التعليم في الخلوات السودانية… عقاب بلا ثواب

على مدى تاريخ السودان لعبت الخلوات (مفردها خلوة) – وهي مدارس قرآنية تقليدية، نشأت طوعياً وأهلياً لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم – دوراً مقدراً في نشر التعليم ومحو الأمية، وخرَّجت عدداً كبيراً من الحفظة والشيوخ، لكن في الآونة الأخيرة ازدادت أعدادها إلى ما يزيد على الـ 25 ألفاً، ثم زحفت إلى المدن، بعدما كانت في مناطق نائية.
ومع وصولها إلى مناطق الأضواء والإعلام، بدأت تتسرب بين الحين والآخر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعض الصور لأطفالٍ مكبلين بالأغلال، وفي حالة من الضعف والهزال، والملابس الرثة البالية، وبدأ يتكشف الكثير مما يدور داخلها من ممارسات عقابية صادمة بحقهم.

كما أن الخلوات وخلال تاريخها الذي يعود إلى ما قبل القرن السادس عشر، بقيت عند المحطة الزمنية ذاتها، تمارس النمط القديم من دون تغيير في أساليبها من حيث إسكان الطلاب ورعايتهم وطرق تحفيظهم ومعاقبتهم ووسائلها، متأثرةً بظروف نشأتها التي تمت خارج أُطر المنظومة التعليمية وسياساتها.

ودرج أولياء الأمور في السابق، على تسليم أبنائهم إلى مشايخ الخلوات، ثم ينصرفون بعد توديع طفلهم مع عبارة “لكم اللحم ولنا العظم”، بينما تكون الخلوة غالباً، في مكان منقطع، صارم الإجراءات، كما مدلول اسمها، المشتق من الإختلاء اي الانقطاع عن الناس، والتفرغ لتعلم الكتابة والقراءة وحفظ القرآن.

تربية على الخشونة وتدني الخدمات

يتناول معظم الطلاب وجبات فقيرة أشهرها “العصيدة”، التي يصنعونها بأنفسهم. وفي بعض المناطق الزراعية يزرع الطلاب ويحصدون مؤنة وجباتهم بأنفسهم أيضاً، إذ ظلت هذه الخلوات تعتمد على الدعم الذاتي وبعض عطايا أهل البرّ والخير، ما يجعل الوجبات وسائر الخدمات في حدها الأدنى وغايةً في الفقر، والحياة هنا فحواها فلسفة الاعتزال والخشونة والصبر وتعلم الجلد، والتقشف كأحد متطلبات التهيئة الروحية.

على الرغم من كل التطور الذي شهده قطاع التعليم في السودان، وما شهده العالم حولنا من أساليب جديدة، ووسائل تقنية قد تكون الأنسب والأكثر تحضراً وفعالية، في التحفيظ وشحذ الذاكرة البشرية وشحنها، لكن الخلوات ظلت كما هي، تحافظ على نمطها وتقاليدها، ولم تطور أسلوبها ومناهجها التقليدية الموروثة منذ مئات السنين، بأدواتها التراثية، المتمثلة في اللوح، وهو قطعة متوسطة من الخشب، و”الدواية”، أي قارورة الحبر المصنع محلياً، مع قلم من القصب يُسمى “البوص”، للتحبير، يكتب به الطلاب الآيات على اللوح، وهم جالسون على الأرض.

حاولت “اندبندنت عربية” استكشاف حقيقة ما يدور داخل الخلوات، فزارت عدداً منها، وكانت الزيارة الأولى إلى إحداها في غرب أم درمان، فوجدت الحال أقرب إلى ما وصِف: اكتظاظ في السكن داخل غرف سيئة التهوئة، مسقوفة بألواح الزنك، بينما يفترش الطلاب الأرض من دون أسرِّة، وعلى طرف فناء الخلوة، مجموعة من الطلاب حول مغسلة للوضوء، وآخرون يجتهدون في غسل ملابسهم، الزيّ السوداني التقليدي (الجلابية) أو العراقي مع السروال الطويل، المشابه للملابس الباكستانية التقليدية، يرتدونها يومياً نظراً لشح الملبوسات.

أحد الطلاب لخّص لنا مشاكلهم، خلسةً وهمساً، في عبارة واحدة “الأكل كعب والشيخ صعب”، وعبارة كعب العامية السودانية تعني سيء، أما “صعوبة” الشيخ فلعله قصد بها طريقة التعاطي القاسي وأسلوبه، إما بالضرب أو التقييد بالسلاسل، في حين أنه لا يخضع للمساءلة من أي جهة، وكلمته وأوامره تفترض الطاعة العمياء.

