينيين من الاستثمار بالسودان، لأن الشرطة انسحبت من تأمينهم عند ظهور مشاكل الثورة مع الشرطة وطالبوا بسحبهم من التأمينات وحصر نشاطهم.
إذن استثمار الجيش ليس سلبا ولا نهبا؟ وماهو الجيش؟ أليس جزءا من الشعب؟ وهو أكبر مؤسسة قومية (يعني ما في حاجة بتمشي لجيب زول أصلا وهي خاضعة تماما لديوان المراجع العام وقد كان لديه مكتب في وزارة الدفاع يقوم بمراجعة مكتب الوزير.
ويتساءل محدثي : لماذا الحديث عن شركات الجيش؟ لماذا لا يتحدثون عن الشركات الحكومية؟
إن كان الخط العام لقحت اشتراكي، فالاشتراكية تقوم على التأميم بمعنى أن كل الشركات تصبح في يد الحكومة. نميري عندما جاء للحكم الحزب الشيوعي أمم كل شيء حتى المستشفيات والمتاجر الخاصة جعلها حكومية وكذلك الشركات والمؤسسات الخاصة إذن أين المشكلة؟ روسيا الآن كلها تأميمات وكذلك الصين كلها عند الجيش والشرطة والحكومة.
من إستقطاعاته
البعض يأخذ على الجيش أن مرتباته من الميزانية العامة بدلا من كونها من تلك الاستثمارات ؟
طرحت هذا الرأي على الفريق ركن إبراهيم الرشيد الذي أجابني بسؤال (ديل منو القالو كدة ؟ثم أردف :(هذا جيش وطني ويصرف من الخزينة العامة ، صحيح الجيش لديه شركات يستثمر فيها في إطار الضمان الاجتماعي للجندي يعني تقدم له خدمات التعاون بأسعار أرخص كثيرا من السوق ،في سنة 1972 ونحن خريجين وانتهينا من فترة الجنوب كنا نراجع مرتباتنا لأنها كانت تحول للبنوك فوجدنا أن هنالك استقطاعا شهريا مكتوب عليه (التعاون أو المؤسسة التعاونية) لا أذكر بالضبط في إطار ما يسمى الآن بالضمان الاجتماعي هذا الاستقطاع أسست به المؤسسة التعاونية وأي ضابط يريد أن يتزوج يذهب فيجد الثلاجة والبوتجاز وغيرها من أغراض منزل الزوجية بأقساط وبأسعار الجملة فساهم في تأسيس حياة الضباط ،المؤسسة التعاونية بدأت تكون لديها أرباح وبدأت تتمدد ،وأول مدير للمؤسسة دفعة الرئيس وشاعر الفنان عثمان حسين اللواء عوض أحمد خليفة وهو الذي وضع اللبنات القوية لهذه المؤسسة التي بدأت تستثمر فأسست شركات صناعية تنتج الطحنية ومنتجات الأسرة عموما وعندما جاءت الإنقاذ بدأت فكرة بنك أم درمان الوطني، فكانت مؤسسة القوات المسلحة التعاونية أكبر مساهم فيه وأكبر مساهم في تأسيس شيكان للتأمين وكل ذلك ينضوي تحت ما يسمى بالهيئة العسكرية الاقتصادية التي كان لديها مكاتب في القاهرة ولديها معرض تجاري في قلب القاهرة وكان فيه ضباط مؤهلون وصادقون ،القوات المسلحة نهضت بهذه المؤسسات وبدأت في تطويرها ،بنك أم درمان الوطني ضخ أموالا كثيرة جدا في القطاع الخاص باستثماراته الداخلية والخارجية وحافظات البنوك ..إلخ ،هذا البنك تضرر كثيرا من الحكومة لأن الإسلاميين أخذوا منه أموالا ضخمة جدا ، صحيح أعادوا إليها بعض المؤسسات التي كانت مصادرة مثل مصنع البيرة الذي صادرته حكومة نميري وبدأت تستثمر فيه ، الآن يوجد مجمع البشير بالمهندسين هذا المجمع أسعاره أرخص من أي محل جملة لأن منتجاته من المؤسسة التعاونية في كل الولايات ومفتوح لكل المواطنين وليس العساكر فقط ، ثم تطور الأمر حتى أصبح هناك التصنيع الحربي وغيرها وهذا يرفد الخزينة العامة بأكثر من 2 مليار دولار في السنة ،إذا أوكلت إدارته للملكية لن يتقدم للأمام بل سيتوقف لكن العساكر لأنها مؤسستهم ومحاسبين عليها نجحوا في إدارته، أما الحديث عن أنهم لا يدفعون ضرائب فهذا مجاف للحقيقة،فكل المؤسسات تراجع وتدفع للخزينة العامة وتساهم في رفد الاقتصاد العام الجيش ، شركة زادنا (البتكلموا عنها دي) البنيات التحتية الزراعية الموجودة فيها في إطار البنيات التحتية الزراعية وفي إطار اللحوم والدواجن والخضر والفواكه لم تحدث إلا في مشروع الجزيرة ) وختم الفريق الرشيد حديثه بأن الجيش الآن (يغلي ) من داخل المؤسسة العسكرية بكاملها بسبب الحديث عن تفكيك شركاته.
