سواكن “جزيرة الجن” في الخيال الشعبي السوداني

يعتقد سكان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أنها مدينة سودانية يسكنها الجن منذ عهد النبي سليمان، ونُسجت حولها كثير من القصص والأساطير. وعلى الرغم من مقوماتها الأثرية، إلا أنها جزيرة شبه مهجورة ولم تلحقها يد التنمية والعمران، وظلت تتشابه في ذلك مع مناطق إقليم الشرق عموماً، مع ما بُذل من محاولات لتأهيلها كمنطقة سياحية، وأثرت هذه القصص في الخيال الشعبي لأهل المنطقة حتى أصبحت مسلمات خاضعة للموروث الشعبي.

أساطير ومرويات

تقبع جزيرة سواكن في مساحة قدرها حوالى 20 كيلومتراً داخل مدينة تحمل الاسم نفسه، وتبعد عن مدينة بورتسودان حوالى 54 كيلومتراً، وعن العاصمة الخرطوم حوالى 642 كيلومتراً. تميزها أرض مرجانية يتكون منها تراثها المعماري، إذ شُيدت مبانيها ذات الطوابق المتعددة من الحجر المرجاني المطلي بالأبيض، ولها شرفات ونوافذ كبيرة، بطراز أخذ من المعمار العثماني والبريطاني. واختلفت الروايات حول تسميتها، إذ أُرجع اسمها إلى اللغة المصرية القديمة، ولم يبعد وحي هذه اللغة وسحرها من ربطها بأساطير ومرويات عدة، خصوصاً أنها منطقة موغلة في القدم، وشهدت عصور عدة منها البطالسة واليونانيون والمصريون والعثمانيون. وبعد هزيمة الثورة المهدية واسترداد البريطانيين للسودان عام 1899، أنشأوا ميناء بديلاً لميناء سواكن في بورتسودان، لعدم ملاءمته للسفن الكبيرة.

وصف كتاب “رحلة مصر والسودان” لمؤلفه محمد مهري منذ عام 1914 سواكن بأنها تُباع فيها جميع بضائع السودان ومصر والحجاز والهند وأوروبا. وما يزيدها أهمية أنها في طريق الحجاج المسلمين من جميع بلاد السودان إلى مكة. ولأهل سواكن خرافة في أصل تأسيسها، إذ قالوا: كان لبعض ملوك الحبشة الأقدمين مودة واتصال بأحد قياصرة الرومان فأرسل إليه سبعاً من الأبكار الحسان هدية، فأقلعن في زورق وجئن إلى سواكن وكان فيها سبعة من الجن فتصدوا لهن ومنعوهن من السفر، ثم تزوجوا بهن وأولدوهن أولاداً عمرت بهم المدينة فسميت “سبع جن”، ثم حُرفت إلى “سواجن” ثم إلى “سواكن”. وفي الواقع لا يُعلم زمن تأسيسها، ولكن التاريخ يدل على أنها كانت مركزاً تجارياً مهماً منذ عهد البطالسة على مصر، وأن بطليموس فيلادلفوس جعلها مخزناً لسن الفيل.

مزيج اجتماعي وديني

قال اللواء بحري الصادق عبد الله لـ”اندبندنت عربية” إن “مدينة سواكن، تتميز بأن جميع مبانيها وأصولها ظلت باقية في أماكنها لمئات السنين، وأنها مزيج من أهلها الأصليين وهم قبيلة البجا وتفرعاتها من الأمرار والهدندوة والأرتيقة والبني عامر والحباب وأصهارهم منذ قديم الزمان من حضرموت والحبشة والحجاز ومصر والشام والهند واليونان وصقلية وغرب أفريقيا وقوميات أخرى”.

وأوضح أن “المدينة لم تطلها يد التعمير إلا بشكل محدود عام 1986، عندما زارها الرئيس السوداني السابق المشير عبد الرحمن سوار الذهب وأعلن عن إعادة تعمير سواكن وبناء البوابة الموجودة حالياً، ثم في تسعينيات القرن الماضي أعيد تشغيل وإعمار الميناء، ولكن بشكل عام ليس هناك اهتمام بالمنطقة وتراثها”.

