“القفص الذهبي” مغلق أمام الراغبين… بسبب التكاليف

سمحت جائحة كورونا لعديد من الشبان المقبلين على الزواج، بالهروب من التزامات عدة كحفلة العرس والعزائم وإيجار الصالة وجلسات التصوير الفوتوغرافي والموسيقى.

وبالفعل، استغلت فئة كبيرة أزمة الحجر الصحي، وسارعت للانتقال إلى عش الزوجية بأقل خسائر ممكنة.

في المقابل، رفضت عائلات كثيرة فرضية كورونا وأزمتها الصحية، وأجّلت زفاف بناتها إلى أن تتحسن الأوضاع متمسكة بكل العادات والتقاليد الموجودة في المجتمع، ما راكم على العريس كثيراً من الأعباء المادية.

وفي حين تبحث بعض العائلات عن أفخم وأكبر زفاف لأولادها، ثمة عائلات تكتفي بالقليل وتشعر مع العريس بما هو مقبل عليه، بخاصة في ظل أزمة اقتصادية ومادية خانقة يعاني منها مختلف الدول.

مغالاة في المهور بالعراق

تستذكر السيدة العراقية فاتن رحيم الاختلاف في متطلبات الزواج بين السنوات التي عاشتها في الثمانينيات عن الأيام الحالية. رحيم التي تهم حالياً بالتحضير لزفاف ابنها تقول “على الرغم من أن ابني يعمل براتب جيد فإنه لم يتمكن من إكمال متطلبات الزواج من دون أن نمد له يد العون مادياً، فالتكاليف أصبحت غير منطقية ولا يمكن أن يتحملها الشاب حتى وإن كان مدخوله المادي معقولاً”.

ومع الارتفاع الذي شهدته الأسعار بسبب خفض قيمة الدينار العراقي، انخفضت أيضاً القدرة الشرائية للمواطنين، وأصبح الإقبال على بدء حياة جديدة بالنسبة إلى الشباب أمراً صعباً من دون مساعدة الأهل.
في السابق، كانت العائلات العراقية تعتمد على أن يشارك ابنها المتزوج حديثاً، بيت العائلة، وبالتأكيد كان هذا العامل يسهم في رفع تكاليف الإيجار عن كاهل الشاب المتزوج حديثاً، لكن مع تغير الحياة الاجتماعية تعددت الاحتياجات، فأصبحت تكاليف الزواج لا تقتصر على شراء الذهب (كمهر للزوجة) وإنما تشمل إقامة الحفلات وتخصيص مكان مستقل للعيش وما يتطلبه من تأثيث المكان وتكاليف السكن العالية.

أرقام خيالية

تُتداول في صفحات التواصل الاجتماعي أرقام خيالية للمهور، ويرى البعض أن هذا السلوك في المغالاة يجعل الشباب محدودي الدخل يعزفون عن الارتباط مخافة أن يطلب أهل الزوجة هذه المبالغ العالية.
وأوضح الباحث القانوني، أسامة شهاب حمد الجعفري، أن “قانون الأحوال الشخصية العراقي يرتكز على المقدرة المالية للزوج وبالتالي يفرض التزامين مهمين على الزوج، هما المهر والنفقة (النفقة على زوجته وعلى أولاده)، ومن ثم، فإن الزواج مشروع لا يتضمن لقاء المشاعر والتفاهم فحسب، وإنما يتضمن قدرة الزوج المالية على قيادة الأسرة. فالعلاقة بين الزواج والمهور علاقة طردية، كلما ارتفعت المهور، ارتفعت نسبة عزوف الشباب عن الزواج”. ولفت الجعفري إلى أن “القدرة المالية هي أحد أسباب الاستقرار إن لم تكن الوحيدة، كما يرى أن السبب في ارتفاع المهور والمغالاة فيها يعود إلى الأعراف الاجتماعية التي تربط المهر العالي بضمان حقوق المرأة. أهل المرأة ينظرون إلى المهر العالي كضمان لابنتهم ومن ثم ترفع قيمته لزيادة الضمان”.
أما الشاب العراقي صهيب الزبيدي فيرى أن “تأثير المظاهر بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والاستعراض جعل من الزواج وسيلة للتباهي لمن يقدم المهر العالي، وهذا بالتأكيد يؤدي إلى عزوف الشباب من أصحاب الدخل المحدود وحتى الدخل المتوسط، عن الزواج”.
التنازل عن الكماليات
من جهة أخرى، ارتفعت قيمة مثقال الذهب في العراق لتصل إلى 460 ألف دينار للمثقال الواحد أي ما يعادل أكثر من 274 دولاراً. وهذا يعني أن تكلفة شراء مهر الزوجة وهو المعتاد في الأعراف الاجتماعية العراقية الذي يسمى بـ”النيشان” تصل إلى أكثر من خمسة ملايين دينار عراقي، أي ما يقارب 3000 دولار. أما تكلفة إيجار قاعات الأعراس فتصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين دينار (2060 دولاراً).
وفي هذا السياق، قالت رانيا محمود التي تستعد حالياً لحفل زفافها، “كنت أتمنى أن أحتفظ لنفسي بفستان الزفاف كذكرى لهذا اليوم، إلا أن غلاء الأسعار التي تصل إلى أكثر من 700 دولار لشراء الثوب جعلني أستبعد الفكرة وأكتفي بإيجاره ودفعت مقابل يوم واحد نحو 400 دولار”. وأضافت الشابة العراقية “تنازلنا عن الكثير من الكماليات وسنكتفي بحفل بسيط يجمع العائلتين”، واصفة الأسعار التي تتطلبها حفلة الزفاف بـ”الخيالية”.
كابوس مرعب

كذلك، يرى الباحث عماد الشمري أن “العقبة الأولى لعزوف الشباب عن الزواج هي في المغالاة في المهور. أما العقبة الثانية فهي الاصطدام بغلاء المعيشة ومتطلبات الحياة المتجددة. تكاليف الزواج لشاب في بداية مشوار حياته أصبحت كابوساً مرعباً يجعله يبتعد عن التفكير في الزواج كثيراً”.

