اختفاء خيمة افتتحها الرئيس .. الافتتاحات المزيَّفة.. (كنشكة) في المنصب بلا حدود

فوجئ مواطنو مدينة كسلا بالإزالة السريعة لخيمة البيع المخفّض التي افتتحها رئيس الجمهورية ضمن البرنامج المصاحب لزيارة الرئيس عمر البشير لولاية كسلا يوم (الإثنين) واستمرت ليوم واحد. وفوجئ المواطنون صبيحة اليوم التالي باختفاء الخيمة وترحيل السلع المعروضة إلى جهة غير معلومة. وطبقاً للدعاية التي انطلقت حينها، فإن الخيمة التي تم نصبها في سوق الخضر الجديد تأتي ضمن مشروع الولاية لتخفيف أعباء المعيشة واهتمام الحكومة بمعاش المواطن، ومكافحة الفقر، وكلها فقرات ببرنامج البشير لانتخابات العام 2015م .

سلسلة طويلة

اللافت أن حادثة اختفاء خيمة كسلا ليست الوحيدة، فهناك كثير من الشواهد والحالات الشبيهة التي يتناولها اعلاميون ومواطنون بالولايات، من الملمين ببواطن الأمور في جانب افتتاح المشروعات التنموية الخاصة بالبنية التحتية والخدمية في الولاية من طرق وكبارِ ومؤسسات صحية وتعليمية وغيرها، قبل اكتمالها.

ودرج بعض الولاة والمسؤولين الولائيين على إدراج افتتاح مشروعات في ولاياتهم ضمن البرامج المصاحبة لزيارات المسؤولين الكبار، قبل تجهيزها والفراغ منها، ويظهر ذلك بوضوح حين يتعلق الأمر بالتنمية في مجال الخدمات.

ومن الشواهد على ذلك افتتاح مشروع التوسعة الجديدة لمستشفى النهود على يد رئيس الجمهورية في زيارته للولاية، حيث يتحدث الزملاء الإعلاميون بأن حكومة ولاية غرب كردفان استجلبت بعض الأّسرة من محلات بالسوق، وفرشتها داخل العنابر، وأكملت ذلك بإحضار بعض المرضى، ومن ثم وبنهاية برنامج الافتتاح، لاحظوا أن العنابر خالية من الأسرة والمرضى كذلك.

وتحضر أيضاً، حادثة افتتاح خزان الدبيبات بمحلية القوز على يد النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه، قبل اكتماله، وبكلفة بلغت ملايين الجنيهات. وفي الافتتاح بدا أن حكومة الولاية جلبت طلمبات ري، ووجهت بعض معاونيها في المنطقة لإدارتها ورفع المياه من الخزان الذي كان شبه فارغ، وتم الاتفاق معهم بأن يتحدثوا مع النائب الأول عن ارتفاع مناسيب المياه، ولعل ما أنقذ الموقف أن النائب اكتفى بمعاينة المشروع من على طائرة.

أما أغرب ما يتدواله الزملاء فخاص بعملية استئجار ثور من أحد جزاري ولاية النيل الأبيض ليتم ذبحه احتفاء بزيارة الرئيس للولاية، ويروي أحدهم عن معايشته لما حدث بعد نهاية الافتتاح حيث تم شحن الذبيحة على عربة نصف نقل، وإعادتها لـ (الجزارة) رغم احتجاج المواطنين على منعهم من اقتسامها.

ومن الشواهد لمشروعات لم تكتمل ما يرويه الزملاء الذين شهدوا افتتاح المرحلة الثانية لطريق النيل الغربي البادئ من منطقة ود حامد وحتى الجرافة، إذ تفاجأ الوفد الاتحادي المكوّن من وزير وزارة مجلس الوزراء أحمد سعد عمر ووالي الولاية السابق محمد حامد البلة، ونائب الدائرة د. نافع علي نافع بأن طبقة الأسفلت لم تكتمل ورغم ذلك تم افتتاح الطريق.

آثار سلبية

تعد ظاهرة الافتتاحات المتعجلة للمشروعات التنموية، مضرة بالعمل التنموي، وتؤدي إلى فقدان المواطن الثقة في حكومة ولايته، ما يجعله يمسك لاحقاً عن التفاعل مع مختلف برامجها. يعود ذلك لأسباب مختلفة، أبرزها إهمال مسؤولي الولايات تنفيذ المشروعات التي يُكلَّفون بها وتوجيه أموالها لبنود صرف أخرى، والبدء في مشروعات جديدة لتحسب لصالح أدائهم، ذلك قبل أن يُفاجأوا بزيارة مسؤول رفيع لتفقد سير العمل في هذه المشروعات بعد حلول مواقيت التسليم، دون أن تكون هذه المشروعات قد اكتملت، ما يفضي بالمسؤول إلى الالتجاء إلى حِيل كالتي وردت عاليه.

ويرى مراقبون ومحللون تحدثوا لـ (الصيحة) أن الظاهرة هي مثال صارخ للتخبط والعشوائية، من جراء غيبة خطة تنموية واضحة المعالم لإنفاذ هذه المشروعات، بالإضافة إلى عدم إعمال مبدأ المحاسبة بحق المقصرين، وهادري وقت القيادات الرفيعة في الدولة في افتتاح مشروعات لم تكتمل، ما يضع الاحتفالات المتعجلة في خانة إهدار المال العام.