بشروط
الخبير الأمني والاستراتيجي حسن دنقس قال لـ(الإنتباهة) ان أية دولة إذا أرادت أن تكون قوية لابد أن تمتلك سبعة عناصر أساسية هي القوة السياسية ، العسكرية،الاقتصادية،الاجتماعية،العلمية،التقنية، الإعلامية. وهذه تمثل عناصر قوة الدولة الشاملة لذلك بالأهمية بمكان أن يكون للجيش استثمارات اقتصادية يحقق ويعزز بها الأمن القومي و يرفع بها من قدراته ويحافظ بها على أسراره في ظل عدم الاستقرار في شتى المناحي و عدم وجود توافق سياسي داخلي ويعزى ذلك لعدم وجود رؤى وغايات وطنية متفق عليها وفي ظل تحديات ومهددات خارجية من دول الإقليم المحيطة وغير المحيطة بالإضافة للمتغيرات على الصعيد العالمي تتطلب أن يكون للجيش استثمارات يسد بها احتياجاته ويعمل من خلالها على حفظ التوازن الاقتصادي السوداني من الانهيار لأن اقتصاديات الدول أصبحت تتدخل فيها أجهزة المخابرات الخارجية من أجل خدمة مصالحها وإن كان ذلك يضر بمصالح الدولة المعنية لذا يجب على القوات المسلحة الحفاظ على استثماراتها بل وتطويرها بما يصب في خدمة البلاد ويحفظ أمنها القومي بشرط يضمن استقلاليتها من أي ميول سياسية وأن تكون خاضعة للرقابة الإدارية المستمرة كي لا تقع في براثن الفساد.
ليست بدعة
وأضاف : استثمارات الجيش السوداني لابد أن تكون خاضعة لإدارة واحدة كي تشكل نقاط قوة لها حسب دنقس، وهي ليست بدعة فكثير من الجيوش العالمية لديها استثمارات تفوق استثمارات الجيش السوداني.
فدولة مصر يمتلك فيها جيشها استثمارات في مجالات الحديد والأسمنت والبتروكيماويات ودخلت في الاستثمار في المجالات الدوائية والأغذية والمنتجعات السياحية والملاحة البحرية وكلها تقع تحت جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة العربية للتصنيع.
كذلك الجيش التركي يمتلك أكبر الشركات التركية القابضة وهي أوي Oyak وتعمل في عدة مجالات في التعدين وصناعة الحديد الصلب والطاقة بأنواعها المختلفة وفي الأسمنت.
كذلك من أهم استثمارات الجيوش في العالم استثمارات الجيش الأمريكي تقدر بأكثر من 44 مليار دولار أمريكي ويستثمر في الصناعات الثقيلة وتكنلوجيا المعلومات.
وكذلك الجيش الهندي لديه استثمارات ضخمة بحوالي 20 مليار في مجال البنوك والمصارف والبترول وشركات التأمين،والناظر لاستثمارات الجيش يجد أنها ساهمت بشكل كبير في سد الفجوة الاقتصادية ما بعد الثورة.
ويطالب محدثي الأصوات التي تنادي بحل الاستثمارت العسكرية بشد عضد القوات المسلحة لأن الأمن القومي ليس مختزلا في الشق العسكري بل الاقتصاد و الاجتماع والسياسة….الخ.
شركات مساهمة
ويطرح الباحث الاقتصادي دكتور هيثم محمد فتحي رؤية لحسم الجدل حول شركات الجيش بأنواعها وما تملكه من أصول أو ما تحققه من أرباح ومن أين يأتي التمويل أو أين تذهب الأرباح؟ فيقول انها قضايا تحتاج إلى شفافية للحد من هذا الجدل «الذي سيظل دائرا»، وهو تحويل هذه الشركات الحكومية لشركات مساهمة عامة وطرح أسهمها بسوق الخرطوم للأوراق المالية.
دكتور هيثم يرى أنه لا توجد مشكلة في أن تقتحم شركات الجيش بعض قطاعات الأعمال التي يوجد مشكلات لدى القطاع الخاص في الدخول إليها أو التي توفر أماناً استراتيجياً للدولة وتشكل أهمية خاصة للأمن القوم السوداني والجيش يستفيد من هذه الثروة ويعظم استفادته منها لأن هذا يصب في نهاية المطاف في خدمة الجيش ومتطلباته وتسليحه تسليحاً جيداً، دون تحميل موازنة الدولة أعباء إضافية، ويمكن طرح الأنشطة التجارية في الاقتصاد لتحول المساهمة في التحديث والتطوير او كمؤسسة إضافية للضمان الاجتماعي للعسكريين.
ثم يعود محدثي فيقول :(لكن لابد من عدم مزاحمة القطاع الخاص، خاصة إذا كان الجيش يعمل بصفته جهة سيادية إذ سيحصل على مجموعة من المميزات التي لا يمكن للقطاع الخاص الحصول فيها، وهنا يجب أن تكون هذه الشركات وفقًا للرؤية العامة للدولة وان تخضع ذلك الاستثمار أو للمساءلة والشفافية والإفصاح بصورة أكثر من غيره لأن شركات القطاع العام أكثر عرضة للفساد وعدم كفاءة توظيف الموارد، وإهدار المال العام خاصة إن هناك رأيا يقول ان تدخل الجيش في الاقتصاد يساعد على إعادة توزيع الثروات في المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما أن تدخل الجيش أحيانًا يكون بغرض مواجهة الفقر والفساد والاستثمار في مشروعات البنية الأساسية لصالح المجتمع كله، ولا تهدف لتحقيق ربح.
لذا توغل الجيش في الاقتصاد يؤثر على الاستثمار الأجنبي لأن المستثمر لن يجذبه شيء في بلد تسيطر فيه القوات المسلحة على الاقتصاد ويقطع الطريق أمام القطاع الخاص الوطني ويؤدى إلى ضموره.
وفي تقديره يرى هيثم أن تعاظم دور شركات القوات النظامية خلال الفترة الأخيرة يرجع إلى تراجع حجم الاستثمارات الخاصة سواء كانت محلياً أو أجنبياً خاصة منذ انفصال الجنوب السوداني لعدم تيقن أصحاب رؤوس الأموال من استقرار الأوضاع السياسية والأمنية.
تحت أمركم
يحسب للبرهان: قوله إن «القوات المسلحة قد بسطت يدها بلا منٍ ولا أذى لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي لوضع يدها على مجموعة مقدرة منها (شركات القوات المسلحة) للاستفادة منها في تخفيف حدة الضائقة المعيشية، لكنها لم تستجب، وتلك الشركات لم تقف حجر عثرة أو عائقاً للاستفادة من مواردها ولكنه أكد أن «عدم وضوح الرؤية عند القائمين على أمر الاقتصاد ووجود أجندات أخرى لدى بعض الجهات السياسية، هو من يقف وراء ترويج فرية تحكم القوات المسلحة في مفاصل الاقتصاد القومي.
متهما إياها بأنها تعمل على الاستحواذ على خيرات وممتلكات شركات واستثمارات القوات المسلحة، والتي هي ليست للمزايدة أو التكسب السياسي»، مؤكدا أن أبواب القوات المسلحة مفتوحة للجميع وستظل سندا وعضدا للاقتصاد القومي، ورفعته وسمو شعبها.
الما بعورك ما بتورك
رئيس لجنة إزالة التمكين الفريق ياسر العطا الذي لم يطرف له جفن ولجنته تصادر أراض خاصة ومؤسسات اعتبارية وتقوم بفصل لآلاف الموظفين كشر عن أنيابه متصديا للمطالبات بتفكيك شركات الجيش وكما يقول المثل الدارج (المابعورك مابتورك).
العطا برر ثورته بأن تعافي الاقتصاد ليس بتدمير مؤسسات الشعب الناجحة بل الاستفادة منها في رفع المؤسسات التي دُمرت في عهد الرئيس المعزول وتعزيز الصادر والسيطرة على حصائله.
هل (انبطح) الفكي؟
نائب رئيس لجنة إزالة التمكين عضو المجلس السيادي الأستاذ محمد الفكي يبدو أنه (انبطح) بعد (الهيجة) التي بدت على البرهان والعطا فقال إن هناك شركات صودرت من الجيش ستعود له إلى آخر تصريحه ويبدو أنه يريد إرسال رسالة مفادها (ولا يهمكم واثقين منكم ) وقد حاولت (الإنتباهة) الحصول على تصريح خاص من الفكي إلا أنه رفض المكالمة.
صحيفة الانتباهة