لا يمكن الزواج من دون دعم العائلة

وتقول الشابة لمى الدايني إن “قليلاً من الشباب تتاح له فرص عمل تتيح بدء حياة زوجية، أو يقبل على الزواج من دون مساعدة الأهل، فالغالبية لا يمكنهم الاستغناء عن مساعدة أهلهم، التي من دونها سينتظرون سنوات طويلة كي يتمكنوا من تأمين تكاليف الزواج”. أما الشابة نغم حسن عزيز، فترى أنه “من الضروري أن يتعاون أهل الشابة مع الشاب الذي يتقدم لخطبة ابنتهم وأن يأخذوا في الاعتبار الظرف العام ويتساهلوا معه. فالتعاطف مع الشاب ضروري جداً لا سيما إن كان ذا سيرة حسنة، فالتعاون مهم لكي يبدأوا حياتهم”. لكنها مع ذلك ترى ضرورة في أن يراعي الشاب “المستوى الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيش فيه المرأة التي يتقدم لخطبتها. ومن المهم أن يؤمن لها العيش بالمستوى ذاته وليس أقل، كي يضمن حياة زوجية بأقل قدر من المشاكل”.

قفص الزوجية بعيد المنال في الأردن

على الرغم من تحول جائحة كورونا إلى فرصة مواتية للشباب الأردني للتحلل من التزامات الزواج وتكاليفه الباهظة، لا تزال الظروف الاقتصادية تقف عائقاً أمام حلم أغلب الطامحين للزواج.

فمع إغلاق صالات الأفراح ومنع التجمعات العامة وفق قانون الدفاع في الأردن لمواجهة الجائحة العالمية، اضطر كثير من الشبان الذين كانوا يخططون لزفافهم، إلى الزواج دون احتفال وبأقل التكاليف.

ويشكل ارتفاع نسب البطالة في الأردن إلى ما نسبته 30 في المئة، ومحدودية الأجور، السبب الأبرز لعزوف الشباب الأردني عن الزواج، بحيث أصبح قفص الزوجية بعيد المنال.

الزواج من سوريات

في عام 2013 مع بدء توافد اللاجئين السوريين إلى الأردن، وجد كثير من الشباب الأردني ضالتهم في الزواج من فتيات سوريا، تحت ضغط الظروف الاقتصادية والرغبة بالاستقرار.

وتكاثرت مكاتب الوساطة بهدف عقد زيجات من لاجئات سوريات، بمهور متواضعة ومن فتيات في مقتبل العمر.

وأطلق ناشطون سوريون في حينه حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تتم محاصرة هذه الظاهرة في سنوات لاحقة.

لكن سجلات دائرة قاضي القضاة الأردنية بينت أن عدد حالات زواج الأردنيين من سوريات كان ضمن المعدل الطبيعي، ودون وجود استغلال، بخاصة للفتيات المتواجدات داخل مخيمات اللجوء.

عنوسة وعزوبية

في السنوات الأخيرة دق أخصائيون اجتماعيون في الأردن ناقوس الخطر بعد تداول أرقام وإحصاءات مقلقة تتحدث عن وجود مليون امرأة عزباء و44 ألف مطلقة، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء المهور وزيادة التكاليف وظاهرة الزواج من أجنبيات.

ووفقاً للمؤشرات الجندرية لعام 2018 الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، فإن 2.726 مليون نسمة من سكان الأردن عازبون وعازبات، و3.675 مليون نسمة متزوجون ومتزوجات.

ويعزو مراقبون أسباب هذه التغيرات الاجتماعية على الأسرة الأردنية إلى أسباب تقليدية وأخرى حديثة، حيث دخلت وسائل التواصل الاجتماعي على الخط، وسط تحذيرات من تداعي أركان مؤسسة “الزواج” في الأردن.

وتشير الأرقام الرسمية المسجلة في الأردن، منذ عام 1979، وحتى الآن، إلى أن معدل العنوسة في ارتفاع، حيث تضاعفت أعداد الفتيات اللواتي تجاوزت أعمارهن الثلاثين من دون أن يسبق لهن الزواج، بمعدل 15 مرة في العقود الأربعة الأخيرة.

ارتفاع سن الزواج

ومن بين فتيات الأردن اللواتي في سن الزواج، فإن نصفهن تقريباً لم يتزوجن. كما تشير إحصاءات رسمية إلى ارتفاع لافت في متوسط سن الزواج للذكور، من 26 سنة في عام 1979 إلى 31.3 سنة في عام 2016، بينما زاد متوسط عمر زواج الإناث من 21.1 سنة في 1979 إلى 27 سنة في 2016. في المقابل يحتل الأردن المرتبة الأولى عربياً في نسب حالات الطلاق.

وتسهم الأعراف والتقاليد الاجتماعية في ارتفاع تكاليف الزواج في الأردن، حيث تصر كثير من الأسر على طلب مهور مرتفعة، ومظاهر احتفالية باذخة كالزواج في الفنادق أو الصالات، فضلاً عن شراء كميات كبيرة من الذهب واشتراط وجود منزل في كثير من الأحيان.

ويبلغ الحد الأدنى من الأجور في الأردن نحو 360 دولاراً، وهو رقم متواضع أمام تكاليف الحياة الشهرية في البلاد، حيث يصنف معظم الأردنيين بأنهم تحت خط الفقر المحدد بأجر شهري يقل عن 850 دولاراً. في حين بلغ متوسط تكلفة الزواج في الأردن 14000 دولار.

وتكشف دراسة لجمعية العفاف الأردنية التي تقوم بتزويج الشباب الأردني، أن معدل المهور (المؤجل والمعجل) المقدم للزوجة في المحافظات الأردنية أعلى منها في العاصمة بصورة لافتة.

الغلاء والهجرة والحرب في اليمن… عوامل تعيق الشباب عن اتمام “نصف الدين”

في اليمن المثخن بجراح الحرب التي أسهمت بشكل كبير في عزوف كثير من الشبان عن إتمام خطوة “نصف الدين” نتيجة المآلات القاسية التي انعكست على حياة الناس عقب موجات متلاحقة من الانهيار الاقتصادي، وفقدان السيطرة على القطاع المصرفي، وتوقف الرواتب التي كان يتقاضاها نحو مليونَي موظف حكومي من إجمالي 30 مليون نسمة، يقابله توقف شبه تام للخدمات العامة وانعدام الأمن.

