لماذا تفلس الدول؟

تستعمل كلمة إفلاس في كل المجالات لا الاقتصادي فحسب، فيقال الإفلاس السياسي للتعبير عن فريق ما عاد يملك خطاباً محدداً أو فشل في تطبيق برنامجه السياسي. ويقال إفلاس أخلاقي للأشخاص أو المؤسسات أو الدول التي تصل إلى مبتغاها بواسطة طرق غير قانونية أو طرق مخالفة للتشريعات والمواثيق الدولية. أما في الإفلاس المالي، فنسمع كثيراً عن أشخاص أو شركات أو مصارف أعلنت إفلاسها، ولهذه الأنواع من الإفلاسات طرقها وقواعدها في القوانين المحلية والدولية تحدد كيفية التعامل معها.

أما في حالة الدول، فالإفلاس يتخذ أشكالاً عديدة، وطرق انتشال الدول من الإفلاس مختلفة في القوانين الدولية وتختلف من دولة إلى أخرى، وتتداخل السياسات الدولية والعلاقات بين الدول الكبرى ومدى تأثيرها في قرارات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في مثل هذا النوع من الإفلاسات. فهل تفلس الدول؟ وكيف؟ وهل هناك من طرق لإخراجها من إفلاسها؟ وما الدول التي أعلنت إفلاسها أخيراً؟

الإفلاس السيادي

الإفلاس السيادي (Sovereign Default) هو فشل أو رفض حكومة سداد دينها بالكامل. وقد يرافقه إعلان رسمي من قبل الحكومة بعدم السداد أو السداد الجزئي لديونها المستحقة، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة.

في بعض الأحيان قد تخفض البلدان من قيمة عملتها عن طريق إنهاء أو تغيير قابلية تحويل عملاتها إلى معادن ثمينة أو عملات أجنبية بأسعار صرف ثابتة. وإذا شعر المقرضون أو مشترو السندات أن الحكومة قد تفشل في سداد دينها، قد يطالبون بمعدل فائدة أعلى لتعويض مخاطر العجز. وقد تواجه الحكومة ارتفاعاً كبيراً في سعر الفائدة بسبب خوفها من الفشل في سداد دينها، الذي يطلق عليه أحياناً أزمة الديون السيادية.

وقد تكون الحكومات عرضة لأزمة ديون سيادية بسبب عجز العملة إذا كانت غير قادرة على إصدار سندات بعملتها، وانخفاض قيمة عملتها قد يجعل من تسديد السندات بالعملات الأجنبية باهظاً للغاية.

وقد تواجه الحكومات ضغطاً كبيراً من البلدان الدائنة. في الحالات القصوى، قد تعلن الدول الدائنة الحرب على البلد المدين لفشله في سداد دينه. على سبيل المثال، غزت بريطانيا بشكل روتيني البلدان التي فشلت في سداد ديونها الأجنبية، حيث غزت مصر عام 1882. ومن الأمثلة الأخرى “دبلوماسية البوارج” الأميركية في فنزويلا في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر والاحتلال الأميركي لهايتي في أوائل عام 1915. والحكومة التي تعجز عن السداد قد تواجه ضغطاً سياسياً من حملة السندات المحليين لسداد ديونها، لذا عادة ما تدخل في مفاوضات مع حاملي السندات للموافقة على تأخير أو التقليل الجزئي لدفعات الديون، الذي عادة ما يطلق عليه اسم “إعادة هيكلة الديون”.

عادة ما يساعد صندوق النقد الدولي في إعادة هيكلة الديون السيادية، لضمان توافر الأموال لسداد الجزء المتبقي من الدين السيادي. وغالباً ما يجعل قروضه مشروطة بمعايير تقشف في البلاد، مثل زيادة الضرائب أو تخفيض الوظائف والخدمات في القطاع العام. من أحدث الأمثلة اتفاقية إنقاذ اليونان في مايو (أيار) 2010. أو الاتفاقيات التي تجري مع لبنان والتي لم تصل إلى نتيجة حتى اليوم بسبب الانقسامات السياسية وعدم تشكيل حكومة منذ ما يزيد على السنة.

الدول التي أعلنت إفلاسها أو مقبلة على ذلك

في العقد الثاني من القرن الـ21، تواجه ست دول من دول الاقتصادات الناشئة احتمالات التخلف عن سداد ديونها، وسط الأزمات الاقتصادية التي تسببها جائحة كورونا للطلب العالمي على السلع الأولية، وانهيار صناعة السفر والسياحة بسبب إغلاق الحدود بين الدول، وبسبب الفساد المالي والإداري في معظم الدول النامية التي وصلت إلى مرحلة عدم التمكّن من سداد ديونها. وهناك اليوم نحو ست دول أعربت عن عدم قدرتها على خدمة ديونها وطلبت مساعدات من صندوق النقد الدولي، أو من البنك الدولي، وهي لبنان وجزر المالديف وزامبيا والإكوادور ورواندا والأرجنتين والبرازيل، ويبدو أنه ستنضم دول أخرى إلى القائمة مع تقدم الوقت، بسبب ارتفاع ديون الاقتصادات الناشئة بشدة خلال السنوات الماضية.

وحسب بيانات معهد التمويل الدولي، فإن ديون الاقتصادات الناشئة ارتفعت من تريليون دولار عام 2005 إلى 3.2 تريليون دولار في عام 2019، وقد زادت بنسبة كبيرة خلال السنتين الماضيتين بسبب التأثيرات المديدة والطويلة الأمد التي كرّستها جائحة كورونا.

ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد الأميركية، رامن تولوي، أن ارتفاع حجم ديون الاقتصادات الناشئة يمثل تحدياً كبيراً للاقتصاد العالمي وفرص انتعاشه من “كوفيد-19”.

المشكلة الأساس هي أنه لا يوجد قانون دولي أو محكمة دولية لحل قضايا الإفلاس السيادي، وهذا يفسر لماذا يختلف مسار هذه الحالات ومدتها وحدتها. اقتُرح المزيد من التنظيمات الدولية، لكن هذه الشروط والقواعد تظل خاضعةً لإرادة البلد الذي أصدر الديون.

ولا يستبعد محللون ماليون أن تشهد السنوات المقبلة عمليات تحول واسعة في سبل تسوية ديون الدول الناشئة، التي يمكن أن تتحول فيها الملكية من المدين إلى الدائن، ويجري من خلالها تحول هائل في تركيز الملكية من الدول الناشئة إلى أيدي عدد من البنوك التجارية الغربية الدائنة.

إفلاس الدول في التاريخ

في القرن الـ16، أشرف ملك إسبانيا، فيليب الثاني، على أربعة إفلاسات في بلده. ونقضت اليونان والأرجنتين التزاماتهما تجاه مالكي السندات سبع وثماني مرات على التوالي خلال القرنين الماضيين. ومعظم الدول أصابها الإفلاس مرة في الأقل في تاريخها.

حين يعجز بلدٌ ما عن الدفع لدائنيه في الوقت المحدد، يدخل في حالة “التوقف عن الدفع”، أي ما يوازي الإفلاس. ولكن الإفلاسات السيادية تختلف عن إفلاس الشركات، لأنه من الأصعب بكثير على الدائنين أن يستملكوا أصول كيان سيادي، من أن يضعوا يدهم على أصول شركة خاصة.

بعد إفلاسها عام 2001 مع ديونٍ تجاوزت الـ81 مليار دولار، عرضت الأرجنتين على دائنيها أن تدفع ثلث ما يترتب عليها. وحين وقعت اليونان في الإفلاس عام 2012، أُجبر مالكو السندات الحكومية على تحمل خسارة بلغت حد 50 في المئة من قيمة سنداتهم الأصلية وهو ما يسمى بعملية “قص الشعر” (Hair Cut). في حالاتٍ أقل حدة، من الممكن للحكومات أن تعيد هيكلة دينها عبر طلب المزيد من الوقت للدفع. ينتج عن هذا الفعل خفض قيمة السند ما يوقع المستثمرين في الخسارة، وهو الخيار الذي كان مطروحاً لحالة أوكرانيا.

في الحالة اللبنانية مثلاً، بعد إعلان الحكومة اللبنانية عن التوقف عن دفع سندات “يوروبوند”، شعر المدخرون والمستثمرون المحليون أن قيمة الليرة اللبنانية ستنخفض تلقائياً، فهرعوا إلى سحب أموالهم من الحسابات المصرفية وتحويلها إلى خارج البلاد. في العادة وفي مثل هذه الحالات تفرض الحكومة إغلاق المصارف وتقرير قيود على التحويل (Capital Control)، وهذا ما لم يحدث في لبنان بسبب الخلافات السياسية حول الأمر، ما أدى إلى خروج مئات مليارات الدولارات من البلاد إلى مصارف أجنبية في فترة قصيرة جداً في أواخر عام 2019.

وفي لبنان لم يُقر حتى الـ”هيركات” الذي يأخذ من قيمة سندات المودعين المحليين عبر إعادة هيكلة الدين، والسبب أيضاً الخلافات السياسية التي تعني في مجملها أن المدعين الأساسيين أو الكبار في لبنان سواء في القروض السيادية أو في السندات المحلية هم من السياسيين أنفسهم أو من المقربين منهم، وهكذا لا تسري القواعد اللازمة للحد من الانهيار بسبب عدم القدرة على تمرير الإصلاحات المطلوبة. ومن الواضح أن الاجتماعات الكثيرة للحكومات السابقة مع ممثلي البنك الدولي من جهة وممثلي صندوق النقد الدولي في الجهة الثانية لم تؤد إلى أي نتيجة تذكر. واستمر الأمر على هذه الحال بانتظار الحكومة الجديدة التي تقف عقبات كثيرة في طريق تشكيلها، بعضها عقبات داخلية، وأخرى خارجية ناتجة عن عدم حياد لبنان في الأزمات المتلاحقة التي تضرب المنطقة.

ولا بد من الاشارة إلى أن قرابة نصف دول القارة الأوروبية، و40 في المئة من دول أفريقيا، و30 في المئة من دول آسيا أعلنت خلال القرنين السابقين إفلاسها. وكانت الولايات المتحدة وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة والصين أبرز الدول التي أعلنت إفلاسها وعجزها عن سداد ديونها الداخلية أو الخارجية خلال القرنين الماضيين. وأعلنت ألمانيا إفلاسها ثماني مرات خلال 200 عام.

إندبندنت



اضغط هنا للإنضمام للواتسب او هنا


اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.