ويذهب المراقبون لتحميل الدولة جزءاً من المسؤولية باعتمادها الترويج الإعلامي للمشروعات بصورة أكبر من حجمها دون أن تتحسّب للنتائج السلبية التي تظهر بعد اكتمال المشروع في مرحلة التشغيل.

ولعل أبرز الشواهد لذلك، مشروع سد مروي الذي بدأت الحكومة السودانية في التخطيط له منذ 2003م وأطلقت عليه عشرات الألقاب أشهرها سد القرن، لكن سرعان ما اعترفت الحكومة السودانية صراحةً عن فشل مشروعها سد مروي إبان أزمة مشكلات العجز الذي ظهر في الإمداد الكهربائي بعد التوسعة التي تمت لتوزيع الشبكة في أجزاء واسعة في السودان.

والسؤال الأهم هل مراسم الدولة تتابع اكتمال هذه المشروعات عبر تقارير وزيارات ميدانية قبل الافتتاح، أم الأمر متروك لحسابات مسؤولي الولايات الذين يسعون لزيادة رصيدهم من الإنجازات.

يشير المحلل السياسي د. عبد اللطيف البوني إلى أن جنوج مسؤولي الولايات لهذا النهج من الممارسة أنه نوع من الخداع، بغية إظهار المسؤول بمظهر حسن أمام الرئيس وقيادات الدولة الرفيعة، فيما هو غير مسؤول أمام جماهير الولاية، مفسراً ذلك بأن بعض المسؤولين يهمهم رضا المركز ومسؤوليه ليستمروا في المنصب.

وعن أنسب الطرق للحد من هذه الظاهرة، قال البوني لـ (الصيحة) من خلال متابعة مراسم رئاسة الجمهورية والأجهزة الديوانية بالدولة دون الاعتماد على تقارير الولاة عن هذه المنشآت، ومن ثم الوقوف عليها في أرض الواقع بزيارات ميدانية والتأكد من اكتمالها وما إذا كانت حقيقية أم وهمية، قبيل افتتاحها وتدشينها.

ويزيد البوني بضرورة إخضاع المشروعات بعد اكتمالها للتقييم، والإجابة على سؤال: هل تستحق أن يتم افتتاحها عبر رئاسة الجمهورية؟ ونوه البوني إلى أن بعض المشروعات من شأنها تقليل هيبة الدولة.

تمسك بالمنصب

من جانبه استنكر عضو مجلس الولايات بدوي الخير إدريس، نهج تزييف الحقائق في افتتاح بعض المشروعات، وقال لـ (الصيحة) بعدم صحة هذا النهج في تعامل مسؤولي الولايات مع مشروعات التنمية التي لا توجد ضرورة في الاستعجال لإظهارها قبل اكتمالها. مضيفاً أن على مسؤولي الولايات إعطاء هذه المشروعات فرصة اكتمالها دون خداع، خاصة والشعب منتبه وواعٍ، ويجيد استخدام وسائط التواصل الاجتماعي.

وأرجع الخير أسباب الجنوح لهذا النهج لاعتقاد هؤلاء المسؤولين بأن هذا الافتتاح الزائف يمثل إنجازاً يحسب لهم، لجهة الحفاظ على المنصب بكل الوسائل دون اعتبار للمصداقية أمام الجماهير في حين يكون ذلك خصماً عليهم متى انزاح الغطاء والستر عن أعين الجهة المنوط بها المحاسبة، قائلاً إن هذه مسؤولية المجالس التشريعية في الولايات، أما ما يلي جانبهم في مجلس الولايات فأشار إلى أن التعديل الأخير يجعل الولاة محاسبين أمامهم ويمكن أن يوصوا بعزلهم.

عنصر الثقة

وفي منحى ذي صلة، يقول الخبير في الحكم الفيدرالي، د. علي النعيم جرقندي، إن زيارة الرئيس للولايات تأتي للوقوف على البرامج المنفذة في هذه الولايات طبقاً لخطة موضوعة مسبقاً. لذلك ينوه الخبير بعدم افتتاح أي مشروع قبيل اكتماله.

وشدد على أن أي جهة تقدم مشروعات للافتتاح دون اكتمالها، يخلف أثراً سلبياً على الخدمة المقدمة، بل والمشروع نفسه لجهة أن هذا المشروع قام لتقديم خدمة بعينها. يقول جرقندي لـ (الصيحة) إن الافتتاح المتعجل للمشروعات يقفد المواطن الثقة في الخدمات المقدمة، كونه معايشاً للحدث ولصيقاً به، وقطع بأن ثقة المواطن مهمة لإنجاح المشروعات الخدمية، موضحاً أن البرامج التنموية في الولايات يجب أن تكون متسقة مع برنامج الرئيس الانتخابي والخطة الاستراتيجية، مع التذكير بأن الوالي مسؤول لدى رئاسة الجمهورية وفق التعديل الدستوري الأخير.

الخرطوم: الطيب محمد خير

صحيفة الصيحة




مؤمن محمد

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.