أصناف من العقاب القاسي

في بعض الخلوات أطفال يُحَفَّظون القرآن على طريقة البداوة القديمة وبأدواتها، لكنهم يتخرجون بعد ثلاث أو أربع سنوات، وذاكرتهم تختزن رعباً وأصنافاً من القهر والعنف الممنهج بسبب العقوبات القاسية، منها كما روى لنا أحد الطلاب، الجلد على طريقة ما يسمى “الفلقة”، بطبقة جلدية تشبه الحزام على أسفل القدمين مجتمعتين، وبالسياط. ومن أنواع العقاب أيضاً نجد “الكَعَّة”، وهي الضرب على الرأس بقبضة اليد، للتنبيه إلى الأخطاء أثناء القراءة أو التلاوة أو في أي مرحلة من مراحل التسميع.

ووجدنا طالباً يبلغ الحادية عشرة من عمره، يحتضن “اللوح” في إحدى خلوات شرق النيل في الخرطوم بحري، ويحدق بنا بدهشة بالغة، تتبعنا نظراته، وكأن لسان حاله يقول “صوروني وابعثوا الصور إلى أهلي علّهم يلحظون كم نحل جسمي وهزلت”، إذ كان شاحباً، متوجساً. وأسرَّ لنا، بأنه يتمنى أن يغمض عينيه ويفتحهما ليجد نفسه خارج هذا المكان، لكنه يخشى العواقب الوخيمة لمحاولة هروب فاشلة، والوقوع في قبضة التكبيل بالسلاسل الحديدية (المُكية) ليومين أو ثلاثة. ويُعتقد أن “المُكية” ليست عقاباً فقط، لكنها أيضاً، رسالة إلى كل مَن تسول له نفسه الهرب.

حكاية التقييد بالسلاسل الحديدية (المُكِّية)

يتكدس داخل الخلوات أطفال من أعمارٍ مختلفة مع مراهقين وآخرين بالغين، في مكانٍ واحد سنوات عدة، من دون رعاية او إشراف أو مراقبة، ما يؤدى إلى الاختلاط والتنمر والتحرش أحياناً، نتيجة تواجد صبية تتفاوت أعمارهم وبنياتهم الجسدية في حيّز محدود غير مهيّأ لاستيعابهم، في غياب أي نوع من الرعاية الصحية أو الاجتماعية أو الدعم النفسي.

في نموذج آخر، نجد خلوات الشيخ الدالي، بالحاج يوسف، التي أسسسها منذ 45 سنة الخليفة دفع الله محمد إدريس، الشهير بالحاج الدالي، وخلفه عليها ابنه الشيخ سليمان، وهي مسجلة لدى وزارة الشؤون الدينية، وتضم 120 طالباً من مختلف بقاع السودان. يبدو الحال هنا أفضل من سابقتها، من حيث المظهر العام، لكنها لا تختلف كثيراً في أسلوب التعليم عن نظيراتها وأدواته، سوى أنها تخلت عن منهج العقاب القديم، عبر وقف الضرب المبرِّح وتقييد الطلاب المتمردين بالسلاسل الحديدية (الجنازير)، منذ حوالى ثلاث سنوات، بحسب تأكيد الخليفة قسم السيد حسن، المشرف على الخلوات.

وبسؤالنا المباشر له عن أصل التكبيل بالقيود الحديدية وحكايته في الخلوات، قال حسن إن “هذه الممارسة موجودة منذ أن نشأت الخلوات ولها تاريخ طويل، بل إن بعض الآباء كانوا يُحضِرون أبناءهم مكبلين بالسلاسل”. وأكد لـ “اندبندنت عربية” أن “عدداً كبيراً من الخلوات لا يزال يستخدم هذا الأسلوب، بل إن بعضها اشتهر به. وفي بعض الأحيان يُعاقب الطلاب بالمُكَية، إذ يتم تَمكِيك أي طالب مشاكس يتلبس بمحاولة الهروب، فتُقيّد رجلاه بالجنازير، بطريقة تمنعه من الهروب وتتيح له في الوقت ذاته حركة بطيئة داخل فناء الخلوة، لممارسة حياته اليومية، أما في حالات أخرى فيتم تمكِيك الطالب، وربطه على عمود أو موضع ثابت”.

الشؤون الدينية تتدخل

ولفت المشرف إلى أن خلواتهم “قبل نحو 3 سنوات، أوقفت طوعاً، عقوبة التكبيل الحديدي والضرب المبرح، بناءً على قرار داخلي من لجنة المسجد الملحق بالخلوات، وأبعدْنا نتيجةً لذلك أحد الشيوخ الذي كان متشدداً ومصرّاً على تلك العقوبة. وقبل أشهر قليلة منعت وزارة الشؤون الدينية استخدام القيود والضرب المبرح، وفق خطاب صادر عنها تلقينا نسخةً منه، وكنا سبقناها في ذلك، وأصبحنا نقصر العقوبة الآن على الضرب البسيط غير المبرح وفي حالات قليلة”.