“كيف يمكن أن أتزوج ونحن لا نجد وقوداً ولا كهرباء ولا دخلاً ثابتاً”، كان هذا السؤال الاستنكاري مقدمةً لشكوى وحرقة تعتمر في صدر الشاب اليمني أنور صالح (27 سنة) العامل في محل لزينة السيارات في مدينة مأرب (شرق اليمن).

بين الأمس واليوم… عادات وتقاليد في الأعراس اللبنانية
يؤكد أنور أنه اضطر لتأجيل حفل زفافه أكثر من مرة، على الرغم من مرور سنوات عدة على خطبته نتيجة “الغلاء الفاحش لكل متطلبات الحياة الضرورية” الذي خلفته تداعيات الحرب الدائرة في البلد الفقير منذ سبع سنوات. وضاعفت من التكاليف اليومية لكثير من الشباب اليمني، حالة الشتات الجماعي للآلاف منهم، جراء الأوضاع الملتهبة في عموم المناطق، كما هي حال أنور الذي اضطر وأسرته لترك العاصمة صنعاء “عقب المضايقات الحوثية لكل تجار القطاع الخاص وطلبهم إتاوات شبه يومية لتمويل حروبهم”.

أحمال ثقيلة

ويتطلب إتمام مشروع الزوجية في اليمن، ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين ريال (من 3 إلى 4 آلاف دولار أميركي) فضلاً عن التكاليف الأخرى الخاصة ببيت الزوجية ومعيشة ما بعد دخول “القفص الذهبي”، وهي تكاليف لا يقدر عليها معظم المُقدمين على الارتباط، خصوصاً في ظل الظروف الحالية. وتقول الباحثة الاجتماعية اليمنية، حنان الرداعي، إن “الانهيار الاقتصادي المتلاحق بات يفوق قدرة الشباب اليمني على توفير أهم احتياجاته لبناء أسرة ذات مستوى متوسط الحال مع هبوط قيمة العملة وتفاقم الأزمة الإنسانية وانقطاع الرواتب وانعدام فرص العمل الذي يقابله غلاء متزايد للسلع الأساسية والكمالية، وهي عوامل قاهرة وصعبة على الشباب والفتيات، حدت من إقبالهم على الزواج”.

وتورد الرداعي عوامل أخرى تتمثل في “ارتفاع إيجارات البيوت والشقق السكنية التي أصبحت تمثل كارثة إنسانية يتعرض لها معظم اليمنيين، ما دفع بالبعض نحو الشارع”.
إضافة إلى ذلك، ترى الباحثة اليمنية أن “متطلبات الزواج ذاته أصبحت محاطة بصعوبات عسيرة في التكاليف ومراسم الحفل منها، متطلبات العروس من مهر وكسوة ومنزل وأثاث أو تفاصيل الزفاف التي لوحظ ازديادها في الفترة الأخيرة، مثل إقامته في صالة أفراح فارهة بدوافع المباهاة والتقليد الدخيل على مجتمعنا، والمهور الباهظة التي تصيب الشباب باليأس وغيرها من التفاصيل والمظاهر التي تبالغ الفتيات في طلبها، فقط لتكون مميزة في يوم زفافها، وكلها متطلبات تستنزف من الشاب مدخراتهم أو قد تؤدي إلى عزوفهم عن فكرة الزواج”.
لا يغريهن بريق القفص

كذلك أشارت الرداعي إلى “بروز شريحة كبيرة من الفتيات اللواتي لم يعد داعي وجود شريك يغريهن للارتباط، بسبب عدم توفر الشاب الذي يلبي كل متطلباتهن، إضافة إلى سوق العمل الذي اقتحمته كثيرات، ما أتاح لهن الاكتفاء الذاتي والاعتقاد بأن لديهن القدرة على الحياة دون حاجة لزوج، لا سيما في غياب التوعية الأسرية وتوضيح معنى الزواج وفهم فكرة التعاونية بين الزوجين”.

الهجرة أو القتال

من بين العوامل اللافتة التي طرأت على الفئة الشابة في اليمن خلال السنوات الماضية، لجوء كثير منهم للهجرة هرباً من الفقر الذي دفع آخرين إلى الانضمام إلى جبهات القتال، وترك فكرة الارتباط للزمن والظروف المستقبلية التي تحدده. ولهذا كشفت دراسة أجرتها إذاعة هولندا حول العنوسة لدى النساء أخيراً، أن اليمن “تحتل البلد العاشر عالمياً، بنسبة 30 في المئة”.

ووفقاً للرداعي، فإن “أسباب هذه الظاهرة ترتبط بالفقر والعادات والتقاليد القبلية التي تحصر الزواج بابن العشيرة، إضافة إلى تردي الوضع المعيشي الذي يدفع الشاب إلى التأجيل اللامتناهي لفكرة الزواج”.

التحديات المادية تلقي بثقلها على شباب المغرب

يشهد المغرب منذ سنوات تراجعاً في نسب الزواج، نظراً إلى الصعوبات التي يواجهها الشباب، التي هي بالأساس قلة الإمكانات المادية، نظراً لندرة فرص العمل في البلاد لعقود، إضافة إلى تدني القدرة الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار و”تجمد” أجور العمال والموظفين، وغلاء أسعار المنازل، فيما زادت تداعيات جائحة كورونا من حدة ذلك التراجع، حيث كشفت دراسة للمرصد المغربي للتنمية البشرية (حكومي) بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه “على الرغم من كون الشباب المغاربة مهتمين بفكرة تكوين أسرة، إلا أن عزوفهم عن الزواج في تزايد، وانتقلت نسبة العزوف من 42 في المئة في عام 2011 إلى 70 في المئة في 2019″، موضحةً أن “الشباب يشكلون الفئة الأكثر تأثراً بالأزمة، باعتبارها إحدى الفئات الاجتماعية في المغرب التي تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية”.

الهاجس المادي

تظل التكاليف المالية أهم عائق أمام الشباب المغربي باتجاه الزواج، حيث تتراوح قيمة المهر بين 500 دولار وأكثر من ألفي دولار، فيما يصل متوسط تكاليف حفل الزفاف لأكثر من 10 آلاف دولار، تتوزع بين: قاعة الحفلات، وأتعاب مموّن الحفل، والمجموعة الموسيقية، والنكافة (المكلفة بلباس العروس)، إلا أن حجم تلك المصاريف قد يزيد بأضعاف ذلك أو يتراجع، بحسب وضع العريس المادي. ويشير “العدل الموثق” (كاتب العدل)، رضوان عزيزي، أنه “على الرغم من كون المرأة المغربية في الغالب لا تشغلها الأمور المادية بقدر ما تهتم بالاستقرار وتبحث عنه”، موضحاً “في المقابل، فإن أهم الشروط التي تفرضها النساء، هو السكن في منزل مستقل عن عائلة الزوج، وهو أمر جد مكلف”، موضحاً أن “مبلغ الصداق لحد الآن يبقى معقولاً وغير مبالغ فيه”.

من جانبه يقول عضو المركز المغربي للوساطة والتحكيم، حسن رقيق، إن “تزايد العزوف عن الزواج في المغرب يعود بالأساس إلى الفقر الذي يعاني منه قسم من المجتمع، في الوقت الذي يتطلب الزواج في جانب منه تكاليف جد مرتفعة من مهر وحفل زفاف، وهو ما يفرض على البعض اللجوء إلى الاقتراض، الذي قد تنسف تداعياته العلاقة بين الزوجين، وتؤدي بهم في عديد من الحالات إلى الطلاق”.
تواتر الإكراهات
ولفت الباحث في علم الاجتماع، محمد المرجان، إلى أن “تواتر النمو الديموغرافي مع الأزمات الاقتصادية وانعدام فرص العمل، مع ما يفرضه كل ذلك من تحول قيَمي وسلوكي، بخاصة في ما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، جعل كثيراً من الشباب يقلع أو يتغافل عن الأمر، لذلك يمكن الإشارة إلى فقدان مؤسسة الزواج لهيبتها لدى أغلب فئة الشباب، التي لم تعد راغبة في تحقيق رباط يعيد إنتاج وضعيتها المتأزمة أصلاً”.
ولتفسير تلك الوضعية، أشار المرجان إلى ملاحظات، منها ما هو موضوعي وما هو ذاتي: الوضعية الاقتصادية الهشة لفئات اجتماعية، تُعد مانعاً حقيقياً لتحمل مسؤولية الأسرة، بالتالي من غير المنطقي أن يفكر الشباب في الاقتران حينما تنعدم القدرة على الإنفاق”. وأضاف الباحث إلى ذلك، “عامل اختلال التوازن العلائقي بين الرجل والمرأة، حيث حققت الأخيرة تقدماً ملموساً في ميادين التعليم والعمل، وأصبحت مستقلة في قراراتها واختياراتها الزوجية أو غيرها، وهذا التغير لا يستسيغه كثير من الرجال الذين ظلوا متمسكين برؤية ذكورية، مما يعني احتمال المواجهة الدائمة، والمشاحنات المنفرة لكليهما عن مواصلة، أو التفكير في الزواج”. وبخصوص العامل الثالث، قال الباحث إن “خروج المرأة للعمل كظاهرة حضارية، لم يكن لها الأثر نفسه على الجنسين، فإذا كان العمل هو وسيلة من وسائل الإسهام في بناء الأسرة وتلبية حاجياتها الأساسية، فإنه بالنسبة إلى عديد من الزيجات هو مثار نقاش وصراع ومواجهة، مما قد يدفع باتجاه التفكك الأسري وانفراط عقد الزواج”.
وخلص المرجان إلى “وجود وعي حقيقي لدى الشباب بجسامة المسؤولية في الزواج، وهو وعي يتحول تدريجاً إلى خوف عميق يدفع كثيرين إلى اختيار العلاقات المفتوحة دون التزام اتجاه طرف معين، لكنه خوف يقترن بغياب القدرة المادية والمعنوية، وبالعجز عن تلبية الرغبات في ظل مجتمع استهلاكي، تتنامى فيه الطموحات بسرعة أكبر من الإمكانات”.

تكاليف زواج مصرية تقاوم التجديد وتتمسك بالقائمة

توفي أستاذ حسن بعد صراع قصير مع إحدى متحوّرات “كوفيد-19″. ترك الفقيد زوجة في الـ 55 من العمر وابنين وقرضين و”جمعية”. الزوجة مستحقة لمعاش زوجها الهزيل. والابنان يعمل كل منهما في وظيفة جيدة بدخل معقول.

أما غير المعقول، فهو أن القرضين المستحقين على المرحوم للبنك كانا لغرض تدبير تكاليف حفلة زواج الابن الأول وشبكة العروس وتوفير قيمة مقدم شقة لزواج الابن الثاني. “الجمعية” أمرها بسيط، فقرّر زملاء المرحوم أن يتكفلوا بنصيب زميلهم تخفيفاً عن الأسرة المكلومة. (الجمعية مبالغ مالية متساوية يدفعها عدد من الأشخاص شهرياً ويذهب المجموع لأحدهم على شكل من أشكال الادخار القصير).

قصم الظهر

الابنان أحدهما متزوج، وهو ما “قصم ظهر الأب مادياً”، بحسب قول الأم. فعلى الرغم من أن الابن وعروسه تقاسما مقدم شقة الزوجية وشراء الأثاث ومستلزمات أخرى، إلا أن حفلة الزفاف المبهرة التي أصرّ عليها والد العروس كلّف المرحوم ما لا يقل عن 250 ألف جنيه (نحو 16 ألف دولار). ولولا الربع مليون جنيه قاصمة الظهر، لألغى والد العروس الزيجة وكسر قلب الابن. أما الابن الثاني، فأكمل ما بدأه الأول من قصم الظهر، وذلك بمقدم شقة ليتزوج فيها حين تظهر العروس المناسبة.

لكن العروس المناسبة وعريسها المناسب محملان بكمّ مذهل من الأعباء المادية والعادات العضالة والتقاليد المزمنة. هذه الباقة ما زالت عصيّة على الحلحلة أو الخلخلة أو حتى الطرح للمناقشة عبر حوار مجتمعي أو مبادرة شبابية.

قبل عام، دشّنت أربع شابات مصريات مبادرة للتوعية بضرورة خفض تكاليف الزواج واعتبار الأخلاق والقيم أولوية في منظومة الزواج قبل أولوية الشقة والقائمة (قائمة المنقولات التي تحررها العروس لضمان حقها) والأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية والسجاد والمبردات إلى آخر قائمة “قصم الظهر” لبدء الحياة الزوجية. مبادرة “مش بيعة وشروة” (الزواج ليس عملية بيع وشراء)، تبددت على مدار عام في هواء “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”.

غارمات من أجل الزواج

آباء تُقصم ظهورهم وأمهات يُحكم عليهن بأعوام من السجن لتحريرهن إيصالات أمانة يتعهدن فيها بسداد مبالغ مالية يقترضنها أو نظير أجهزة ومستلزمات يشترينها لغرض زواج الابنة، ومن ثم يعجزن عن سدادها، فيتم حبسهن.

التعداد الرسمي للغارمات 30 ألفاً، لكن هناك الملايين غيرهن من الأمهات اللواتي يجاهدن من أجل توفير متطلبات الابنة أو الابن للزواج عبر الاقتراض والتقسيط وكل أشكال المديونية غير المحسوبة.

الغريب أن جهوداً رسمية وأهلية عدة يتم بذلها من أجل إعلان سجون مصر خالية من الغارمات، وذلك عبر جمع تبرعات لسداد مديوناتهن، إضافة إلى تزويج الفقيرات عبر مناشدة أهل الخير المشاركة في دفع تكاليف زواجهن وشراء الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية وكأن المشكلة هي توفير “جهاز العروسين” وليس تعديل وتحديث فكر العروسين وأهلهما وأقاربهما وجيرانهما وأصدقائهما في ما يختص بتكلفة الزواج، قاصمة الظهور، خاوية المضمون، عديمة الأثر حين يتعلق الأمر بسعادة العروسين أو استدامة الزيجة أو حق العروسين، لا سيما العروس في حال نشوب خلافات.

مفهوم “تكاليف الزواج” يختلف بحسب موقع المقبلين على بدء حياة جديدة في بيت جديد في الهرم الاجتماعي. لكن الغالبية المطلقة من قاطني الهرم، بدءاً من قاعدته الشعبية العريضة مروراً بمنتصفه المتأزم المتأرجح بين طبقة متوسطة تقاوم من أجل البقاء وانتهاء بالقمة المخملية حيث الزواج في النادي المخملي والأثاث من روما والستائر من باريس والشبكة من بلجيكا وشهر العسل في كاتماندو والطلاق في الجونة يتمسكون بمنظومة مالية للزواج، تجعل منه أمراً بالغ التكلفة للجميع.

كماليات لا أساسيات

وعلى الرغم من أن الدراسة التي أجراها أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة القاهرة شريف محمد عوض عن أثر تكاليف الزواج في ارتفاع سن الزواج جرت في قرية تابعة لمحافظة دمياط (شمال الدلتا)، إلا أنها كاشفة للتحولات الحاصلة في هذا الشأن في قاعدة الهرم العريضة.

رصدت الدراسة تحوّلاً في تكاليف الزواج من المتطلبات الأساسية إلى الكمالية في المجتمع المصري الذي يعاني أصلاً التضخم وارتفاع الأسعار، وهو ما أمعن في تصعيب الأمور وتعقيدها مادياً ونفسياً.

ورصد الباحث انعكاسات واضحة للقيم المعيشية والاجتماعية الجديدة التي تلقي بظلالها على المجتمع بإيقاع أسرع بكثير من قدرة منظومة الأسرة على استيعابها، وهو ما أدى إلى تغيّر كبير في أولويات الزواج وقيمه وموقف الشباب والشابات منه، فتأخر سن الزواج كثيراً.

الفجوة الكبيرة بين مفهوم الزواج القائم على والمشترط توافر متطلبات مادية عدة يعجز عن استيفائها كثيرون أو يوفرونها ولكن بأثمان وتكلفة نفسية وصحية ومديونية باهظة، تجعل من تكاليف الزواج معضلة كبرى.

السكن المعضلة الأكبر

المعضلة الأكبر في معظم الزيجات الجديدة هي السكن. وبعيداً من خيالات الماضي التي تغنّى بها الراحل فريد الأطرش حيث “عش العصفورة يكفينا، وزادنا وزوادنا غرام في غرام”، فشقّة تمليك ثلاث غرف وصالة، وزاد وزواد من الإبرة إلى الصاروخ، هي متطلبات واقع الحال.

أهل العروس الممسكون بتلابيب تأمين الابنة عبر استنزاف العريس وأهله، وأهل العريس الطامحون أو الطامعون في أكبر مساهمة ممكنة من أهل العروس في التكاليف، لعل شبح عنوسة الابنة ترهبهم وتجبرهم على إخراج ما في الجيب جميعاً، فيقعون تحت ضغط العادات وثقل التقاليد.

محاولة رسمية لخدش صنم العادات والتقاليد تتمثل في مبادرة رئاسية توفر مئة ألف شقة مفروشة بنظام الإيجار للمقبلين على الزواج.

التعليقات الرسمية تدور في فلك عظمة القرار ورجاحة الفكرة التي توفر على العرائس والعرسان أكبر معضلات إتمام الزواج ألا وهي السكن، لا سيما في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الشقق على الرغم من كثرتها. ردود الفعل المجتمعية ما زالت تتفكر في الأمر وتتدبره. فبين معتقد سائد بأن “يا باني في غير ملكك يا مربي لغير ولدك” (أي أن البناء في ما لا يملكه الإنسان إهدار وخسارة) وتشبث بفكرة أن الشقة التمليك أمن وأمان من غدر الزمان وبصيص من “ربما على المجتمع أن يغير من ثوابته التي لم تعُد ممكنة” تدور دوائر تكاليف الزواج، على الأقل للفئة المتعثرة مادياً في قاعدة الهرم الطبقي ومنتصفه.

زيجات جماعية في السودان

يقول المأذون الشرعي في السودان علي كرار عن عوائق زواج الشباب “هناك انخفاض مستمر في معدلات الإقبال على الزواج وسط فئات الشباب، وأسباب ذلك كثيرة، في مقدمتها تردّي الأوضاع الاقتصادية، إذ تعجز غالبية الشباب عن مجاراة ارتفاعات الأسعار المتوالية، سواء إيجار صالات الأفراح أو كل ما يتعلق بتجهيزات الزواج، فضلاً عن صعوبة توفير السكن الملائم، في ظل ضعف المرتبات، بخاصة إذا كان الشاب يعمل موظفاً، إضافة إلى اشتراط الفتيات على اختيار صالة أفراح بعينها، ونوع السكن وموقعه، ومستلزمات ليلة الزفاف وغيرها، فقد سبق أن تأخرت زيجات عدة وألغي بعضها بسبب خلافات في تجهيزات ليلة الزفاف”.

ويتابع كرار، “المشكلة الحقيقية أن كثيرين من الشباب ليس لديهم إلمام بالأحكام الإسلامية في مسألة الزواج، لكن واضح أن معظم الشباب يتحاشى تحمّل المسؤولية، ويريد أن يكون حراً طليقاً من دون تقييد، فهذا فهم منتشر وسط هذه الشريحة من الجنسين، لكن يجب على الدولة أن تسعى إلى تشجيع هؤلاء الشباب وتسهيل عمليات الزواج من خلال إقامة احتفالات للزيجات الجماعية بتكاليف محدودة”.

مغالاة وتفاخر

في المقابل، يوضح الباحث في التراث الشعبي السوداني خالد موسى أن “هناك تراجعاً وعزوفاً واضحين من قبل الشباب في بلادنا عن الزواج، والأسباب عدة من أهمها تردّي الأوضاع الاقتصادية لمقابلة تكاليف الزواج الباهظة، إذ من الصعوبة لأي أحد من الشباب الإيفاء بالتزامات ومتطلبات الزواج من مهر وتجهيز منزل وحفل زفاف وقضاء شهر العسل وتسيير أمور الحياة اليومية ما بعد الزواج، مقابل الدخل الشهري الضعيف إن وجد. ففي الحقيقة، هناك مغالاة لا تتناسب مع واقع البلاد المُعاش اقتصادياً، فمناسبات الزواج أصبحت مجرد ادعاء للتفاخر والتنافس بين الأسر أكثر من كونها مناسبة للاستقرار في الحياة وديمومة الزواج الذي يتطلب النظر بوعي إلى المستقبل”.

ويضيف موسى، “صحيح هناك تعقيدات واشتراطات للزواج بحسب عادات وتقاليد المجتمع السوداني التي يتحمّلها بدرجة أكبر الزوج أي بنسبة 90 في المئة، فمطلوب منه غير المهر، تقديم شنطة ملابس متكاملة للعروس يُطلق عليها “الشيلة”، تحوي ما هو تقليدي مثل الثوب السوداني (الزي الوطني للمرأة السودانية)، وما هو حديث من الملابس المتعارف عليها من فساتين، فضلاً عن الأحذية وحقائب اليد والعطورات، إضافة إلى أطقم متنوعة من الذهب، ويتباهى كثيرون من الناس في عدد وحجم وجودة قطع “شيلة” العروس، لكن تتفاوت هذه التجهيزات بحسب مقدرة العريس المالية واتفاق الطرفين على ذلك. وبشكل عام، تختلف هذه الطقوس والعادات باختلاف المناطق والقبائل، نظراً إلى أن السودان متعدد القبائل والأعراف، إضافة إلى الأصول التي تنبع منها هذه العادات”.

ويلفت الباحث في التراث الشعبي السوداني أن تغيّر الموروثات والمفاهيم والعادات السابقة في المجتمع أسهم في تراجع الزيجات من ناحية أن السودانيين كانوا في السابق سواء من الفقراء أو الأغنياء يقيمون حفلات الزواج أمام منزل أهل العروس، خلاف اليوم، إذ اتجه الكل لإقامة مراسيم الزواج في الأندية والصالات، وهي بلا شك مكلفة للغاية، مؤكداً أنه من الضروري تدخل المجتمع لتيسير أمور الزواج من خلال خفض المهور وتبسيط إجراءات الزواج، وهذا يتطلب تدشين حملة يشارك فيها الكل لحضّ هؤلاء الشباب على الزواج والعمل على مساعدتهم ومحاربة العادات السيئة في المجتمع التي تقف عائقاً أمام الغالبية العظمى منهم.

تدني المداخيل

وفي هذا السياق، يقول الشاب مدثر يوسف (31 سنة)، “كنت أخطط للزواج بعد تخرجي في الجامعة بثلاثة أعوام كحد أقصى، لكن توصلت إلى قناعة تامة بأن هذا الأمر مستحيل، فدخلي الشهري لا يكفي التزاماتي الشخصية على الرغم من أنني أسكن مع أهلي، فكيف لي أن أؤمّن منزلاً خاصاً بي بالإيجار، وأغراض المعيشة اليومية لي وزوجتي، وراتبي لا يكفيني لوحدي 15 يوماً من الشهر، إلى جانب تكاليف الزواج غير المنطقية وتزايد الأسعار كل فترة بسيطة بشكل جنوني، فالأمر صعب وأصبحت لا أفكّر فيه البتة”.

ويوضح ياسر عوض (29 سنة)، “لا أعتقد في ظل أوضاعنا الاقتصادية المتردية، وانعدام فرص التوظيف وإن وجدت يكون الأجر متدنياً جداً، بإمكان أي شاب الإقدام على خطوة الزواج من حرّ ماله، أو إن توافر له ما يغطي تكاليفه من مصادر أخرى، فتجده متردداً من ناحية كيف له أن يؤمّن مصاريف الحياة المعيشية اليومية، ناهيك عن أن معظم الأسر في حاجة ماسة لأبنائها لمساعدتهم مادياً. فالذين يُقبلون على الزواج اليوم هم الشباب ميسورو الحال فقط، وهؤلاء قلة في المجتمع. كما أن المشكلة أو الطامة الكبرى أن الفتيات لا يقبلن بزواج مبسط، فمعظمهن يشترطن أن تكون مراسيم الزواج متكاملة وفق العادات والطقوس المتبعة، وهذا أمر يفوق مقدرة أي شاب يعمل في سوق العمل مهما كانت وظيفته”.

المهر في فلسطين عائق أمام الزواج

لا تختلف الحال كثيراً في فلسطين عن الدول العربية المجاورة، فالأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة تترافق مع دخل محدود جداً للمواطنين وارتفاع مستمر في الأسعار الذي لم يقتصر على المواد الاستهلاكية والتموينية والعقارات وغيرها، بل طال تكاليف الزواج المختلفة التي وضعت الفلسطنيين ممن يرغبون بالزواج في وضع حرج، وبات الزواج بالنسبة إليهم لمن استطاع إليه سبيلا.

تجمع آراء الشباب في الشارع الفلسطيني، أن هناك بذخ في مصاريف الأعراس في فلسطين، التي يكون عنوانها التباهي والتفاخر والتقليد الأعمى. ويعبر الشباب عن امتعاضهم الشديد من مسألة غلاء المهور التي تبدأ من 8000 دولار وما فوق.

ويصل متوسط تكاليف الزواج في فلسطين بحسب المستطلعة آراؤهم من الشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 25 الى 35 سنة بين 50.000 إلى 100.000 دولار، ترتفع تدريجاً بحسب مكانة عائلة العريس الاقتصادية والاجتماعية. ويقول بعضهم، إن التكاليف الباهظة التي تبدأ بحفلة الحناء والسهرة والعشاء والغداء وحفل الزفاف في الصالة وأجرة فساتين وكوافير، وذهب وكسوة (ملابس) للعروس وغيرها، تدفع الشباب في كثير من الأحيان إلى تقسيط التكاليف على سنوات، و تدين المال إما من الأقارب والأصدقاء أو اقتراضه من البنوك بشروط قاسية، أو من جمعيات التسليف والتوفير المنتشرة بكثرة في الأراضي الفلسطينية.

يقول الخبير في الشؤون الاجتماعية والأسرية محمد ملاح “الزواج غريزة إنسانية وحاجة فطرية، وأي شيء يعيق الوصول إلى إشباع هذه الغريزة سيؤثر سلباً على نفسية الشباب، والخطورة هنا، التحدي الذي يواجهه الشباب في التصدي لتبعات هذا التأخير، فإما أن ينتج منه عنف ينعكس على المجتمع، أو كبت سيؤدي الى مشكلات نفسية”.

ويضيف “المهر هو من حق الزوجة، ولا يملك أحد سلطة التنازل عنه، أو تخفيضه إلا بموافقتها، وهو ليس باهظاً في فلسطين إلا في حالات نادرة، والنادر لا يقاس عليه، والمتوسط العام في البلاد ضمن الإمكانات المتاحة، بالتالي من غير الوارد التنازل عن المهر أو تخفيضه إلى دراهم معدودة، بخاصة في هذا العصر، مع الإشارة إلى أن تكاليف الزواج تصل إلى أكثر من 35000 دولار، وهذا مبلغ كبير جداً، وهي تصرف عادة لإرضاء المدعوين على حساب الأساسيات المهمة لنجاح مشروع الزواج. وتبقى الدعوة هنا إلى التخفيف من التكاليف المالية المتعلقة بالعرس”.

تخفيف المهور

هيئات رسمية وشعبية ومحلية كانت دعت بدورها إلى تيسير زواج الشباب الفلسطيني، وتقليل تكاليفه الباهظة على رأسها أسعار المهور، في ظل الأزمة الاقتصادية. ودققت المحكمة العليا الشرعية في الضفة الغربية 67 معاملة تصادق وإجراء عقد زواج عام 2020، مقارنة مع 237 معاملة زواج عام 2019.

يوضح رئيس هيئة التفتيش القضائي في ديوان قاضي القضاة في فلسطين الشيخ عبد الله حرب أن “أصل الزواج بالمهر الميسّر، لكن ارتفاع تكاليف الزواج غدت شبحاً يطارد أي شاب يرغب في ذلك، لذلك يجب البدء بالتغيير الحقيقي الذي يرحم المجتمع والشباب بالتحديد من هذه التكاليف الباهظة لمراسم الزواج، التي قد تجبرهم بشكل أو بآخر إلى الهجرة إلى خارج البلاد، وبسبب حالة الفقر وغلاء في الأسعار عزف الشباب الفلسطيني عن الزواج في الفترة الأخيرة”.

ويضيف “الغلاء والمفاخرة لا تليق بنا كمجتمع فلسطيني مسلم، فإذا استطاع الشاب أن يدفع المهر المعروف ومتوسطه في معظم مدن الضفة الغربية من 14000 إلى 20000 ألف دولار نصفه مؤجل، فإنه لن يستطيع تلبية تكاليف أخرى ما بعد عقد الزواج، من صالونات وعزائم وذهب وحفلات وسهرات وعادات وتقاليد هي ليست من الإسلام في شيء” مشيراً إلى أن “هناك مبادرات فلسطينية خجولة ومتواضعة لتقليل نسبة تكاليف الأعراس من جهة، ولتدق ناقوس الخطر وتنبه الناس من جهة أخرى، ويجب دعم مثل هذه المبادرات”.

فقر وبطالة

وفقاً لجهاز الإحصاء المركزي، ارتفعت نسبة البطالة في فلسطين خلال السنوات الأخيرة، حيث وصل معدل البطالة في عام 2019 إلى 25.3 في المئة، وفي عام 2020، ارتفع إلى 25.9 في المئة، وواصلت الارتفاع عام 2021 لتصل 27 في المئة. واحتلت فلسطين المرتبة السادسة على مستوى العالم، والأولى على مستوى آسيا في قائمة الدول الأكثر بطالة حول العالم، بنسبة 26.4 في المئة وفقاً لموقع” “Trading Economics، في آخر تحديث له نشر نهاية العام الماضي. ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن معدل الفقر في فلسطين ارتفع إلى 30 في المئة، حيث يعاني نحو 1.4 مليون شخص من الفقر.

شر لا بد منه في تونس

تختلف تكاليف الزواج في تونس بحسب البيئة الاجتماعية، والرغبات الشخصية، والأهم بحسب المقدرة المادية، لكن عموماً فإن تكاليف تأسيس عائلة ودخول القفص الذهبي في تونس متقاربة بالنسبة للطبقة الاجتماعية الوسطى، والتي تُعد الأكثر عدداً بين التونسيين.

وإن كان الرجل يتحمل، بحسب التقاليد الشعبية، النصيب الأكبر من التكاليف، بخاصة في تأمين مسكن وتجهيزه، فإن العقلية المجتمعية تغيرت في أغلب المناطق، وخصوصاً في المدن الكبرى، فأصبحت المسؤولية مشتركة بين الطرفين، وكل من الزوجين يتكلف جزءاً من التكاليف، وذلك بحسب الإمكانات المادية المتاحة، أيضاً تخلى شباب اليوم عن بعض الشروط التي كانت أساسية لإتمام عملية الزواج، والتي تكلف العريسين كثيراً من المال.

ويلجأ أغلب الشباب المقبلين على الزواج في تونس من الطبقة المتوسطة إلى القروض من البنوك من أجل توفير أهم مستلزمات الزواج، بداية من توفير المنزل وتجهيزه، وصولاً إلى حفل الزفاف ومراسم الزواج، والتي تختلف بحسب المنطقة والطبقة الاجتماعية والأذواق الشخصية، لكن تكاليف الزواج ما زالت تُعد عائقاً كبيراً أمام الشباب من إجل “إكمال نصف دينهم”، وفي إحصائيات تداولتها وسائل إعلام تونسية، فإن معدل تكاليف الزواج في تونس تتراوح بين 10 آلاف دولار و20 ألف دولار من من دون امتلاك المنزل الذي لم يعد أساسياً، ويمكن أن ترتفع التكاليف بحسب الطبقة الاجتماعية.

7 أيام وسبع ليالٍ

مروان (35 عاماً) شاب مقبل على الزواج خلال فصل الصيف، التقيناه برفقة خطيبته وهما بصدد البحث عن بيت الزوجية عن طريق الإيجار. يقول مروان، “إن الضغوط الاجتماعية أحياناً تجعل الشباب يتورط في تكاليف غير ضرورية على غرار مراسم الزواج التي تدوم في التقاليد التونسية سبعة أيام وسبع ليالٍ”. ويواصل مروان موجهاً كلامه لخطيبته منال، “الحمد الله، اتفقنا على إلغاء كل هذا البهرج الذي يحيط بعملية الزفاف من سهرات ولباس وموائد عشاء، وقررنا أن يكون الاحتفال على نطاق ضيق يشمل أفراد العائلة المقربين وبعض الأصدقاء”.

أما منال فتقول، “إمكاناتنا لا تسمح لنا بقيام حفل زواج كبير، وأيضاً الأولوية الآن لتجهيز منزل الزوجية الذي يتطلب كثيراً من المال”. ولا ترى منال حرجاً في مشاركة زوجها في تجهيز المنزل، معتبرة أن المنزل مشترك، وكلاهما يعمل، ولديه موارده المالية، بالتالي من الضروري المشاركة في كل التكاليف.

وإن تلمّس مروان ومنال طريقهما نحو حياة جديدة بأقل التكاليف بتفهم عائلتهما، ومن من دون ضغط، فإن عديداً من الشباب في تونس يرون أن تكلفة الزواج الباهظة أصبحت سبباً أساسياً في عزوفهم عن الزواج.

مؤمن (33 عاماً) موظف في شركة خاصة، يقول إنه لا يفكر أبداً في الزواج، لا الآن، ولا في وقت آخر، مواصلاً، “أنا مرتاح من من دون مسؤوليات، وبخاصة المادية منها”. ويضيف، “لا يمكنني توفير كل هذه التكاليف الباهظة بمثل هذا الأجر الشهري الزهيد الذي أتقاضاه، والذي لا يكفيني وحدي”. ويضيف، “لا يمكنني حتى الحصول على قرض بنكي”، ولهذه الأسباب قرر مؤمن عدم الخوض في تجربة الزواج التي يرى أنها حتماً تجربة فاشلة، وأن ارتفاع نسب الطلاق سببه الأساسي الأوضاع المادية المتردية.

من دون شك إن عديداً من الشباب في تونس يفكرون مثل مؤمن، لكن أغلبهم يرون أن الزواج شر لا بد منه، وهذا ما يعتقده مجدي الذي يقول إن الزواج قرار ضروري على الرغم من مخاوفه من هذه التجربة. ويرى أن العائق المادي يجعله متردداً أحياناً. ويقول مجدي ليس الإشكال في تكاليف الزواج في حد ذاتها، أي تكاليف مراسم الزواج، وتكاليف تجهيز بيت الزوجية، بل المعضلة الكبيرة هي الاستمرار والصمود، بخاصة بعد تكوين عائلة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس، والتي أدّت إلى تقهقر المقدرة الشرائية للتونسيين وتزايد نسب البطالة والفقر.

هذا ما تبقّى

لكن الهرم بأكمله غارق في منظومة تكاليف باهظة لا تسمن ولا تغني من طلاق إن وقع المحظور.

تقول خلود (28 سنة) وهي محاسبة مطلقة بعد سنة زواج “تعنّت أبي كثيراً في متطلبات الزواج وأصرّ أن يدفع العريس مهراً باهظاً وشبكة من الماس، إضافة إلى توقعيه على قائمة طويلة وعريضة تحوي كل ما اشتريناه من لزوم تأسيس بيت الزوجية”. تبتسم ابتسامة صفراء وتضيف “بعد أشهر قليلة من الزواج وانتصار أبي في معركته، ذهب الزوج لخلافات كبيرة دبّت بيننا وبقي هذا…”. أي بقي تلفزيون 58 إنش وغسالة “فول أوتوماتيك” 22 برنامجاً وأثاث وأدوات مطبخ وتلال ملابس مخزنة في غرفة في منزل الأب المنتصر.

إندبندنت

تعليقات الفيسبوك


انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا

انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.