أما عن الدور الديني لسواكن، فقد ذكر أنه “يتمثل في هجرة الحجاج المسيحيين واليهود من إثيوبيا إلى بيت المقدس، وحجاج السودان وغرب أفريقيا إلى مكة لأداء الحج والعمرة. كما تتعدد فيها المذاهب الفقهية، إذ فيها أربعة مساجد كل منها يمثل مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة، ومن الطرق الصوفية يوجد بها الختمية والشاذلية والتيجانية”. وأضاف “أشهر معالم سواكن هي بوابتها وقصر الشناوي بيه الذي بُني عام 1879 على النمط المصري، ويتألف من ثلاثة طوابق و365 غرفة، وغرفة ضيوف للرجال وحرملك للنساء”.

وأضاف أن “الحديث عن الجن ارتبط بشكل خاص بقطط سواكن كبيرة الحجم التي تعيش في المباني المهجورة على البحر، وتعتمد في غذائها على الأسماك وعلى ما يجود به لها رواد المطاعم والمقاهي، واشتهرت بمد يدها للزبائن أو هزهم بيدها إن لم يستجيبوا لها، لذا وُصمت هذه الحركة بالغرائبية”.

وحي الاسم

قال أحمد علي هبناي، قاضي الدرجة الأولى في محكمة البيئة ببورتسودان لـ “اندبندنت عربية”، إن “قصة وجود الجن في سواكن تُروى في كل مرة بشكل مختلف، غير أن أهل المنطقة اتفقوا على وجوده في الجزيرة”. وواصل “حكى لنا أجدادنا أن النبي سليمان عندما كان في طريقه إلي اليمن ومعه مجموعة من الجواري توقفت المراكب ليلاً في سواكن للراحة، وفي الليل ضاجع الجن الجواري فولدن في الليلة نفسها، وحبسهم سليمان في قاع البحر، ثم فك أسرهم واشترط عليهم ألا يغادروا الجزيرة، وأن يخرجوا بعد مغيب الشمس ويرجعوا قبل الشروق. وفي الصباح، سافر سليمان وجنوده وتركوا أبناء الجن في جزيرة سواكن وسموها سواجن”.

وأضاف “هناك رواية أخرى أنه بعد الفراعنة والبيزنطيين والرومان جاء الأمويون والعباسيون ثم الأتراك وفي كل مرة يتجدد البناء بخليط من طين البحر الأسود بحليب الإبل، وهي مادة أقوى من الأسمنت فسموها “سواها جن” أي شيدها الجن. كما أضفى عليها اسمها سكوناً تاماً يبدأ من بعد مغيب الشمس وحتى الصباح، واستمر إلى يومنا هذا، وذلك بحسب أجدادنا بسبب خروج الجن من البحر ليلاً”.

4
جزيرة سواكن السودانية

ويرى هبناي أنه “على الرغم من أن جزيرة سواكن مهجورة إلا أن هناك بعض كبار السن من أسر معروفة من رجال الأعمال، مثل باعبود وباوارث والبربري لا يزالون يسكنون هناك، وهي مملوكة لهم منذ العهد التركي، ورحل أبناؤهم إلى بورتسودان. وأحياناً يُحكى على لسان هذه الأسر حكايات غريبة مثل مرض سيدات منهن ويقولون إن الجن اشترط عليهن ممارسة طقس الزار حتى يتم علاجهن. وهناك قصة تتردد في أرجاء سواكن عن أن زوجة الخديوي عباس باشا، أُصيبت بمرض عجز كل الأطباء عن علاجه، فلجأوا إلى إقامة الزار وأرسلوا إلى شيخة الزار المعروفة في سواكن اسمها عرفة، فسافرت إلى القاهرة ومعها فرقتها وطبولها وشُفيت زوجة الخديوي وأغدق على شيخة الزار الهدايا ورتبة بيه فصار الناس ينادونها عرفة بيه”.

تهيؤات وأوهام

وأوضح هبناي بما أن الجن لا يظهر مباشرة، فإن الناس يعتقدون أنه يظهر على هيئة قطط أو ثعابين أو فتيات جميلات ويطلقون عليه أسماء من مخيلتهم تعارف عليها على أنها أسماء الجن مثل تشوكب وتهشو. ويردد الأطفال أهزوجة ملحنة هي “كاشا كاشا تشوكب تشوكب كولن كولن”. ومن قصص الجن في سواكن، يسرد هبناي “أذكر أنه في عام 1974 كنت تلميذاً في المدرسة، وعادة ما نلزم الدار بعد المغرب، وهو الوقت الذي تسكن فيه الحركة تماماً حتى في فنادق المدينة. وفي أحد الأيام تأخر أحد أقاربي، وفي طريقه كان يمر بمحطة سكة الحديد القديمة وهي مهجورة منذ حوالى 70 عاماً، ويقول أهل سواكن إنها مسكونة ولا يقترب منها أحد في الليل. وعندما وصل إلى المحطة سمع أصواتاً عالية وجلبة، وكانت تنبعث من المنطقة درجة حرارة مرتفعة فهرع إلى المنزل جرياً وهو في حالة هستيرية وصراخ ولم يصمت إلا بعمل رقية شرعية من أحد المشايخ. وفي الصباح أخبرنا أنه رأى ناراً كثيفة وأشكالاً غريبة في تلك المنطقة”.

“ومن أساطير الجن في سواكن أن رجلاً تزوج جنية اشترطت عليه ألا يأتي إلى المنزل إلا بعد غروب الشمس، وعندما أنجب منها ابناً صار عمره 10 سنوات، جاء نهاراً وكان الأب ينظر إلى طائر جميل فوق الشجرة، فقال له الابن يمكنني إحضاره لك، ولم يصدق الأب، ولكن الابن طار وأحضره. فذهب الرجل إلى الشيخ وحكى له قصة ابنه، فقال له الشيخ لقد كشفت سر ابنك ولن يعيش بعد اليوم، فرجع إلى بيته فوجد أن ابنه مات، وعندما نظر إلى زوجته ظهرت له في هيئة قبيحة فأصبح يصرخ في حالة هيستيرية، وأشار بعض الشيوخ إلى أن هذه الجنية لن تغادر جسده إلا بعد أن يطلقها وطلاقها يكلف 40 أوقية من الذهب”.

تعلق بالغيبيات

ترى الباحثة في علم الاجتماع هند السيد، أن هذه الظواهر المرتبطة بالجن وبعض الأفكار الغيبية، نابعة من طبيعة تفكير فئات اجتماعية لديها استعداد نفسي للاعتقاد بها، ولا يزال يغذيها الموروث الشعبي والإيمان بالقوى الخارقة، إضافة إلى أن بعض الظواهر لم تجد تفسيراً علمياً بعد، فتركت الباب مفتوحاً للتكهنات. وباعتبار أن الجن جاء ذكره في القرآن الكريم، فإن اللجوء لرجال الدين والشيوخ لاستخراجه من جسد شخص معين، خلق نوعاً من الدجل، وهو فهم خاطئ للدين”.

وأضافت السيد أن “الظاهرة هي أقرب للتعلق بالغيبيات للهروب من الواقع، وتتفاوت نسبة التعلق بها تبعاً للوجود المكاني، إذ تكاد الظاهرة تتلاشى في المدن الكبيرة، وبحكم أن سواكن مدينة صغيرة، ومجتمعها ثابت نوعاً ما، فيصعب اختراقه بتجديد المفاهيم والتوعية، بعكس ما ظلوا يعتقدونه لمئات السنين”.

وتابعت “أما ظاهرة البيوت المهجورة المسكونة بالجن وقصص دخول الجن في جسد الإنسان الذي يقترب منهم ستظل أساطير، فلم تتوصل البحوث في هذا الشأن إلى دليل علمي بوجودهم في المجال البشري نفسه، وبما أن كثيراً من الحالات صُنفت كأعراض لاضطرابات سيكولوجية، فإنه في حالة سواكن ولانتشار الاعتقاد الكامل بهم، فإن تصنيفه يجيء كحالة استلاب ثقافي اجتماعي راسخ يُضاف إليه عائق آخر هو أن التشكيك في صدقية هذه القصص سيؤدي إلى سخط وانتقام من الجن”.

اندبندنت

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.