وعن بيئة السكن ونوع الوجبات التي يتلقونها، يجيب الشيخ الصديق العوض، مساعد المشرف، “نكاد نكون الخلوات الوحيدة التي توفر الأسرة لطلابها في السكن، أما الوجبات فهي العدس والويكة (مسحوق البامية الجافة) في الإفطار، والعصيدة للغداء، أما العشاء فيأتي يومياً مكرُمة، من الشيخة (زوجة الخليفة)، أما بالنسبة إلى العلاج فقد فشلت كل محاولاتنا مع الجهات الرسمية، للحصول على تأمين صحي، إذ لا توجد عيادة طبية ونضطر لمعالجة المرضى بالوصفات البلدية التقليدية، كالكركدي ونبتة القرض وغالباً ما يشفون، أما مَن تتطلب حالته المستشفى، يتكفل الخليفة بذلك”.

وبخصوص دوام التحفيظ الدراسي، يوضح المشرف على “خلوات الشيخ الدالي”، أنها “تبدأ بفترة الدغشية في الثانية صباحاً وتمتد حتى صلاة الفجر، ثم استراحة تناول الشاي، لتبدأ بعدها الضحوية حتى العاشرة صباحاً، فاستراحة الإفطار حتى صلاة الظهر، بعدها تصحيح الألواح المكتوبة حتى صلاة العصر، ثم فترة المطالعة والحفظ. وغالباً ما يمضي الطالب فترةً تترواح بين 4 إلى 6 سنوات للتخرج حافظاً القرآن.

قرارات حاسمة منتظرة لتصحيح الوضع

لكن ما موقف الجهات الرسمية في المؤسسات المعنية؟ في هذا الخصوص، كشف لنا الأمين العام لمجلس رعاية الطفولة، عثمان شيبة أبو فاطمة، أن “قرارات حاسمة وخطوات وإجراءات رسمية، يجري الترتيب لاتخاذها بشأن معالجة وإصلاح الأوضاع الصادمة في خلوات عدة، منها تربوية ومؤسسية، على اعتبار أنها مؤسسات تعليمية، مشيراً إلى أن “القرارات المتوقعة ستشمل جوانب عدة وحيوية، تعالج كل الموروث القبيح وتصحح القيم، لأن حافظ القرآن لا ينبغي أن يتخرج مهيضاً مكسور الشخصية”.

وحَمّل أبو فاطمة المسؤولية عما وصفه بـ “الخلل الكبير”، لكل الدولة بمختلف مؤسساتها الرسمية والمدنية والشعبية، بما فيها المجتمع ووسائل الإعلام، “بل والآباء والأُسَر التي تضع فلذات أكبادها في تلك الأوضاع الخطيرة”.

في السياق ذاته، أكدت وزارة التربية والتعليم السودانية رفضها التام أي نوع من العقاب والممارسات التي قد ترقى إلى التعذيب.

وكشف مصدر مسوؤل في الوزارة لـ “اندبندنت عربية” عن “برنامج شامل لمعالجة هذه الأوضاع، يجري وضع اللمسات الأخيرة عليه بالتعاون بين كل الجهات المختصة، في وزارات التربية والتعليم والرعاية والتأمينات الاجتماعية والشؤون الدينية والعمل، سيرى النور في الأسابيع المقبلة”.

هجوم عنيف على الخلوات

في المقابل، وصف الناشط في مجال حقوق الطفل، يسري مبارك طاهر، ما يحدث في الخلوات بأنه “إرث مستمد منذ عهد بعيد عندما كانت مؤسسة معزولة تحت سطوة الشيخ الكاملة”. وأضاف أن “الخلوات الآن أصبحت مصدراً للدخل بل والثراء أحياناً لبعض الذين يعتمدون على عدد الطلاب لديهم للتكسب باسمهم، لدى السلطات والخيرين والمنظمات الإنسانية”.

وانتقد طاهر سلوك حكومة الرئيس المعزول عمر البشير السابقة بالتوظيف السياسي للخلوات، واستغلال طلابها في الحشود الجماهيرية ومراسم استقبال المسؤولين والحملات الانتخابية، مطالباً بإعادة النظر فيها لتطويرها ودمجها ضمن منظومة التعليم الحكومي النظامي.

ويعود تاريخ الخلوات في السودان إلى مئات السنين، إلا أنها شهدت تطوراً بين عامي 1570 و1611 على يد الحاكم الشيخ عجيب المانجلك في الحقبة السنارية، فأصبحت تُبنى كبيوت يتم إلحاقها بالمساجد، كما ساهمت وقتها بفاعلية في نشر الدين الإسلامي وتحفيظ القرآن وتجويده.

إندبندنت

تعليقات الفيسبوك


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى